معراج السؤال الميتافيزيقي في مدارج العقل والروح (1080 x 650 px) (4) (1)

معراج السؤال الميتافيزيقي في مدارج العقل والروح (في تلونات الحكمة في الإسلام)

منعطف السؤال الميتافيزيقي في مصب الفلسفة الإسلامية

تُعد الفلسفة الإسلامية “فلسفة الميراث الحي”، حيث لم تكن مجرد تكرار لما سبقها، بل كانت بوتقة انصهرت فيها تأملات الشرق وحكمة اليونان تحت شمس الوحي القرآني. قبل عصر الترجمة، كانت “لبنات” السؤال الميتافيزيقي قد بدأت بالبزوغ من صلب النص القرآني الذي طرح إشكالات نظرية وجودية كبرى هزت الوعي العربي القديم، ونقلته من الانشغال بالواقع القبلي الحسي إلى آفاق التجريد الكوني. واختبار تواجد إنساني ليس له محل واحد في هذا الوجود بل إنسان له وجود سابق خرج منه وهوفي الغالب لا يعي لحظاته ثم وجوده الدنيوي الذي يعي مفرداته ويتقلب في ابتلاءاته بينما تنتظره محطات وجودية ليس بإمكانه اختبارها بما يكسبه من ملكات غير الإيمان عند الغالبية، لقد استطاع القرآن الكريم وتجربة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يرسما أمام المسلم والمؤمن آفاق شاسعة للمساءلة الميتافيزيقية يعني أن الدين فاعل محير ولا يجيب بقدر ما يدفع إلى السؤال بحيث كل جواب قرآني كان يفرض أسئلة كثيرة تطلب الشرح مرات والتحقق أخرى بل في بعض الأحيان كانت أسئلة بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثابة تشكيك وتعبير عن قلق إيماني، وهذا طبيعي يعكس المسافة الفاصلة بين عقل إنساني استوطن الأرض وهذا العالم ورسالة جاءت من بعيد افترض لها أفضل البشر لتكون واسطة بين السماء والأرض وهو النبي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالسؤال الميتافيزيقي في أرض الرسالة أحدث ثورة جديدة في عالم الإنسان. أصبح السؤال المحو هو سؤال الله وصفاته وأسمائه، أي سؤال التوحيد.

1- الإشكالات النظرية في النص القرآني: بزوغ الميتافيزيقا التوحيدية

ولّد النص القرآني أسئلة ميتافيزيقية بامتياز حول طبيعة الخالق  و”أصل الوجود” و”مصير الإنسان”. وبرزت إشكالية “الصفات الإلهية” كأولى اللبنات الميتافيزيقية؛ فكيف يمكن التوفيق بين التنزيه المطلق في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، وبين الآيات التي تثبت له اليد والعين والاستواء؟ هذا السؤال فجّر نقاشاً حول “الجوهر والعرض” و”الذات والصفات” قبل وصول كتب أرسطو. كما أن التجربة النبوية طرحت سؤال الوحي كجسر بين المطلق والنسبي، مما ولّد تساؤلاً ميتافيزيقياً حول “طبيعة النفس” وقدرتها على الاتصال بعالم الملكوت. فكانت الإشارات القرآنية مثل قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: 35]، بمثابة الضوء الذي وجّه بوصلة الفلاسفة المسلمين لاحقاً نحو نظريات “الفيض” و”الإشراق”.

2- عصر الترجمة: استدعاء الأسلحة العقلية

مع بزوغ عصر الترجمة في العصر العباسي، لم يترجم المسلمون النصوص عشوائياً، بل بحثوا عن “الأدوات” التي تجيب على إشكالاتهم الميتافيزيقية العالقة. كانت أهم النصوص التي ترجمت وباشرت موضوع الميتافيزيقا هي:

– كتاب “ما وراء الطبيعة” لأرسطو: الذي ترجمه حنين بن إسحاق ويحيى بن عدي، وأعطى المسلمين “الجهاز المفاهيمي” (العلل، الجوهر، القوة، والفعل) لتنظيم القول في واجب الوجود.

