المرحلة الأولى: الولادة والنشأة في الأندلس (560-589 هـ / 1165-1193 م)
ولد محيي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عربي الحاتمي الطائي في مدينة مرسية بالأندلس يوم الاثنين 17 رمضان 560 هـ (27 يوليو 1165 م)، في عصر الدولة الموحدية التي كانت في أوج ازدهارها الثقافي. مرسية كانت مدينة خصبة زراعياً، محاطة بحدائق وبساتين، وتجمع بين الثقافة الإسلامية والتأثيرات المسيحية واليهودية المتبقية من عصر الطوائف. يذكر ابن عربي في كتاباته أنه من قبيلة طيء العربية الشريفة، وأن أسلافه هاجروا إلى الأندلس قديماً.
انتقلت الأسرة إلى إشبيلية حوالي سنة 568 هـ (1172 م)، عندما كان ابن عربي في السابعة أو الثامنة. إشبيلية كانت جوهرة الأندلس: نهر الوادي الكبير، قصور الخلفاء، المساجد الكبرى، والأسواق النابضة. والده علي بن محمد كان موظفاً رفيعاً في بلاط السلطان أبي يعقوب يوسف الموحدي، مما منح الأسرة مكانة اجتماعية عالية وإمكانية الوصول إلى مجالس العلماء والأمراء. أما أمه فكانت امرأة تقية صالحة، وعمّه أبو محمد عبد الله بن عربي كان زاهداً صوفياً، أثر فيه مبكراً.
في إشبيلية، تلقى ابن عربي تعليماً تقليدياً واسعاً: حفظ القرآن، درس الفقه المالكي على يد علماء كبار مثل أبي بكر بن بشكوال (توفي 578 هـ) وابن زرقون، وتعلم الحديث واللغة والأدب. كان شاباً ذكياً، يجيد القراءة والكتابة، ويشارك في مجالس العلم. لكنه في سن المراهقة عاش حياة دنيوية مفتوناً بالجمال الطبيعي والشعر والنساء، كما يعترف بنفسه في “الفتوحات المكية”، حيث يصف نفسه كـ”فتى مدلل” يرتاد الحفلات والمجالس الأدبية.
اللقاء الشهير مع الفيلسوف أبي الوليد ابن رشد (توفي 595 هـ) حدث في قرطبة سنة 580 هـ تقريباً (1184 م)، بدعوة من والده. كان ابن عربي في التاسعة عشرة، وابن رشد في الستين. سأله الفيلسوف عن علاقة الكشف بالعقل، فأجاب ابن عربي: “نعم ولا، وبينهما مسافة تمزق الأرواح”. أذهل الجواب ابن رشد، الذي قال: “هذا ما كنت أبحث عنه”. يُظهر هذا اللقاء التقاطع بين الفلسفة الأرسطية والتصوف الكشفي، حيث تجاوز ابن عربي حدود العقل نحو الذوق الروحي.
المرض الشديد في سن السادسة عشرة تقريباً (حوالي 576 هـ / 1180 م) كان نقطة تحول كبرى. دخل غيبوبة، ورأى فيها أرواحاً شريرة تحاول اقتلاع روحه، ثم تدخل والده المتوفى (أو روح صالحة) وأنقذه. بعد الشفاء، دخل خلوة طويلة في مقبرة إشبيلية، حيث انكشف له عالم الغيب، ورأى الأنبياء والأولياء. يصف هذه التجربة في “روح القدس” كـ”فناء عن الذات” و”بقاء بالله”.
بدأ يجوب الأندلس بحثاً عن الشيوخ: التقى بأكثر من مئة، منهم أبو العباس العريان في إشبيلية، وفاطمة بنت ابن المثنى في قرطبة (امرأة في التسعين، وصفها بـ”من أكابر الأولياء”، كانت تأكل من ورق الشجر وتعيش على الكرامات)، وجميلة الزاهدة التي أثرت فيه بزهدها الشديد. في رندة، التقى بأبي الحجاج الشاطبي، وفي غرناطة بآخرين. هذه اللقاءات بنت شبكة روحية، علمته أن الولاية تتجلى في أشكال متعددة: رجالاً ونساءً، علماء وزهاداً.
في سنة 589 هـ (1193 م)، بدأ يشعر بدعوة داخلية للرحيل، بعد رؤى متكررة تأمره بالخروج من الأندلس. كان قد ألف رسائل أولى مثل “مواقع النجوم” و”مشاهد الأسرار”، وبدأ يكتب شعراً صوفياً.
المرحلة الثانية: التحول الروحي الكبير والرحيل عن الأندلس (590-598 هـ / 1194-1201 م)
شهدت هذه السنوات تعميق التحول. زار مدن مثل المرية ورندة وقرطبة مرات عديدة، يجمع بين الخلوات واللقاءات. في سنة 595 هـ (1198 م)، زار قبر ابن رشد بعد وفاته، ورأى رؤيا رمزية: نعش ابن رشد وكتبه على حمار، رمزاً لتفوق الكشف على العقل المجرد.
في سنة 597 هـ (1200 م)، حدث الحدث الحاسم في المسجد الأموي بقرطبة: رأى النبي محمد صلى الله عليه وسلم في رؤيا، يأمره بالرحيل إلى المشرق ويسلمه كتاباً. هذه الرؤيا كانت الإشارة النهائية. ألف في هذه الفترة “روح القدس في نصيحة النفس”، يسرد فيه سير شيوخه الأندلسيين بالتفصيل، مع وصف كراماتهم ودروس مستفادة.
كانت كشوفه تتوالى: لقاء الخضر عليه السلام في رؤى، رؤى الأنبياء في عالم البرزخ، كشف عن أسرار الحروف والأسماء الإلهية (تأثراً بمدرسة ابن برجان الأندلسية). بدأ يطور مفهوم “وحدة الوجود” الأولي: الكون تجلي للأسماء الإلهية، والمخلوقات مرايا للحق.
غادر الأندلس نهائياً سنة 598 هـ (1201 م)، متجهاً شرقاً عبر البحر.
المرحلة الثالثة: المغرب العربي وتونس – البحث عن القطب (598-600 هـ / 1201-1203 م)
وصل أولاً إلى تونس، حيث التقى بالشيخ عبد العزيز المهدوي (صديق مدى الحياة، تبادلا رسائل طويلة). في تونس، بدأ يكتب الديوان الكبير، وألقى دروساً. ثم انتقل إلى المغرب الأقصى: فاس، بجاية، مراكش.
في فاس سنة 599 هـ، حدثت فتوحات كبرى: رأى الخضر مرات عديدة، وكشف عن أسرار المهدي ابن تومرت (مؤسس الموحدين). تعمق في علم الحروف والتنزلات. التقى بأولياء خفيين، وبدأ تلقي إلهامات أولية لـ”الفتوحات المكية”.
هذه المرحلة كانت مرحلة “البحث عن الرجال”، حيث جاب المدن يلتقي بالأقطاب والأبدال، مما عزز فكرته عن “الإنسان الكامل” الذي يجمع الظاهر والباطن.
المرحلة الرابعة: الوصول إلى مكة والفتوحات العظمى (600-602 هـ / 1202-1205 م)
وصل الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي إلى مكة المكرمة في شعبان سنة 600 هـ (أبريل 1202 م)، بعد رحلة طويلة من الأندلس عبر تونس والمغرب الأقصى. كان في السابعة والثلاثين من عمره، وقد أعدته السنوات السابقة روحياً لهذه اللحظة. وصف ابن عربي في “الفتوحات المكية” وصوله إلى الحرم كـ”فتح أكبر”، حيث انكشفت له أسرار الكعبة والطواف، ورأى في البيت العتيق مركز الكون وتجلي الواحد الأحد.

