الميتافيزيقا: الأفق الأبدي للسؤال الفلسفي
تُمثل الميتافيزيقا الصخرة الصلبة للسؤال الفلسفي لأنها تبحث في “العلل الأولى” والمبادئ التي تسبق كل معرفة تجريبية؛ فهي ليست مجرد فرع من فروع الفلسفة، بل هي “الفلسفة الأولى” كما أسماها أرسطو، والتي تمنح العقل أرضية ثابتة للانطلاق. إن السؤال الفلسفي بطبعه يميل نحو الكلي والشامل، ولا يجد مستقراً له في الجزئيات المتغيرة التي تقدمها العلوم الطبيعية، لذا تظل الميتافيزيقا هي الملاذ الذي يشبع نهم العقل البشري للقبض على جوهر الوجود، مما يجعلها الأساس الذي لا يمكن تجاوزه في أي مغامرة فكرية رصينة، فما دامت الحقائق الثابتة مجردة فلا يليق لهذه المعركة غير فارس مجرد وليس غير الملكات الفكرية والروحية للإنسان.
علاوة على ذلك، يشكل السؤال الميتافيزيقي “الصخرة الصلبة” نظراً لارتباطه العميق ببنية الوعي الإنساني الذي لا يكف عن تجاوز المعطى الحسي نحو “ما وراء” الظواهر. إن كل تساؤل أخلاقي أو معرفي يرتطم في نهاية المطاف بأسئلة الوجود، والماهية، والعدم، وهي أسئلة تشكل النواة الصلبة التي تمنح الفلسفة هويتها المتميزة عن باقي الأنشطة الذهنية. فالفلسفة حين تتمسك بالميتافيزيقا، هي في الواقع تتمسك بضرورة وجود “معنى كلي” يربط شتات العالم، ويمنح الوجود البشري سياقاً يتجاوز الزمني والمؤقت.
تكمن قوة الميتافيزيقا في أنها الصخرة التي تتكسر عليها محاولات “إلغاء الفلسفة”؛ فالعلم نفسه، في منطلقاته ومسلماته، يرتكز على مفاهيم ميتافيزيقية مثل السببية والنظام الكوني. إن السؤال الفلسفي يجد في الميتافيزيقا سنداً لأنه لا يرضى بالأجوبة الجاهزة أو الوصفية، بل يبحث عن “الضرورة” التي تجعل الأشياء هي ما هي عليه. لذا، تظل الميتافيزيقا هي الحصن المنيع الذي يحمي التفكير الفلسفي من الانزلاق نحو السطحية أو المادية الصرفة، مكرسةً أصالة السؤال كفعل يتجه نحو المطلق.
السؤال الميتافيزيقي في أشواط رحلته الصاعدة
جذور السؤال الوجودي: تجليات الميتافيزيقا في نصوص الشرق القديم
- الرافدين ومصر: صراع الوجود والعدم (نصوص الإينوما إيليش وكتاب الموتى)
في حضارة بلاد الرافدين، لم يكن السؤال الميتافيزيقي مجرد ترف فكري، بل كان محاولة لفهم أصل النظام من رحم الفوضى. تفتتح ملحمة “الإينوما إيليش“ (قصة الخلق البابلية) بسؤال عن كينونة الأشياء قبل تسميتها:
“عندما في الأعالي، لم يكن للسماء اسم، وفي الأسفل لم يكن للأرض اسم.. حينها لم يكن قد ظهر للوجود أي من الآلهة.”
هذا النص يعكس وعياً ميتافيزيقياً مبكراً بـ “الأصل“؛ فالتسمية هنا تعني “الوجود”، والماهية التي تمسك بها العقل البابلي هي أن الوجود لا يتحقق إلا بالانتقال من “اللا نظام” إلى “الكلمة”.
أما في مصر القديمة، فقد تجلى السؤال حول “ماهية الروح والخلود” في “نصوص الأهرام“ و”كتاب الخروج إلى النهار” (كتاب الموتى). نجد في الفصل السابع عشر نصاً ميتافيزيقياً بامتياز يقول فيه الخالق (آتوم):
“أنا الواحد الذي صار اثنين.. أنا الأمس وأنا أعرف الغد.”