– كتاب “أثولوجيا أرسطو“: وهو في الحقيقة مقتطفات من “تساعيات” أفلوطين (الأفلاطونية المحدثة)، وكان لهذا النص أثر حاسم في دمج فكرة “الواحد” الأفلوطيني بـ “الله” في الإسلام، مما أنتج نظرية الفيض عند الفارابي.

– شروح الفلاسفة اليونان: مثل شروح فرفوريوس الصوري (كتاب إيساغوجي)، الذي صار المدخل الإلزامي للمنطق كخادم للميتافيزيقا.

إن الفلسفة الإسلامية لم تكن “وريثاً سلبياً”، بل استغلت هذه النصوص لتجيب على سؤالها المركزي: كيف نبرهن عقلياً على ما جاء به الوحي نقلياً؟ فامتزج مفهوم “المحرك الذي لا يتحرك” الأرسطي بمفهوم “واجب الوجود” السينوي، وتلونت “مُثل” أفلاطون بصبغة “الأسماء الحسنى”، ليصبح السؤال الميتافيزيقي في الإسلام “صخرة صلبة” تجمع بين صرامة اليونان وروحانية الشرق وأزلية النص القرآني.

3- الكندي: فلسفة "الحق الأول" وحدوث العالم

كان الكندي يرى أن الميتافيزيقا (الفلسفة الأولى) هي أشرف العلوم لأنها تبحث في العلة الأولى. لكنه اصطدم بأرسطو في مسألة “أزلية العالم”؛ فأرسطو يرى العالم قديماً، بينما النص القرآني يراه مخلوقاً من عدم.

– الاشتغال الميتافيزيقي: استخدم الكندي “المنطق الرياضي” لإثبات أن الزمان والمكأن والحركة متناهية، وبالتالي لا بد للعالم من بداية.

– نص من فلسفته: يقول الكندي في رسالته في الفلسفة الأولى:

“إن العلة الأولى ليست جنساً ولا نوعاً، ولا هي كثرة بل هي واحد مطلق، لا يتجزأ ولا يتغير.. والواحد الحق هو الذي وهب الوجود لكل موجود.”

– مثال توضيحي: شبّه الكندي علاقة الله بالعالم بعلاقة “الواحد” بالأرقام؛ فالرقم “1” هو أصل كل الأرقام وبدونه لا يوجد عدد، لكنه ليس عدداً كسائر الأعداد، بل هو “مبدأ العدد” المنفصل عنه بـ “وحدانيته” والمتصل به بـ “إيجاده”

4- الفارابي: التوفيق بين الحكيمين ونظام "الفيض"

اعتبر الفارابي أن “الحقيقة واحدة”، وأن الخلاف بين أرسطو (المنطقي) وأفلاطون (الروحاني) هو خلاف ظاهري. لذا استعان بنصوص أفلوطين (التي ظنها لأرسطو) ليصيغ نظرية “الصدور” التي تحل معضلة: كيف يخرج المتعدد (العالم) من الواحد (الله)؟

– الاشتغال الميتافيزيقي: وضع الفارابي نظام “العقول العشرة”. فالله (الموجود الأول) يعقل ذاته، ومن هذا التعقل يفيض “العقل الأول”، وهكذا دواليك حتى نصل إلى “العقل الفعال” الذي يدير عالمنا الأرضي.

– نص من فلسفته:  يقول في السياسة المدنية:

“الموجود الأول هو الذي بفيضه ووجوده توجد سائر الموجودات، وما يفيض منه ليس على سبيل القصد الإنساني أو الاختيار الزماني، بل هو فيض ضروري كفيض الضوء عن الشمس.”