مكة في ذلك العصر كانت مدينة مقدسة نابضة بالحجاج من كل أنحاء العالم الإسلامي، مليئة بالعلماء والصوفية والتجار. أقام ابن عربي في دار قرب الحرم، يقضي أيامه في الطواف والخلوة. هنا بدأت “الفتوحات المكية” تتنزل عليه تدريجياً، في رؤى أثناء الطواف أو في الليل. يروي أنه رأى النبي محمد صلى الله عليه وسلم في رؤيا يأمره بكتابة الكتاب، وكان يتلقى الفصول مباشرة من الإلهام الإلهي. استمر هذا التلقي سنوات، لكن البداية كانت في مكة، حيث كتب الأجزاء الأولى.
أبرز ما يميز هذه المرحلة هو لقاؤه بالعالمة الصوفية الزاهدة نظام عين الشمس (أو نظام بنت الشيخ مكين الدين الإصفهاني). كانت نظام فتاة فارسية الأصل، متعلمة وشاعرة، في الثمانينيات من عمرها، تقيم في مكة مع والدها. وصفها ابن عربي في “الفتوحات” و”ترجمان الأشواق” بأنها “رمز الحكمة الإلهية” (صوفيا)، وأنها تجسد الجمال الروحي الأنثوي الذي هو تجلي للأسماء الإلهية. كان اللقاء بها في منزل والدها، حيث أعجبت به معرفتها بالقرآن والحديث والتصوف، وأثرت فيه بزهدها وكراماتها.