هنا نلمس قوة السؤال حول “الزمن” و”الوحدة”، حول التحكم في الصيرورة والكثرة المشتتة فنحن أمام إنسان يبحث عما يجمع شتاته ويثبت سلطته على الأشياء يعني سؤال يبحث عن عطاء سماوي يمنحه السلطة والتحكم في الأشياء وبالتالي يمكن فيه خاصية اليقين والطمأنينة، حيث كانت الميتافيزيقا المصرية ترتكز على أن الحقيقة الكبرى هي “الماعت“ (التناغم الأزلي)، وأن الوجود الإنساني هو رحلة لاستعادة هذا التناغم بعد الموت.
ب- الهند القديمة: وحدة الذات والمطلق (نصوص الأوبانيشاد)
بلغ السؤال الميتافيزيقي ذروة التجريد في نصوص “الأوبانيشاد“، حيث تم التمسك بصخرة “الواحد” الذي لا يتغير. في نص “تشاندوجيا أوبانيشاد“، يسأل التلميذ والده عن حقيقة الوجود، فيجيبه الأب مستخدماً مثال “البذرة”: مع العلم أن السؤال الميتافيزيقي في اللحظة الأوبانيشادية لم يكن يجلس بعيدا عن الجواب بل الجواب اختبار للذات في جميع تقلباتها لذا كان السؤال يرجع إصبع الإشارة إلى الذات كيتختبر مصيرها من خلال شجاعة نكران الذات بالفناء أو النرفانان التي تشير إليها نصوص الأوبانيشاد.
“افلق هذه البذرة الصغيرة.. ماذا ترى؟ لا شيء. يا بني، من هذا (اللا شيء) الذي لا تراه، تنبثق شجرة التين العظيمة.. ذلك هو الحق، تلك هي الذات، وأنت هو ذلك (Tat Tvam Asi).”
هذا النص هو العمود الفقري للميتافيزيقا الهندوسية؛ فهو يحدد أن الحقيقة ليست في المظهر المادي (الشجرة)، بل في الجوهر الخفي (البذرة/العدم الخلاق). السؤال الفلسفي هنا هو بحث عن “البرهمان“ (المطلق) الكامن في أعماق النفس البشرية. السؤال الميتافيزيقي في التجربة الأوبانيشادية والفكر الهندوسي عموما هو مخاطرة وهم الوجود، وهم الأنا ليرى “البرهمان” ظاهرا في ذات “الأتمان” من خلال اتحاد تام، عبرت عنه الأدبيات الفلسفية العقلانية بالحلول pantheism.
ج- الصين القديمة: المبدأ الذي لا يُسمى (نص التاو تيه تشينغ TAO TE TCHING/)
في الصين، طرح لاوتسي في كتابه “التاو تيه تشينغ“ رؤية ميتافيزيقية قائمة على التناقض الخلاق بين الوجود والعدم. يقول في الفصل الأول:
“التاو الذي يمكن تفسيره ليس هو التاو الأزلي.. اللا وجود هو أصل السماء والأرض، والوجود هو أم جميع الموجودات.”
هذا النص يبين أن الصخرة الميتافيزيقية الصينية ترفض “التحجر” في التعريف؛ فالسؤال الفلسفي الصيني يقر بأن الأصل (التاو) هو “فراغ” يملأ كل شيء. وقوة هذا التفكير تكمن في أن الميتافيزيقا لا تُطلب خارج العالم، بل في التناغم مع حركته الخفية (اليين واليانغ).
السؤال الميتافيزيقي في الصين القديمة مع التاو يحاول أن يربي العقل بأن يقبل أن ما يدركه هو جزء ضئيل من الحقيقة وليس بمتسعه سعة الحقيقة التي تسكن الجهتين فآلية العقل تقوم على عدم التناقض بينما قانون الطاو يقول أن التناقض من صفات الحقيقة ففكر مثل هذا يفتح الفكر على الحيرة وبالتالي التبعية المطلقة فكأن السؤال الميتافيزيقي تعطلت فعاليته فنحن أمام فكر لا يعير اهتمام لأسئلة العقل اللهم إلا أن تكون منبهة له بأن ما وراءه أكثر مما يسعه، طبعا هذا شأن المسار الروحي للمعرفة كما هو شأن الطاوية هنا.
د- الانعطافة اليونانية: من الأسطورة إلى الصيرورة والجمود
وصولاً إلى اليونان، نجد بارمنيدس Parmenidesفي قصيدته المؤسسة لميتافيزيقا الوجود والوحدة المطلقة له في قوله: “الوجود موجود واللاوجود غير موجود” فلا تفكر إلا في الوجود ولا يمكن أن يتعلق العلم إلا بالوجود. و“عن الطبيعة“ يضع الحد القاطع للسؤال الميتافيزيقي:
“طريق واحد فقط يبقى للاستقصاء: (ما هو) موجود. ولأن الوجود موجود، فهو غير مولود وغير قابل للفناء، لأنه كلي، وحيد، وثابت.”