– مثال توضيحي:  يرى الفارابي أن “النبي” هو إنسان اتحدت “قوته المتخيلة” بالعقل الفعال (جبريل في المفهوم الديني)، فاستقبل الحقائق الميتافيزيقية بلمحة بصر دون الحاجة لترتيب المقدمات المنطقية. هنا تتحول الميتافيزيقا من “بحث” إلى “وحي” .

5- ابن سينا: الأنطولوجيا وتأسيس "واجب الوجود"

ابن سينا هو من أطلق على الميتافيزيقا اسم “العلم الإلهي” وجعل موضوعها “الوجود بما هو وجود”. عبقريته تكمن في أنه لم يعد يبحث عن الله كـ “محرك” (كما فعل أرسطو)، بل كـ “واجب وجود”.

– الاشتغال الميتافيزيقي: ابتكر ابن سينا “برهان الصديقين”. لو فرضنا وجود أي شيء، فلا بد أن يكون إما “ممكن الوجود” (يحتاج لغيره ليوجد) أو “واجب الوجود” (يوجد بذاته). وبما أن السلسلة لا يمكن أن تعود للوراء للأبد، فلا بد من نقطة ارتكاز صلبة هي “الله”.

– نص من فلسفته: يقول في الإشارات والتنبيهات:

“تأمل كيف لم يحتج بياننا لإثبات الأول (الله) إلى تأمل في غير نفس الوجود، ولم يحتج إلى اعتبار خلقه وأفعاله، وإن كان ذلك دليلاً عليه، لكن هذا الباب أوثق وأشرف.”

– مثال توضيحي (الإنسان الطائر): قدم ابن سينا مثالاً تخيلياً لشخص معلق طائر في الفراغ، محجوب البصر، لا يلمس شيئاً. هذا الشخص سيغفل عن جسده وأطرافه، لكنه لن يغفل أبداً عن “وجود ذاته”. هذا الوجود الذاتي هو الصخرة الميتافيزيقية التي ينطلق منها ابن سينا لإثبات أن “الوجود” هو أصل كل معرفة .

نقطة تحول سينوية واشراقة السؤال الميتافيزيقي

يُمثل كتاب الإشارات والتنبيهات لابن سينا لحظة “الاستفاقة” الكبرى في مساره الفلسفي، وهو الكتاب الذي وُصف بأنه “قرآن الفلاسفة”. في هذا المؤلف، لم يعد ابن سينا ذلك الأرسطي الصارم الذي يحبس الوجود في قوالب المنطق الجاف، بل بدأ بالتمرد الهادئ على “قيد العقل” لصالح “ذوق الكشف” و”إشراق العرفان”. لقد تحول السؤال الميتافيزيقي هنا من محاولة إثبات الحقيقة بالقياس، إلى محاولة الإشارة إليها بالتجربة الوجدانية.

1- من البرهان إلى "الإشارة": التحرر من قيد اللغة

في هذا الكتاب، استبدل ابن سينا مصطلح “البراهين” بـ الإشارات، و”النتائج” بـ التنبيهات. هذا التغيير ليس لغوياً فحسب، بل هو اعتراف ميتافيزيقي بأن الحقائق الكبرى (كالواجب، والنفس، والبهجة الإلهية) لا يمكن للغة المنطقية أن “تحتويها”، بل قصارى جهدها أن “تشير” إليها ليتنبه لها العقل المستعد.

– النص السينوي: يقول في مقدمة الكتاب: “هذه إشارات إلى أصول وعناوين لتنبيهات على قواعد، مَن تيسر له فَهْمُها فقد فاز بالحق”.

– التحليل: هنا نجد ابن سينا يتجاوز “البرهان اللمي” الأرسطي الذي يبحث في العلل، ليركز على الحدس الذي يقتنص الحقيقة بلمحة واحدة دون ترتيب مقدمات ونتائج.