ألهمته نظام لكتابة “ترجمان الأشواق“، مجموعة قصائد غزل صوفي يصف فيها جمالها الروحي، مستخدماً رموزاً مثل العيون والخصر والشعر للدلالة على التجليات الإلهية. أثارت هذه القصائد جدلاً بين بعض العلماء الذين فهموها غزلاً جسدياً، فاضطر ابن عربي لكتابة شرح بعنوان “ذخائر الأعلاق” يبين فيه المعاني الباطنية، مؤكداً أنها تعبير عن الحب الإلهي لا الشهواني.

خلال إقامته الطويلة في مكة (عامين تقريباً)، زار ابن عربي المدينة المنورة مرات، وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم، حيث حدثت له فتوحات عظيمة. يروي أنه رأى النبي في المنام يبارك طريقه، وكشف له أسرار الصلاة على النبي والولاية المحمدية. كانت المدينة في ذلك الوقت مركزاً للعلم، مليئة بالحجاج والعلماء.

The Prophet’s Mosque in Medina — Gods’ Collections
في مكة، التقى ابن عربي بحجاج من المشرق والمغرب، تبادل معهم المعارف، وبدأ ينشر تعاليمه تدريجياً. عمقت هذه الفترة مفهومه لـ”وحدة الوجود”، حيث رأى في الكعبة مركز الدائرة الكونية، والطواف رمزاً لدوران الكائنات حول الحق. كما تعمق في علم الأسماء الإلهية والتنزلات الروحية.
أما عن “الفتوحات المكية”، فبدأت كسلسلة من الكشوف أثناء الطواف، حيث كان يرى الأرواح الطاهرة تطوف، ويتلقى معارف عن الأنبياء والأولياء والعوالم. يصف ابن عربي الكتاب كـ”موسوعة روحية” تجمع بين الفقه الباطني والكشف والسيرة.

غادر ابن عربي مكة سنة 602 هـ متجهاً إلى المشرق، لكن هذه المرحلة بقيت الأكثر تأثيراً في حياته، إذ سمى موسوعته باسمها تيمناً بها. تحليلياً، تمثل مكة قمة التحول من “السالك” إلى “القطب”، حيث جمع بين الشرع الظاهر (الحج والطواف) والحقيقة الباطنة (الكشف والإلهام).
المرحلة الخامسة: الرحلات الواسعة في المشرق وبداية الانتشار (603-619 هـ / 1206-1222 م)
غادر الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي مكة المكرمة في سنة 602 هـ (1205-1206 م)، متجهاً نحو المشرق في رحلة طويلة استمرت نحو خمس عشرة سنة، شملت العراق والشام ومصر والحجاز مرات عديدة، مع عودة مؤقتة إلى المغرب العربي. كانت هذه المرحلة، كما تصفها كلود عداس في كتابها، مرحلة “الانتشار والتأثير”، حيث بدأ ابن عربي ينشر تعاليمه علانية، يلتقي بالأمراء والعلماء، ويؤلف كتباً جديدة، مع تعميق كشوفه عن الولاية والإنسان الكامل. لم يعد مجرد سالك يبحث عن الشيوخ، بل أصبح مرشداً يجمع حوله تلاميذ، ويواجه معارضة من بعض الفقهاء بسبب تعاليمه الباطنية.