هذا النص هو “الصخرة الصلبة” التي أسست للمنطق والميتافيزيقا الغربية؛ حيث جعل الوجود موضوعاً للعقل الخالص. في المقابل، قدم هيراقليطس Hieraklites نصاً يقف على الصخرة المقابلة (الصيرورة):
“كل شيء يتدفق.. لا يمكنك الاستحمام في النهر نفسه مرتين.”
بهذه النصوص، نرى كيف انتقل السؤال من “الخيال الأسطوري” في بابل ومصر إلى “التجريد الروحي” في الهند، وصولاً إلى “الصرامة المنطقية” في اليونان، حيث ظلت الميتافيزيقا دائماً هي المحرك الأول لكل هذه الحضارات. أراد هيراقليطس من السؤال الميتافيزيقي أن يذوق تقلبات لهب النار وأن يحفظ لحظات النهر في تقلباته في لحظة تجمع النقائض أو تخرص أمام الحقيقة، فلوغس هيراقليطس غير متصلب ولا يعرف القيود. بما يعني أن تقلبات عالم الطبيعة إشارة إلى نور بعيد للحقيقة قد انعكس بشكل متناقض، فاللوغس الحقيقي هو الذي يستوعب اللحظتين أي لحظة الوجود والعدم معا في إطار حالة برزخية تجمع النقائض فلوغس هيراقليطس يجسد لحظة تراقص تشبه لهب النار غير المستقر والصاعد في العلا منبها إلى عالم اللوغس الغيب الذي يحير الحضور.
الميتافيزيقا من الأسطورة إلى "اللوغوس" اليوناني
مع ظهور الفلاسفة الطبيعيين في أيونيا، بدأ السؤال الميتافيزيقي يخلع ثوب الأسطورة ليرتدي رداء “اللوغوس” (العقل). بحث طاليس، أنكسماندر، وأنكسيمانس عن “الأرخي” (Arché) أو المبدأ الأول للمادة، لكن الانفجار الميتافيزيقي الحقيقي حدث مع بارمنيدس وهيراقليطس. بارمنيدس وضع الصخرة الصلبة للميتافيزيقا في قوله “الوجود موجود والعدم غير موجود”، مؤسساً لميتافيزيقا الثبات والوحدة، بينما جعل هيراكليطس من “الصيرورة” والتغير المستمر جوهراً للوجود تحت حكم “اللوغوس”.
وصولاً إلى أفلاطون، بلغت الميتافيزيقا ذروتها مع “عالم المثل”؛ حيث اعتبر أن العالم الحسي الذي نعيشه ما هو إلا ظلال باهتة لحقائق مفارقة وأزلية. بالنسبة لأفلاطون، السؤال الميتافيزيقي هو سؤال تماهي النفس مع عالم الحقائق من خلال فعل “تذكر” لهذه الحقائق المتعالية، وبذلك أصبحت الميتافيزيقا هي العلم الذي يدرس “المثال باعتباره صورة الوجود بما هو موجود الكاملة”. ثم جاء أرسطو ليقوم بـ “تبيئة” الميتافيزيقا داخل الواقع، محولاً السؤال الميتافيزيقي الأفلاطوني من بحث في المثل إلى بحث في العلل الأولى فالميتافيزيقا الأرسطية هي”علم العلل الأولى”، ومفرقاً بين المادة والصورة، والقوة والفعل. لقد جعل أرسطو الميتافيزيقا هي العلم الأسمى لأنها تدرس المبادئ التي تقوم عليها كل العلوم الأخرى؛ فلا فيزياء ولا أخلاق دون أساس ميتافيزيقي يحدد ماهية الكائنات وغاياتها. بهذا، أصبحت الميتافيزيقا اليونانية هي “المختبر العقلي” الذي صاغ مفاهيم الجوهر، العرض، العلة، والمعلول، وهي المفاهيم التي ظلت الصخرة التي تتكئ عليها الفلسفة الغربية والإسلامية لقرون طويلة.