2- برهان "الصديقين": الوجود كبديهية لا كنظر

في نمط “الوجود وعلله” من الكتاب، يقدم ابن سينا أسمى تجليات السؤال الميتافيزيقي المتحرر من فيزياء أرسطو. فبينما احتاج أرسطو لمراقبة “الحركة” في المادة ليثبت وجود المحرك الأول، استغنى ابن سينا عن “المادة” تماماً في برهانه الشهير.

– مثال “الإنسان الطائر” (المعدل): في الإشارات، يؤكد ابن سينا أن وعي الإنسان بوجوده هو وعي مباشر لا يحتاج لبرهان منطقي. الوجود هنا “صخرة صلبة” تُدرك بالبصيرة قبل أن تُدرك بالبصر. وبهذا البرهان استطاع ابن سينا أن يتجاوز الإشكال الذي وقعت فيه المساءلة الغربية الميتافيزيقية خصوصا بعدما حاول معالجتها ديكارت من خلال سؤال الكوجيطو، بحيث جعل الفكر أساس الوجود بينما اللحظة الحدسية التي يعيها صاحب الحكمة المشرقية لا يجد مانعا يمنع شهود الود أو شهود الذات فلا تضييع للوقت في البحث عن وسائط تظهر الوجود، فهو ظاهر بذاته. وهكذا وجود الواجب تعالى.

– النص: “تأمل كيف لم يحتج بياننا لإثبات الأول (الله) إلى تأمل في غير نفس الوجود.. وإنما جعلنا النظر في نفس الوجود من حيث هو وجود”.

3- المقامات والكرامات: دخول "العرفان"

الجزء الأخير من الكتاب (مقامات العارفين) هو الانفجار الحقيقي ضد “القيد الأرسطي”. هنا، يحلل ابن سينا تجربة “العارف” ليس كحالة نفسية، بل كمقام روحي ورتبة وجودية. السؤال الميتافيزيقي هنا يسأل: كيف تتحد النفس بالعقل الفعال؟ وكيف تخرق النفس قوانين الطبيعة؟

– الأمثلة: يتحدث عن “اللحظ” و”الوقت” و”الاتحاد”، معتبراً أن العقل المنطقي قد يصل بك إلى حافة الحقيقة، لكن “العرفان” هو الذي يجعلك تخوض في بحرها.

– النص: “العارف يريد الحق لا لشيء غير الحق، ولا يؤثر شيئاً على عرفانه بالحق، وتعبده للحق وحده”.

بذلك، حرّر ابن سينا السؤال الميتافيزيقي من “دنس” المادة و”جفاف” المنطق، محولاً إياه إلى رحلة معراجية للنفس. “الإشارات والتنبيهات” هو الجسر الذي عبرت منه الفلسفة الإسلامية من “المشائية” إلى “الإشراق”، وهو الذي مهد الطريق للسهروردي وابن طفيل بل وصولا إلى مدرسة إصفهان لاحقاً.

يُمثل ابن سينا في مرحلته المتأخرة، وتحديداً في “الإشارات والتنبيهات”، لحظة الانعتاق من صرامة “المشائية” نحو ما أسماه “الحكمة المشرقية”. لم يعد السؤال الميتافيزيقي لديه مجرد استنتاج منطقي، بل استحال “بشارة” بفتح ذوقي يتجاوز القوالب الأرسطية الجافة. لقد أدرك “الشيخ الرئيس” أن العقل البرهاني، رغم قوته، يظل قاصراً عن إدراك الحقائق الوجودية في كليتها، فبشر بنمط من المعرفة يعتمد على “الحدس” و”الاتصال”.