بدأت الرحلة باتجاه بغداد، عاصمة الخلافة العباسية في ذلك العصر، التي كانت لا تزال مركزاً ثقافياً هائلاً رغم الاضطرابات السياسية. وصل ابن عربي إلى بغداد سنة 603 هـ (1206-1207 م)، حيث التقى بالخليفة الناصر لدين الله (حكم 575-622 هـ)، الذي كان مهتماً بالتصوف والعلوم الباطنية. أهداه ابن عربي بعض مؤلفاته، وتلقى منه إكراماً. في بغداد، التي كانت مدينة دائرية الشكل من عصر هارون الرشيد، مع أسواقها النابضة ومدارسها النظامية، عمق ابن عربي فهمه للإشراق من خلال لقاءات مع صوفية محليين.


من بغداد، انتقل إلى الموصل سنة 604 هـ تقريباً، حيث أقام فترة أطول نسبياً. الموصل كانت مدينة تاريخية على دجلة، مشهورة بمسجدها النبي يونس (عليه السلام)، الذي يُبنى على تل أثري. هناك ألف ابن عربي كتاب “التنزلات الموصلية”، الذي يتناول علم الحروف والأسماء الإلهية والتنزلات الروحية على الأيام والأماكن. يروي أنه تلقى في الموصل كشوفاً عن أسرار الأنبياء، خاصة يونس عليه السلام، وكتب عن الولاية والقطبية. التقى بصوفية محليين، وأثر في الجو الروحي للمدينة.

عاد ابن عربي إلى الحجاز للحج مرات، ثم توجه إلى الشام، زار القدس والخليل سنة 604-605 هـ. في القدس، التي كانت تحت الحكم الأيوبي بعد صلاح الدين، تأمل في المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ورأى كشوفاً عن معراج النبي صلى الله عليه وسلم. يصف في “الفتوحات” أن القدس مركز روحي يجمع بين الأنبياء، وكشف له أسرار إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام. زار قبر إبراهيم في الخليل، وتعمق في مفهوم “الخليلية” كمقام روحي.

في سنة 605 هـ تقريباً، وصل إلى مصر، زار القاهرة في عصر الأيوبيين. القاهرة كانت مدينة فاطمية الأصل، مليئة بالمساجد والمدارس مثل الأزهر والحسين. التقى بصوفية مصريين، وألقى دروساً، لكنه واجه معارضة من بعض الفقهاء الذين اتهموه بالإفراط في الباطن. عمق في مصر فهمه لعلم الكيمياء الروحية (الإكسير)، وكتب رسائل في التصوف.

ثم انتقل إلى حلب في الشام الشمالي، حيث قلعة حلب الشهيرة كانت رمزاً للقوة الأيوبية. في حلب سنة 610 هـ تقريباً، التقى بأمراء الزنكيين، وأثر في الجو الصوفي. كانت حلب مركزاً تجارياً وثقافياً، مليئة بالأسواق والخانات.

خلال هذه الرحلات، استمر ابن عربي في تلقي فصول “الفتوحات المكية”، وألف كتباً أخرى مثل “التنزلات الموصلية” و”مشاهد الأسرار”. كما كتب مخطوطات يدوية، بعضها محفوظ حتى اليوم.

في سنة 612 هـ (1215 م)، عاد مؤقتاً إلى المغرب العربي، زار تونس ومراكش، ألقى دروساً في الجامع الزيتونة، وكتب رسائل دفاعية عن تعاليمه. ثم عاد إلى الشام، يتنقل بين دمشق وحلب.
تحليلياً، كانت هذه المرحلة انتقالاً من الفردية إلى الجماعية: ابن عربي بدأ يجمع تلاميذ، يؤثر في الأمراء، ويواجه الجدل. تعمقت نظريته في “وحدة الوجود”، حيث رأى في تنوع المدن والثقافات تجليات إلهية متعددة. كشوفه عن الأماكن المقدسة عززت فكرة “الإنسان الكامل” كمرآة للكون.
كانت الرحلات متعبة جسدياً، لكنها غنية روحياً، أعدته للاستقرار النهائي في دمشق سنة 620 هـ.
المرحلة السادسة: الاستقرار في دمشق والإنتاج الأخير والوفاة (620-638 هـ / 1223-1240 م)
وصل الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي إلى دمشق سنة 620 هـ (1223 م)، بعد رحلات طويلة في المشرق والمغرب، واستقر فيها نهائياً حتى وفاته. كانت دمشق في عصر الأيوبيين مدينة مزدهرة، عاصمة ثقافية وروحية، مليئة بالمساجد والمدارس والأسواق، محاطة بجبل قاسيون الذي يُعتبر مقدساً. اختار ابن عربي الاستقرار في حي الصالحية عند سفح الجبل، حيث جو هادئ يناسب التأليف والتدريس. يذكر كلود عداس في كتابها أن هذا الاستقرار كان نتيجة دعوة من الملك الأشرف موسى الأيوبي، الذي أكرمه وبنى له زاوية.