استئناف تاريخي بقليل من التفصيل
يُمثل سقراط المنعطف الحاسم الذي تحولت معه الميتافيزيقا من “تأمل كوني” في أصل المادة إلى “تأسيس عقلي” يبحث في جواهر القيم وماهيات الأشياء، فمع سقراط، كفت الفلسفة عن أن تكون بحثاً في العناصر الطبيعية لتصبح بحثاً في “التعريف الكلي” الذي يشكل الصخرة الصلبة للحقيقة. إن السؤال السقراطي “ما هو؟” ($Ti$ $esti?$) ليس مجرد استفسار لغوي، بل هو فعل ميتافيزيقي يهدف إلى عزل “الماهية” عن “الأعراض” المتغيرة، سعياً للوصول إلى الثابت الذي لا يتبدل.
وتتجلى هذه المساءلة الماهوية بوضوح في محاورات أفلاطون المبكرة؛ ففي محاورة “أوطيفرون“، حين يُسأل أوطيفرون عن “التقوى”، يقدم أمثلة لنيات أو أفعال تقوية، لكن سقراط يقاطعه مطالباً بـ “الصورة” ($Eidos$) الواحدة التي تجعل من كل الأفعال التقوية تقوية. سقراط هنا لا يبحث عن “فعل” تقوي، بل عن “ماهية التقوى” كجوهر ثابت يشكل المعيار الميتافيزيقي للحكم على الجزئيات.
وفي محاورة “لاخيس“، يتكرر المشهد مع مفهوم “الشجاعة”؛ حيث يرفض سقراط تعريف الشجاعة بأنها مجرد “الثبات في الصف”، مطالباً بالجوهر المشترك الذي يجمع بين شجاعة الجندي وشجاعة المريض أو البحار. هذا الانتقال من “المثال” إلى “التعريف الماهوي” هو الذي وضع حجر الأساس للميتافيزيقا المنظمة؛ فالحقيقة عند سقراط تكمن في “المنطوق الكلي” ($Logos$) الذي يفسر هوية الشيء وجوهره.
إن سقراط، عبر منهجه “التهكمي والتوليدي”، جعل من العقل الأداة الوحيدة للكشف عن هذا الثابت الميتافيزيقي. وبذلك، لم تعد الميتافيزيقا بحثاً في أساطير الوجود كما في الشرق، بل أصبحت “علماً بالماهيات” يؤسس لكل ما جاء بعده من “مُثل” أفلاطونية و”جواهر” أرسطية، مكرساً السؤال الفلسفي كفعل غايته القبض على المعنى الكلي الثابت وسط فوضى العالم الحسي. فسؤال الميتافيزيقا في فلسفة سقراط يلتقط الجواهر التي تعطي معنى للكثرة من غير أن تتسخ بماجيتها ولعل الذي يمكن الإنسان من التقاط طهارة الماهية من نجاسة الماجة والكثرة المشوهة هو العقل فالعقل السقراطي عقل طاهر مطهر يعني عقل مجرد من كل صيرةرة وحركة وتغير وتقلب، عقل ثابت يلتقط بما يليق بذاته المجرد فلا يدرك المجرد إلا المجرد، في عناق معرفي اتحادي لا يكاد يتميز فيها العقل من الماهيات.
مع أفلاطون، انتقل السؤال الفلسفي من البحث عن “تعريفات المفاهيم” على الأرض إلى البحث عن “أصل الوجود” في السماء؛ حيث لم يعد السؤال الماهوي مجرد وسيلة منطقية للتواصل، بل صار غاية وجودية تهدف لرفع الإنسان من عالم الظلال إلى عالم الحقيقة المطلقة. لقد أدرك أفلاطون أن العالم الحسي متحلل ومتغير، ولا يمكن أن يكون مقراً للحقيقة، فأسس صرحه الميتافيزيقي على “نظرية المُثل” ($Theory$ $of$ $Forms$) باعتبارها الجوهر المتحكم في كل ما هو كائن.
لقد تساءل أفلاطون: ما هي الحقيقة المطلقة؟ وفيماذا تتمثل؟ وأجاب في محاوراته، لاسيما “الجمهورية“، بأن الحقيقة لا توجد في الأشياء التي نراها ونلمسها، بل في “نماذجها الأزلية”. ففي “أسطورة الكهف“، يصف أفلاطون البشر بسجناء لا يرون إلا ظلال الأشياء المنعكسة على جدار الكهف، بينما الحقيقة (المُثل) توجد في الخارج تحت ضوء الشمس. الصخرة الميتافيزيقية هنا هي أن الوجود الحسي “شبه وجود”، أما الوجود الحق فهو “عالم المُثل”؛ المنبر الذي لا يسكنه إلا الحق، والخير، والجمال في صورتها المطلقة.