في كتابه الإشارات والتنبيهات وفي نمط “مقامات العارفين”، يضع ابن سينا حجر الأساس لـ “حكمة ذوقية” تربط كمال الإنسان بقدرته على التخلص من “أسر المادة” والارتقاء إلى “عالم القدس”. السؤال الميتافيزيقي هنا لم يعد يسأل عن “ماهية الشيء”، بل عن “كيفية حضوره” في وجدان العارف. هذه الإرهاصات هي التي شكلت البذرة الأولى لما عُرف لاحقاً بـ “الحكمة المتعالية”؛ حيث يتم دمج البرهان بالعرفان. فابن سينا لم يهدم المنطق، بل جعله “عتبة” للصعود نحو تجربة روحية عليا، معتبراً أن الفيلسوف الحق هو الذي يجمع بين قوة الاستدلال وعمق المشاهدة، محولاً الميتافيزيقا من “علم بالغياب” إلى “شهود للحضور”.

تُعد رسالة حي بن يقظان لابن طفيل الأندلسي التحقيق السردي والفلسفي الأكمل لحلم ابن سينا في الحكمة المشرقية؛ فهي ليست مجرد قصة رمزية، بل هي “مختبر ميتافيزيقي” يبرهن على أن السؤال الفلسفي، إذا ما تُرك لفطرته، قادر على العبور من محسوسات المادة إلى أنوار الحقيقة الإلهية دون معلم بشري.

لقد اتخذ ابن طفيل من شخصية “حي بن يقظان” نموذجاً للإنسان الذي يمارس “التعرجات” الميتافيزيقية بجهد ذاتي؛ فبدأ بفيزياء التشريح (أرسطو) لينتهي بميتافيزيقا الفناء (أفلوطين). وعندما وصل “حي” إلى ذروة تأمله، لم يجد في لغة المنطق ما يسعفه، وهنا يتجلى النص المشرقي لابن طفيل:

“فلما انخلع عن بدنه وعن جميع القوى البدنية.. شاهد ذاتاً واحدة هي الذات الحق، الواجب الوجود.. وشاهد فيها من البهاء والسناء والجمال ما لا تصفه الألسن”.

هذا النص يجسد “الحكمة الذوقية” التي بشر بها ابن سينا؛ فالسؤال الميتافيزيقي عند حي بن يقظان تحول من الاستدلال بالخلق إلى الاستغراق في الحق. لقد برهن ابن طفيل على أن “العقل” و”الوحي” (الذي مثّله شخصية أبسال لاحقاً) يلتقيان في منزل واحد؛ فما رآه حي بالذوق والمشاهدة هو عينه ما جاء به الشرع من الرموز والأمثال. بذلك، صارت رسالة حي بن يقظان “الأيقونة الميتافيزيقية” التي أثبتت أن السؤال الفلسفي هو رحلة معراجية، تبدأ بـ “لماذا” وتنتهي بـ “هو”، محققةً بذلك الاتصال التام بين العقل المنظم والروح المشتاقة.

أبو حامد الغزالي، ومحاولة إرجاع السؤال الميتافيزيقي إلى أرض الإيمان

تُمثل تجربة أبي حامد الغزالي الانعطافة الأكثر خطورة في تاريخ السؤال الميتافيزيقي داخل الحضارة الإسلامية؛ حيث لم يكن احتجاج الغزالي مجرد رفض ديني سطحي، بل كان “هجوماً من داخل الحصن” استخدم فيه أسلحة الفلاسفة (المنطق) لزعزعة ثقتهم في “قدرة العقل” على الإحاطة بالميتافيزيقا. لقد أراد الغزالي حماية “حرمة الغيب” من “تجرؤ العقل”، محاولاً إخراج السؤال الوجودي من التداول البرهاني الجاف إلى فضاء التجربة الإيمانية والذوقية.

1- مقاصد الفلاسفة: سلاح "الفهم قبل النقد"

قبل أن يشرع الغزالي في هدم الصرح المشائي، قام بخطوة منهجية ذكية في كتابه مقاصد الفلاسفة؛ حيث عرض فيه فلسفة المشائين (خاصة ابن سينا) بمنتهى الأمانة والوضوح، لدرجة أن البعض من علماء الدين أقحموه معهم. كان هدفه من ذلك إثبات أن نقده ليس نابعاً من جهل، بل من استيعاب تام لمناهجهم. الصيحة الميتافيزيقية هنا هي أن الغزالي أراد أن يقول: “أنا أفهم منطقكم أكثر منكم، ومع ذلك سأبين تهافته”.