في دمشق، عاش ابن عربي حياة أسرية هادئة لأول مرة. تزوج من امرأة صالحة، وأنجب أولاداً: محمد صادق، محمد عماد الدين، وزينب. كان يقيم في منزل متواضع، يقضي أيامه في التأليف والتدريس، يرتاد المسجد الأموي للصلاة والدروس. دمشق كانت مركزاً للعلم، مع مدارس مثل المدرسة العادلية، وجو صوفي نابض. يصف ابن عربي في “الفتوحات” دمشق كـ”أرض مباركة”، مليئة بالأولياء الخفيين.

أبرز إنجاز في هذه المرحلة هو إكمال “الفتوحات المكية” سنة 629 هـ (1231 م)، بعد أكثر من 30 عاماً من البداية في مكة. الكتاب موسوعة ضخمة في 560 فصلًا، تجمع بين السيرة الذاتية والكشوف والفقه الباطني وعلم الأسماء الإلهية. استمر تلقي الفصول في رؤى، حتى أكملها في دمشق. يُعد الكتاب قمة إنتاجه، يجمع بين الشرع والحقيقة.

في سنة 627 هـ (1229 م)، تلقى ابن عربي كتاب “فصوص الحكم” في رؤيا واحدة مذهلة: رأى النبي محمد صلى الله عليه وسلم يعطيه الكتاب ويأمره بتأليفه. يتكون من 27 فصاً، كل فص يلخص حكمة نبي من آدم إلى محمد، مع تفسير باطني للأسماء الإلهية. يُعد “فصوص الحكم” جوهر فكره، يلخص “وحدة الوجود” و”الإنسان الكامل”. أثار الكتاب جدلاً كبيراً لاحقاً، لكنه يُعتبر من أعمق النصوص الصوفية.

جمع ابن عربي حوله دائرة واسعة من التلاميذ، أبرزهم صدق الدين القونوي (الذي نشر فكره في الأناضول)، وابن سودكين، وإسماعيل بن سودكين. كان يدرّس في زاويته أو المسجد الأموي، يشرح كتبه ويجيب على الأسئلة. أثر في علماء مثل عز الدين بن عبد السلام (الذي دافع عنه أحياناً). كانت دروسه تجمع بين الكشف والشرع، يحذر من التطرف في الباطن.
واجه ابن عربي في دمشق بعض الجدل من الفقهاء الظاهريين، الذين اتهموه بالزندقة بسبب تعبيره عن “وحدة الوجود”. دافع عن نفسه بكتابات مثل “الرسالة في الدفاع عن نفسه”، مؤكداً أن تعاليمه كشف إلهي لا فلسفة. يذكر عداس أن هذا الجدل كان محدوداً في حياته، لكنه اشتد لاحقاً مع ابن تيمية.
في سنواته الأخيرة (630-638 هـ)، عاش ابن عربي في هدوء، مكرساً للتأليف والعبادة. ألف رسائل عديدة، وأكمل بعض الكتب. كان له مكانة عند الأيوبيين، الذين أكرموه.
توفي ابن عربي يوم الجمعة 28 ربيع الآخر 638 هـ (8 نوفمبر 1240 م)، عن 78 سنة قمرية، في منزله بدمشق. دفن في سفح جبل قاسيون في الصالحية، في مقبرة عائلية. حضر جنازته جمع غفير، وأثنى عليه العلماء. لاحقاً، في عهد العثمانيين سنة 1516 م، اكتشف السلطان سليم الأول قبره، وبنى عليه قبة ومسجداً ما زال مزاراً حتى اليوم.