لقد ربط أفلاطون مصير الوجود كله بمثال “الخير الأسمى“؛ فكما أن الشمس تمنح الرؤية والحياة للأشياء الأرضية، فإن مثال “الخير” في عالم المُثل هو الذي يمنح الوجود والحقيقة للأشياء المعقولة. ولهذا جعل من “الجمال المطلق” في محاورة “المأدبة“ سلماً يصعد عليه الإنسان من جمال الأجسام الفانية إلى جمال النفوس، وصولاً إلى “بحر الجمال” الذي لا يتغير ولا يفنى.
علق أفلاطون كمال الإنسان بهذا العالم المفارق؛ فالمعرفة عنده هي “تذكر“ ($Anamnesis$) لما شاهدته الروح في عالم المُثل قبل هبوطها للجسد. يقول أفلاطون في محاورة “فيدروس“: “إن الروح التي فقدت أجنحتها تهوي حتى تمسك بشيء صلب، حيث تتخذ لنفسها مسكناً أرضياً”. لذا، فإن فضيلة الإنسان وكماله لا يتحققان إلا بـ “الانفكاك” عن أوهام الحواس والارتقاء بالعقل للتأمل في تلك القيم المطلقة؛ فالحق ليس ما نتفق عليه، بل هو “مثال الحق” الأزلي، والجمال ليس ما تراه العين، بل هو التناسب الإلهي الذي يعكسه الجوهر. بهذا، جعل أفلاطون الميتافيزيقا هي “موطن الروح” الأصلي، محولاً السؤال الإنساني من تساؤل عن “ماذا” إلى تساؤل عن “أين تكمن الحقيقة”، جاعلاً من عالم المُثل مرجعاً أخلاقياً ووجودياً لا يزول.
لم يكن سؤال أفلاطون الميتافيزيقي مجرد تطلع على مفاهيم ثابتة تشبع عطش الفكر بل سؤال يهز كيان الإنسان ويفككه بين مادة ترابية ونفس مجردة، فسؤال أفلاطون بمثابة قبضة لطيفة تجتث الروح من الجسد لتحدثها بلغة الروح التي هي لغة عالم المثل، فتعرج بها إلى الخير والحق والجمال.
1- الميتافيزيقا تحت سلطة "اللوغوس" المنطقي
مع أرسطو، دخل السؤال الميتافيزيقي مرحلة “النضج البرهاني”، حيث لم تعد الميتافيزيقا تحليقاً في سماء الغيب وعالم الروحانيات أو استذكاراً لرؤى روحية، بل أصبحت “الفلسفة الأولى“ التي تُدرس بقواعد المنطق الصارمة. لقد أدرك أرسطو أن الحقيقة لا يمكن أن تنفصل عن الواقع كما فعل أفلاطون، بل يجب أن تُطلب داخل الأشياء ذاتها عبر أدوات العقل البرهاني ($Organon$).
لقد أعاد أرسطو صياغة السؤال الميتافيزيقي من “أين توجد الحقيقة؟” إلى “كيف يتركب الوجود؟“. وبدلاً من “الفلتات الروحية” الأفلاطونية، وضع أرسطو “المقولات” ($Categories$) العشر كإطار منطقي لا يمكن لأي كائن أن يخرج عنه. فالجواهر والأعراض أصبحت تُدرس عبر العقل الذي يحلل الشيء إلى (مادة وصورة) و(قوة وفعل). هذا التقسيم المنطقي “حبس” السؤال الميتافيزيقي داخل قبضة التفكير المنهجي؛ فلا وجود لـ “مثال” للجمال طائر في السماء كشبح يغازل النفس في عليائه، بل هناك “جوهر” جميل يدركه العقل من خلال استقراء الواقع وتحليله منطقياً. فالسؤال الميتافيزيقي الأرسطي جعل المعرفة العقلية تستطيع أن تقبض على الثابت في وسط التغيرات لأن الجوهر ليس أمرا خارج وجود الأشياء والماهيات نبحث عنها في المشترك من خلال الاستقراء وليس من خلال تأمل روحي يذهب بعيدا عن عالمنا الذي نسكن فيه ولذلك يحلو للكثير من الدارسين طرد أفلاطون وسقراط من عالمنا واعتبار أرسطو فيلسوف واقعنا وعالمنا ويعرف بدقة لغة العالم واعتبروه أن فضل السكن معنا ولم يفضل الهروب كما فعل الكثير غيره، فميتافيزيقا أرسطو تولد في رحم الطبيعة بل تتحكم في عناصر الطبيعة لأنها علل الأشياء أو قل علم العلل الأولى وهي حقيقة بالفلسفة الأولى.
