صدر الدين الشيرازي مخاض حكيم وارث

صدر المتألهين الشيرازي: مخاض حكيم وارث

: مهد النبوغ وأروقة العواصم (شيراز وقزوين)

في قلب شيراز، المدينة التي تفوح بعبق الشعر والحكمة، ولد “محمد بن إبراهيم الشيرازي” عام 979 هـ (1571 م). لم يكن وليداً عادياً، بل كان الابن الوحيد لأسرة أرستقراطية متنفذة في البلاط الصفوي، مما جعل طفولته مزيجاً من الترف المادي والحدة الذهنية. منذ نعومة أظفاره، لم تكن ألعاب الصبيان تستهويه بقدر ما كانت تجذبه أسرار الوجود المودعة في الكتب. هذا الشغف المبكر دفعه لترك دفء شيراز، منطلقاً في رحلة علمية شاقة نحو “قزوين” عام 1000 هـ، التي كانت آنذاك مركز الثقل السياسي والديني للإمبراطورية. هناك، بدأ يتشكل وعيه الفلسفي الأول، حيث لم يكن يكتفي بسماع الدروس، بل كان يحلل ويناقش ويتمرد على المسلمات التي لا يرتضيها العقل.

ثانياً: أصفهان.. لقاء العمالقة وبناء الهوية

في عام 1006 هـ، انتقل الشاب اللامع إلى “أصفهان”، درة التاج الصفوي في عهد الشاه عباس الأول. في هذه المدينة، التقت الأقدار بصدرا لتضعه بين يدي قطبين لم يتكررا في تاريخ الفكر الإسلامي: مير داماد والشيخ بهائي.

مع مير داماد، “المعلم الثالث”، غاص صدرا في محيط الفلسفة المشائية، فدرس نصوص ابن سينا وبهمنيار بذكاء نقدي، وفكك طلاسم “الأفلاطونية العربية” وكتاب “الربوبية” المنسوب زوراً لأرسطو. كانت العلاقة بينهما تتجاوز حدود الأستاذ وتلميذه؛ فقد كان مير داماد يرى في صدرا “ابنه الروحاني” ووريث سره الفلسفي، كما كشفت المخطوطات النادرة في “يونج قزوين” التي حملت توقيعاتهما المشتركة كوثيقة إخاء روحي فريدة. أما مع الشيخ بهائي، فقد ولج صدرا عوالم “العلوم النقلية” وتفسير القرآن وتراث الأئمة، ليتعلم كيف يمزج بين صرامة العقل وحرارة الإيمان. وعلى الرغم من محاولات بعض المؤرخين المتأخرين ربط اسمه بـ “مير فندريسكي” الفيلسوف المتجول في أديان الهند، إلا أن التحقيق التاريخي الرصين ينفي هذه التلمذة المباشرة، ويجعلها من قبيل الأساطير التي حيكت حول العظماء.

ثالثاً: المحنة الكبرى ودراما العزلة في كاهاك

بعد وفاة والده عام 1010 هـ، عاد صدرا إلى شيراز محملاً بإرث ثقيل من المعرفة والجرأة. لكن الصدمة كانت بانتظاره؛ فقد واجه مجتمعاً علمياً يقدس القشور ويحارب الفكر الحر. اتُهم في دينه، وحُوربت دروسه، وضاقت به السبل في مدينة “نسيت قيمة الحكمة”. هنا، تجلت عظمة صدرا؛ فبدلاً من الاستسلام، اختار “الرحيل الداخلي”. انسحب إلى قرية “كاهاك” الصغيرة والنائية بالقرب من قم، ليدشن مرحلة من أخصب مراحل حياته: “العزلة الأنطولوجية”.

في كاهاك، قضى صدرا سنوات من التأمل الصامت والرياضة الروحية، حيث يصف هذه المرحلة بأنها كانت “مخاضاً نورانياً”. هناك، ولدت رائعته “الأسفار الأربعة”، ولم تعد الفلسفة عنده مجرد “قيل وقال”، بل أصبحت شهوداً لمراتب الوجود. في تلك القرية المنسية، صاغ نظريته الثورية حول “أصالة الوجود” و”الحركة الجوهرية”، محولاً السكون المادي إلى صيرورة دائمة نحو الكمال الإلهي. كانت رسائله إلى أستاذه مير داماد خلال هذه الفترة تفيض بالحنين والإجلال، واصفاً إياه بـ “العقل الحادي عشر” وسيد الفلاسفة.

رابعاً: الإرث العائلي والمدرسة الصدرائية

لم تكن حياة صدرا رهبانية بالكامل؛ فقد كان رجلاً ثرياً ذا أسرة ممتدة. رزق بخمسة أبناء (أم كلثوم، زبيدة، معصومة، إبراهيم، ونظام الدين)، واللافت في سيرته أنه لم يكن يبحث لبناته عن أزواج ذوي جاه، بل كان يبحث عن “عقول”. فزوجهن لأبرز تلاميذه الذين نبغوا في مدرسته: محسن فايز كاشاني وعبد الرزاق لاهيجي. هذه المصاهرة لم تكن مجرد علاقة عائلية، بل كانت “تحالفاً فكرياً” ضمن استمرار مدرسة “الحكمة المتعالية”. فأصبح كاشاني حاملاً للواء العرفان والحديث، واللاهيجي مدافعاً عن الفلسفة والكلام، ليمثلا الجناحين اللذين طارت بهما الفلسفة الصدرائية عبر الأجيال.