2- تهافت الفلاسفة: انكسار العقل أمام الميتافيزيقا

في كتابه الصادم تهافت الفلاسفة، ركز الغزالي هجومه على عشرين مسألة، منها سبع عشرة كفّرهم فيها (بالمعنى الضيق) وثلاث مسائل بدّعهم فيها، لكن الجوهر الفلسفي في الكتاب كان يتركز على فكرة واحدة: عجز البرهان في الإلهيات. احتج الغزالي بأن الفلاسفة الذين يلتزمون بالمنطق الصارم في الرياضيات والطبيعيات، يرتطمون بـ “التناقض” و”الرجم بالغيب” عندما ينتقلون إلى الميتافيزيقا. يقول الغزالي في مقدمة التهافت:

“إن هؤلاء الفلاسفة يظنون أن براهينهم في الإلهيات هي كبراهينهم في الهندسة والحساب، وهيهات! فالميتافيزيقا ليست مجالاً للبرهان العقلي المستقل عن الوحي.”

3- إخراج السؤال من التداول العقلي

لقد ضرب الغزالي “الضرورة العقلية” في الصميم، خاصة في مسألة السببية. فبينما يرى الفلاسفة أن النار تحرق بطبعها وضرورة ماهيتها، رأى الغزالي أن الاقتران بين النار والاحراق هو “عادة” أجراها الله، وليس “ضرورة” عقلية. هذا التشكيك كان يهدف إلى تحرير الإرادة الإلهية من “قيد المنطق الأرسطي”.

بهذا المنهج، لم يعد السؤال الميتافيزيقي مع الغزالي سؤالاً عن “ماذا يقول العقل؟” بل “ماذا يقول الوحي وكيف يشعر القلب؟”. لقد فتح الغزالي ثغرة كبيرة في جدار المشائية، مؤكداً أن الميتافيزيقا لا تُنال بالقياس بل بـ نور يقذفه الله في الصدور. وبذلك، مهد الغزالي الطريق لتحويل الميتافيزيقا من “برهان عقلي” إلى “كشف صوفي”، وهو ما سيكمله السهروردي وابن عربي لاحقاً، لكن من منطلقات إشراقية.

أبو الوليد بن رشد حافظ عهد أرسطو في رعاية السؤال الميتافيزيقي

يُمثل أبو الوليد ابن رشد “الشارح الأكبر” ومنعطف العودة إلى النقاء العقلاني؛ حيث لم يكن مشروعه مجرد رد على الغزالي، بل كان محاولة جذرية لـ تطهير السؤال الميتافيزيقي من شوائب الأفلاطونية المحدثة التي سكنت كتب الفارابي وابن سينا، ومن “تشويش” الفرق الكلامية التي حوّلت العقائد إلى جدل لفظي. لقد أراد ابن رشد استعادة أرسطو الأرسطي، أي أرسطو القياس البرهاني والواقعية، بعيداً عن “استغراقات” الفيض أو “تحكمات” المتكلمين.

1- نقد "السينوية" والعودة إلى جوهر أرسطو

يرى ابن رشد أن ابن سينا والفارابي قد أخطآ حين مزجا بين الميتافيزيقا والتصوف الأفلاطوني المحدث. فتحول ابن رشد إلى نقد نظرية “الفيض” واعتبرها خروجاً عن منطق العلل والأسباب. ففي كتابه تهافت التهافت، يؤكد أن الوجود لا يحتاج إلى وسائط “عقول عشرة” ليفيض عن الواحد، بل إن الطبيعة تعمل بضرورة نظامها الذي وضعه الله. لقد انتشل السؤال الميتافيزيقي من “دنس” الخيال ليعيده إلى “صلابة” البرهان الطبيعي، معتبراً أن “الوجود والماهية” شيء واحد في الواقع، ونقده لابن سينا كان صريحاً:

“إن ابن سينا أخطأ حين ظن أن الوجود عارض يطرأ على الماهية، فالحق أن الوجود هو عين الماهية في الأعيان.”