أ- نفي التشويش الروحي والحدس الصوفي
كان أرسطو حازماً في استبعاد “الهوس” الروحي من ساحة الميتافيزيقا. في كتابه “ما وراء الطبيعة“، ينتقد نظرية المُثل معتبراً أنها مجرد “كلمات فارغة واستعارات شعرية” لا تفسر حركة الوجود. وبدلاً من ذلك، قدم أرسطو “العلل الأربع“ (المادية، الصورية، الفاعلة، والغائية) كشبكة منطقية تفسر وجود أي كائن. السؤال الفلسفي هنا صار “برهانياً” يبحث عن “المحرك الأول الذي لا يتحرك“؛ وهو كائن ميتافيزيقي استنتجه أرسطو بضرورة منطقية لغلق تسلسل العلل، وليس عبر كشف صوفي أو إشراق روحي. فل م يكن أما أرسطو في تساؤله الميتافيزيقي سوى مسائلة الموجود هنا وأمامه وليس غير العالم بمفرداته، عالم يتغير من حالة الوجود بالقوة إلى حالة الوجود بالفعل في حركة كون ثم فساد وهكذا، ولا بد أن يكون هناك محرك ما ينقل الأشياء من حال إل حال وهنا يفرض العقل المنطقي أن لا ينتقل المعدوم إلى الوجود بنفسه فلا بد من محرك خارج الموجودات يغير حالها وهو فاعل في ذلك وفي نفس الوقت يستحيل أن تمتد العلية في التحريك إلى ما لا نهاية إذ لا بد أن تنتهي الحركة إلى المحرك الذي لا يتحرك وهو مبدأ الحركة أي علة الحركة التي نعاينها في هذا العالم. أثبت البحث الميتافيزيقي الأرسطي أن العقل بحوزته القدرة على القبض على المجهول وفي إمكانه الكشف عن العلل ولا علم إلا علم العلل وخصوصا العلل الأولى وهذا العلم هو نفسه الميتافيزيقا، مع أرسطو تأسس علم عقلي يسمى الميتافيزيقا أو الفلسفة الأولى وهي أم العلوم والعقل هو سلطان هذه المملكة بسلاح المنطق.
ب- المعرفة بالعلل لا بالخيال
يقول أرسطو في مستهل كتابه: “جميع الناس بطبعهم يطمحون إلى المعرفة”، لكن المعرفة الحقة عنده هي معرفة “العلل الأولى والمبادئ“. إن كمال الإنسان عند أرسطو لا يتحقق بالهروب من الواقع، بل بـ “التأمل العقلي” ($Theoria$) الذي يحترم قوانين الهوية وعدم التناقض. الميتافيزيقا الأرسطية هي صخرة صلبة لأنها “علم برهاني”؛ فالثابت ليس خلف العالم، بل هو “الصورة” الكامنة في قلب المادة، والتي لا يقتنصها إلا الفكر المنطقي المنظم. بذلك، أسس أرسطو لتقليد فلسفي جعل من المنطق حارساً للميتافيزيقا، مانعاً أي “شطح” فكري من العبث بصرامة الحقيقة الوجودية.
- الميتافيزيقا كعلم برهاني: "اللوغوس" الأرسطي في مواجهة "الميثوس" الأفلاطوني
يمثل أرسطو طاليس لحظة “الانضباط العقلاني” الكبرى في تاريخ الميتافيزيقا؛ حيث انتقل بالسؤال الفلسفي من فضاء “السنحة الروحية” والحدس الميتافيزيقي الذي ميز مدرسة أفلاطون، إلى فضاء “البرهان المنطقي” والتحليل النسقي. في كتابه العمدة “ما وراء الطبيعة” (Metaphysics)، وتحديداً في المقالة الرابعة (غاما)، يضع أرسطو التعريف الحاسم للميتافيزيقا بوصفها: “العلم الذي يدرس الوجود بما هو موجود، والخصائص التي تنتمي إليه بذاته”. هذا التعريف يخرج الميتافيزيقا من دائرة “الغيبيات والطلاسم كما كان في الحكمة القديمة والفلسفات السابقة له” ليجعلها علماً كلياً يخضع لقوانين الفكر الصارمة.