خامساً: العودة المظفرة والرحيل نحو المطلق

في عام 1040 هـ، وبإلحاح من حاكم فارس “إمامقلي خان”، عاد صدرا إلى شيراز ليتصدر مشهد التدريس في “مدرسة الخان” العظيمة. كانت هذه المدرسة منارة علمية تُدرس فيها الكيمياء والرياضيات والفلك بجانب الفلسفة، وقد سجل الرحالة الإنجليزي “توماس هربرت” دهشته من نظام التعليم المتطور فيها آنذاك. أمضى صدرا سنواته الأخيرة في ذروة نتاجه الفكري، محترماً ومهاباً، حتى جاءت لحظة الختام.

في طريقه للحج السابع، وهو يقطع الفيافي نحو مكة، وافته المنية في مدينة البصرة عام 1045 هـ (1635 م) كما رجح حفيده علم الهدى. نُقل جثمانه ليُوارى الثرى في النجف الأشرف، بجوار مرقد الإمام علي بن أبي طالب، ليرحل بجسده ويبقى “وجوده” أصيلاً، مسطراً بمداد من نور رحلة إنسان آمن بأن الوجود هو الله، وأن الله هو الحق الصرف.

أهم أعمال ملا صدرا الشيرازي

خلف الملا صدرا وراءه خزانة فكرية هائلة تتجاوز الخمسة وأربعين مؤلفاً، لم تكن مجرد شروح لمتون سابقة، بل كانت “هندسة معرفية” جديدة صهرت الحكمة والوحي في بوتقة واحدة. وتتربع على عرش هذه المؤلفات موسوعته الكبرى الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، والتي تعد الدستور النهائي لفلسفته.

  1. ملحمة الأسفار: رحلة الوجود الكبرى ابتكر صدرا في “الأسفار” (التي استغرق تأليفها أكثر من عقدين بين كاهاك وشيراز) تقسيماً غير مسبوق؛ فلم يتبع التقسيم الأرسطي التقليدي (منطق، طبيعيات، إلهيات)، بل استعار “الاستعارة العرفانية” ليعيد صياغة الفلسفة كرحلة روحية تقطعها النفس للوصول إلى اليقين:
  • السفر الأول (من الخلق إلى الحق): يمثل “الانعطاف الأنطولوجي”؛ حيث يفكك الباحث قيود الكثرة والوهم المادي ليدرك حقيقة الوجود الواحدة. هنا وضع صدرا تعريفاته الجوهرية للميتافيزيقا وحل معضلة الوجود والماهية.
  • السفر الثاني (في الحق بالحق): هو سفر “المحو والفناء”؛ حيث يغوص العقل في صفات الله وكمالاته. في هذا القسم، صاغ صدرا برهانه الأشهر (برهان الصديقين) الذي يثبت وجود الله من صميم حقيقة الوجود.
  • السفر الثالث (من الحق إلى الخلق بالحق): رحلة “الصحو بعد السكر”؛ حيث يعود الفيلسوف إلى العالم ليس كغريب، بل كعارف يدرك علاقة الخالق بالمخلوق، والزمن بالسرمدية، وكيف يفيض الواحد على الكثير.
  • السفر الرابع (في الخلق بالحق): هو السفر السلوكي والاجتماعي؛ حيث يركز على علم النفس البشري، والمعاد، والخلاص. هنا تتجلى الهوية الشيعية لصدرا، حيث يربط بين فلسفة الوجود وبين المصير الأخلاقي والروحي للإنسان.
  1. خزانة الحكمة: تنوع النتاج وتكامل المنهج لم تكن “الأسفار” وحيدة في ميدان الإبداع الصدراوي؛ فقد كتب المشاعر ليكون خلاصة مكثفة ونورية لعقيدته في الوجود، و**”الشواهد الربوبية”** و**”الحكمة العرشية”** لتقديم رؤية كلامية وفلسفية رشيقة. وفي الجانب النقدي، أعاد صدرا قراءة تاريخ الفلسفة الإسلامية، فدمج إحكام ابن سينا، وإشراق السهروردي، ووحدة وجود ابن عربي، مع تسليط الضوء على فلاسفة مدرسة شيراز المنسيين مثل الدشتكي والخفري.
  2. التفسير الفلسفي: مصالحة النص والبرهان باعتباره “عارفاً بالله”، لم ينفصل صدرا عن النص المقدس، فكتب مفاتيح الغيب و**”أسرار الآيات”** كتمهيد لتفسير فلسفي عميق. كما قدم واحداً من أهم الشروح الحديثية في تاريخ التشيع وهو شرح أصول الكافي، محاولاً فيه الإجابة على سؤال جوهري: كيف يمكن للفيلسوف الحدسي أن يكون جزءاً أصيلاً من الولاء للنص والسنّة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top
الحكمة الإلهية