ترك ابن عربي إرثاً هائلاً: أكثر من 400 عمل، أثر في التصوف الإسلامي شرقاً وغرباً، من الرومي إلى الجيلي. تعاليمه عن وحدة الوجود والتسامح ما زالت موضع دراسة وجدل. تمثل هذه المرحلة قمة النضج، حيث تحول من الرحالة إلى المرشد المستقر.
مؤلفات الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي حسب فهرس عثمان يحيى
الباحث عثمان يحيى (Osman Yahia، توفي 1997 م) هو أبرز متخصص في تراث ابن عربي بالقرن العشرين. ألف كتابه الشهير “مؤلفات ابن عربي: تاريخها وتصنيفها” (بالفرنسية: Histoire et Classification de l’Oeuvre d’Ibn ‘Arabî، نشر 1964 في دمشق، مجلدان)، ثم ترجم إلى العربية (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001، 736 صفحة). فهرس يحيى حوالي 850-856 عنواناً منسوباً لابن عربي، مع تصنيف دقيق بناءً على المخطوطات والإجازات والنصوص الأصلية.
يصنف يحيى الأعمال إلى:
- أصلية ثابتة (حوالي 450 عملاً محتمل الأصالة).
- موجودة في مخطوطات (حوالي 700).
- مشكوك فيها أو منحولة.
- مفقودة أو مكررة.
يعتمد تصنيفه أرقاماً مرجعية (OY أو RG)، ويُستخدم عالمياً (مثل في موقع Muhyiddin Ibn Arabi Society). الكتاب متاح PDF على مواقع مثل archive.org وnoor-book.com.
القائمة الكاملة طويلة جداً (مئات الرسائل القصيرة)، لذا أسرد هنا الأعمال الرئيسية والمشهورة مع أرقام OY (حسب يحيى وموقع MIAS)، ثم فئات مختصرة. الأعمال الرئيسية غالباً مطبوعة ومحققة.
الأعمال الكبرى والموسوعية

الفتوحات المكية (OY 135) — أعظم أعمال ابن عربي، موسوعة في 560 فصلًا، كتبها على 30 عاماً، تحتوي سيرته وكشوفه. طبعات متعددة (بولاق، تحقيق عثمان يحيى جزئياً).
- فصوص الحكم (OY 150) — جوهر فكره، 27 فصاً لحكمة كل نبي. أشهر كتبه، شروح كثيرة.
- ترجمان الأشواق (OY 116، مع شرح ذخائر الأعلاق) — ديوان غزل صوفي.
- عنقاء مغرب في ختم الأولياء (OY 030) — عن الختم المحمدي.
- مشاهد الأسرار القدسية — كشوف روحية.
الرسائل والكتب المتوسطة الشهيرة

كتاب الألف (كتاب الأحدية) (OY 026) — عن وحدة الوجود.
- كتاب الأنوار (أسرار الخلوة) (OY 033).
- كتاب أيام الشأن (OY 067).
- كتاب الإسراء إلى المقام الأسرى — عن المعراج.
- حلية الأبدال (OY 237).
- كتاب الجلال والجمال (OY 168).
- كتاب الهو (OY 205).
- روح القدس في محاسبة النفس — سير شيوخه الأندلسيين.
- التجليات الإلهية — كشوف.
فئات أخرى مختصرة (أمثلة)
- رسائل في التوحيد والوجود: مثل رسالة الوجودية (OY 013)، كتاب الياء.
- أوراد وأذكار: كتاب أوراد الأسبوع (OY 064)، حزب النصر.
- ديوان الشعر: ديوان كبير (OY 102)، يحتوي مئات القصائد.
- رسائل قصيرة: مئات، مثل مواقع النجوم، التنزلات الموصلية.
يحذر يحيى من أعمال منحولة نسبت خطأً لابن عربي. الأعمال الأصلية غالباً قصيرة أو متوسطة، اندمجت في الفتوحات.
أثر الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي على العرفان الإسلامي بعد وفاته
يُعد محيي الدين ابن عربي (توفي 638 هـ / 1240 م) أحد أعظم أعلام التصوف الإسلامي، وأحد أكثر المتصوفة تأثيراً في تاريخ العرفان. أفكاره حول وحدة الوجود، الإنسان الكامل، والتجليات الإلهية شكلت أساساً لمدارس عرفانية كبرى في الشرق والغرب الإسلامي. انتشر إرثه عبر تلاميذه المباشرين وشراح كتبه، خاصة “الفتوحات المكية” و”فصوص الحكم”، اللذين أصبحا مرجعين أساسيين للعارفين اللاحقين. رغم الجدل الذي أثاره (من انتقادات ابن تيمية وآخرين)، أصبح ابن عربي “الشيخ الأكبر” في التراث الصوفي، وأثر في التصوف النظري والفلسفي حتى العصر الحديث.
1. التلاميذ المباشرون ونقل التراث الأكبري
كان لابن عربي دائرة واسعة من التلاميذ في دمشق، أبرزهم صدر الدين القونوي (توفي 673 هـ / 1274 م)، الذي يُعتبر أهم ناقل لفكره. أهداه ابن عربي مخطوطاته، وأنشأ القونوي زاوية في قونية (تركيا) لتدريس تعاليمه. طور القونوي مفاهيم مثل “الإنسان الكامل” و”وحدة الوجود”، وكتب شروحاً على “فصوص الحكم”. انتقلت المدرسة الأكبرية عبره إلى الأناضول، حيث تأثر به جلال الدين الرومي جزئياً (رغم اختلاف منهجهما).