د- إخضاع الوجود لقبضة المقولات المنطقية
لم يترك أرسطو الوجود مجلى للفلتات الروحية، بل أحاطه بسياج من “المقولات” (Categorias) التي فصلها في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه. اعتبر أرسطو أن أي تفكير في الثوابت يجب أن يمر عبر “الجوهر” (Substance) وتسعة أعراض (كالكم، والكيف، والإضافة..). السؤال الميتافيزيقي هنا لم يعد يبحث عن “مثال” مفارق، بل صار يبحث عن “الجوهر الفرد” الكائن أمامنا؛ فالثابت ليس خلف العالم، بل هو “الصورة” (Form) التي تعطي للمادة (Matter) هويتها. في مذهبه المعروف بـ “الهيولومورفية” (Hylomorphism)، أثبت أرسطو أن الانفصال بين السماء والأرض هو وهم ذهني، وأن الحقيقة الميتافيزيقية تكمن في “اتحاد المادة بالصورة” داخل الكائن العيني.
هـ- العلل الأربع: التفسير العقلاني للحركة والوجود
في كتابه “الطبيعة” (Physics) وفي المقالة الأولى من “ما وراء الطبيعة”، يرفض أرسطو “الاستعارات الشعرية” الأفلاطونية لتفسير الوجود، ويستبدلها بنظام “العلل الأربع”. يرى أرسطو أن كمال العلم بالشيء هو العلم بعلله: (العلة المادية، الصورية، الفاعلة، والغاية). فعندما نسأل ميتافيزيقياً عن “تمثال”، لا نحتاج لإشراق روحي لفهمه، بل نحتاج لتحليل “مادته” (البرونز)، و”صورته” (شكل البطل)، و”فاعله” (النحات)، و”غايته” (التكريم). هذا المنهج جعل من السؤال الميتافيزيقي أداة تشريحية عقلانية تستبعد أي تدخل للقوى الغيبية أو الفلتات غير المبرهنة في تفسير صيرورة الكائنات.
و- المحرك الذي لا يتحرك: القمة المنطقية للميتافيزيقا
تصل الصرامة الأرسطية ذروتها في المقالة الثانية عشرة (لامدا)، حيث يستنتج أرسطو وجود “المحرك الأول” ليس من خلال إيمان قلبي، بل من خلال ضرورة منطقية لمنع “التسلسل إلى ما لا نهاية”. هذا المحرك هو “فكر يفكّر في فكره”، وهو كائن خالص الفعل (Pure Act) خاوٍ من أي قوة (Potentiality). أرسطو هنا يحول “الإله الميتافيزيقي” إلى مبدأ منطقي يضمن ثبات القوانين الكونية، بعيداً عن أي تشويش “ميثولوجي” أو عاطفي.
بذلك، أرسى أرسطو قاعدة أن “المنطق هو آلة العلم” (الأورغانون)؛ فلا ميتافيزيقا دون مبدأ “عدم التناقض” ومبدأ “الثالث المرفوع”. لقد أصبحت الميتافيزيقا معه “صخرة صلبة” لأنها بُنيت بمداميك العقل البرهاني، مما جعلها تغلق الباب أمام كل ما هو “ذاتي” أو “إشراقي” لتفتح باب “الموضوعية” الفلسفية التي سيقتات عليها الفكر الإنساني، وبخاصة المشائي الإسلامي، لأكثر من ألفي عام.
2- الأفلاطونية المحدثة وسؤال الميتافيزيقا
تُمثل الأفلاطونية المحدثة (Neoplatonism)، مع فيلون الإسكندري وأفلوطين، الانعطافة الروحية الكبرى في تاريخ الميتافيزيقا؛ حيث لم يعد السؤال الفلسفي مجرد تشريح منطقي للواقع كما عند أرسطو، بل أصبح رحلة “خلاص” تهدف إلى تطهير الكينونة الإنسانية من “دنس المادة” وإعادتها إلى أصلها الإلهي. في هذه المحطة، تم عقد “قران مقدّس” بين النص الديني والبرهان الفلسفي، ليتحول السؤال الميتافيزيقي إلى أداة لترقية الإنسان وتجاوز حدود الحس.