من التلاميذ الآخرين: ابن سودكين، وإسماعيل بن سودكين، الذين نشرا كتبه في الشام والعراق.
2. التأثير في الشرق الإسلامي: عبد الكريم الجيلي والملا صدرا
في القرن الثامن الهجري، برز عبد الكريم الجيلي (توفي 832 هـ / 1428 م)، الذي كتب “الإنسان الكامل”، مستلهماً مباشرة من ابن عربي والقونوي. طور الجيلي فكرة “الإنسان الكامل” كمرآة كاملة للأسماء الإلهية، وربطها بالولاية المحمدية، مما أصبح أساساً للعرفان الفلسفي في فارس والهند.
في القرن الحادي عشر، أعاد الملا صدرا الشيرازي (توفي 1050 هـ / 1640 م) صياغة فكر ابن عربي في “الحكمة المتعالية”، مدمجاً التصوف مع الفلسفة الإشراقية والبرهان العقلي. دافع الملا صدرا عن ابن عربي ضد الانتقادات، واعتبر “فصوص الحكم” مصدر إلهام رئيسي. أثر هذا في المدرسة الإسماعيلية والشيعية العرفانية، وانتشر عبر تلاميذه في إيران والهند.


3. المدارس الأكبرية في الأناضول والعثمانيين
انتشرت المدرسة الأكبرية في الأناضول عبر القونوي، وأثرت في الطرق الصوفية مثل البكتاشية والمولوية (الرومي). في العصر العثماني، شُرح “فصوص الحكم” عشرات المرات، وأصبح ابن عربي رمزاً للتصوف الرسمي. اكتشف السلطان سليم الأول قبره سنة 1516 م وبنى عليه قبة، مما عزز مكانته.
4. التأثير في المغرب العربي والأندلس المتأخرة
في المغرب، تأثر به الشاذليون والدرقاويون جزئياً، رغم تركيزهم على الزهد العملي. في الأندلس المتأخرة، انتقل فكره عبر مهاجرين إلى شمال أفريقيا.
5. الجدل والانتقادات: ابن تيمية وغيره
أثار ابن عربي جدلاً كبيراً بسبب تعبيره عن “وحدة الوجود”، فاتهمه ابن تيمية (توفي 728 هـ) بالزندقة والإلحاد، معتبراً أفكاره مخالفة للشرع. لكن هذا الجدل زاد من شهرته، ودافع عنه كثيرون مثل السيوطي والشعراني.
6. التأثير في العصر الحديث
في العصر الحديث، أعاد اكتشاف ابن عربي في الغرب (عبر دراسات مثل هنري كوربان)، وفي العالم الإسلامي عبر محمد إقبال والخميني (في العرفان الشيعي). يُدرس اليوم كمفتاح لفهم التصوف النظري والتسامح الديني.
إرث ابن عربي جعل التصوف أكثر فلسفية وشمولاً، محولاً العرفان من تجربة فردية إلى نظام نظري عميق يجمع بين الكشف والشرع. كتبه، خاصة “فصوص الحكم”، ما زالت تُشرح وتُترجم حتى اليوم.
(هذه نظرة شاملة مستندة إلى دراسات تاريخية موثوقة عن التصوف الإسلامي).