أ- فيلون الإسكندري: الفلسفة في خدمة "اللوغوس" الإلهي
بدأ فيلون الإسكندري (القرن الأول الميلادي) عملية “تبيئة” الفلسفة اليونانية داخل الحقل الديني عبر “المنهج التأويلي”. بالنسبة لفيلون، الميتافيزيقا هي وسيلة لفهم “اللوغوس“، وهو المبدأ الوسيط بين الله المطلق والعالم المادي. في كتابه “في خلق العالم” (De Opificio Mundi)، يطرح فيلون رؤية تتجاوز مادية أرسطو، معتبراً أن غاية السؤال الميتافيزيقي هي “التشبه بالله” قدر الإمكان. يقول فيلون في أحد نصوصه:
“على الروح التي ترغب في رؤية الحقيقة أن تنسلخ عن الجسد، وتخرج من حواسها، لكي تتأمل الوجود الخالص بـ ‘عين العقل’ وحده.” هذه هي لحظة الحقيقة، لحظة ميتافيزيقية يعبر عنها بلغة سلخ الجسد أو خلع الجسد وهي اللحظة التي شخصها أفلوطين نفسه عندما عاشها، وهذه اللحظة رشحها شيخ الإشراق السهروردي باعتبارها شهادة على التحقق بالحكمة والتحكم بالسؤال الميتافيزيقي من جهته العميقة وهي الموت الجسدي وانعتاق الروح في هياكل النور إلى غاية نور الأنوار.
هنا، تصبح الميتافيزيقا “تطهيراً” (Catharsis)؛ فالمادة ليست مجرد جوهر طبيعي، بل هي “عائق” يمنع الروح من إدراك النور الإلهي. السؤال الفلسفي مع فيلون انتقل ليركز على “الإنسان” بوصفه كائناً برزخياً، يمتلك عقلاً قادراً على الاتصال باللوغوس الأزلي.
ب- أفلوطين ونظام الصدور: العروج إلى "الواحد"
مع أفلوطين (القرن الثالث الميلادي)، بلغت الميتافيزيقا ذروتها الصوفية-العقلية في كتابه “التاسوعات” (Enneads). صاغ أفلوطين مذهب “الصدور” (Emanation)، حيث الوجود يفيض عن “الواحد” (The One) كما يفيض النور عن الشمس، دون أن ينقص من الأصل شيء. الصخرة الصلبة هنا هي أن الوجود تراتبي: الواحد، ثم العقل، ثم النفس الكلية، وصولاً إلى أدنى المراتب وهي “المادة” التي اعتبرها أفلوطين “عدماً” ومنبعاً للشر لأنها أبعد النقط عن النور الإلهي.
يقول أفلوطين في نص شهير من “التاسوعات” يجسد فيه تطهير السؤال من دنس المادة:
“عُد إلى نفسك وانظر، فإذا لم تجدها جميلة بعد، فافعل كما يفعل النحات بتمثاله؛ اقطع هذا، واصقل ذاك، حتى تظهر صورة الجمال الإلهي فيك.”
السؤال الميتافيزيقي عند أفلوطين ليس بحثاً في “ما هو الوجود؟” بل في “كيف نعود إلى الوجود الحق؟“. لقد ربط مصير الإنسان بعملية “الارتقاء” (Ascent)، حيث ينسلخ الفيلسوف عن كثرة العالم المادي ليتحد بالوحدة المطلقة. هذا “الوجـد” (Ecstasy) ليس فلتة عاطفية، بل هو كمال العقل في أسمى تجلياته.
لقد طهرت الأفلاطونية المحدثة السؤال الميتافيزيقي من “جفاف” المنطق الأرسطي ومن “حسية” الطبيعيين، فجعلت من “الواحد” الأفلوطيني و”اللوغوس” الفيلوني أساساً سيعتمده اللاهوت المسيحي لاحقاً، وسيتلقفه فلاسفة الإسلام (خاصة الفارابي وابن سينا في نظرية الفيض). الميتافيزيقا هنا أصبحت “لاهوتاً فلسفياً”؛ حيث الإنسان هو “المرآة” التي يجب صقلها لتنعكس فيها حقائق الوجود. لقد نجحت هذه المرحلة في جعل السؤال الفلسفي “سؤالاً مصيرياً” يمس خلاص النفس، وبذلك تأصلت فكرة أن الميتافيزيقا هي “صخرة الإيمان” العقلي التي لا تتزلزل.
في خاتمة الجزء الأول ننبه إلى أن الموضوع له استمرار وفي حينها سنتناول معراج السؤال الميتافيزيقي في مدارج الحكمة العقلية والإلهامية وفيه نتناول الموضوع من خلال أهم مدارس الفلسفة الإسلامية المتمثلة في المشائية والإشراقية ومدرة الحكمة المتعالية