2- نقد المتكلمين في "الكشف عن مناهج الأدلة"

في كتابه المرجعي الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، شنّ ابن رشد هجوماً منهجياً على الأشاعرة والمعتزلة والحشوية. اعتبر أن طرقهم في إثبات وجود الله (مثل دليل الحدوث والقدم) هي طرق “مبتدعة” لا هي برهانية فلسفية ولا هي شرعية بسيطة، بل هي التي أوقعت الناس في الحيرة والفرقة. انتشل ابن رشد السؤال الميتافيزيقي من “تداول الفرق” ليضعه في نصابه الصحيح عبر دليلين قرآنيين يوافقان العقل البرهاني:

– دليل العناية: أن كل ما في الكون مُسخّر للإنسان، وهذا يدل على صانع مريد.

– دليل الاختراع: أن الموجودات مخترعة من عدم، وهذا يوافق منطق “السببية”. يقول ابن رشد في نصه:

“إن الطرق التي سلكها المتكلمون في معرفة الله ليست هي الطرق التي دعا إليها الشرع، ولا هي التي تؤدي إلى اليقين البرهاني.. بل هي أهواء وتشويش.”

3- التأسيس الرشدي: العقل والوحي صنوان

جعل ابن رشد الميتافيزيقا صخرة تلتقي عليها الحقيقة العقلية مع الحقيقة الشرعية. ففي فصل المقال، وضع قاعدته الشهيرة: “الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له”. العودة إلى أرسطو عند ابن رشد لم تكن جحوداً للدين، بل كانت إيماناً بأن “نظام الكون” هو أصدق شاهد على “المنظم”، وأن العقل المنطقي هو الأداة الوحيدة الكفيلة بفهم هذا النظام.

بذلك، أخرج ابن رشد السؤال الميتافيزيقي من “غياهب الغيب” المتكلم عنه بلا برهان، ومن “إشراقات” الصوفية لا تثق في العقل، ليعيده إلى “نور الطبيعة” ومنطق السببية الأرسطي، مؤسساً لعقلانية ستنير أوروبا في عصر النهضة كما أنارت العقل العربي الرصين.

انعطافة إشراقية للسؤال الميتافيزيقي

تُمثل مدرسة حكمة الإشراق، التي أسسها شهاب الدين السهروردي (المقتول)، “المقاومة الفلسفية” الأعظم ضد ما يمكن تسميته بـ استبداد العقلانية المشائية التي حاول ابن رشد تكريسها. فبينما كان ابن رشد يسحب السؤال الميتافيزيقي نحو “صلابة المادة” ومنطق البرهان الأرسطي، كان السهروردي يسحبه نحو لطافة النور ومنطق الكشف والشهود، معتبراً أن العقل المشائي “أعرج” لا يستطيع الوصول إلى كنه الحقيقة إلا إذا استنار بنور إلهي يقذفه الله في قلب السالك.

1- حقيقة الإشراق: الميتافيزيقا كـ "حضور" لا كنظر"

الإشراق عند السهروردي ليس مجرد عاطفة صوفية، بل هو “منهج معرفي” يقوم على العلم الحضوري. فإذا كانت المشائية تبحث عن الحقيقة عبر “العلم الحصولي” (ترتيب المقدمات للوصول لنتائج)، فإن الإشراق يرى أن الميتافيزيقا هي “ظهور الحقيقة للذات” مباشرة. الصخرة الميتافيزيقية هنا تحولت من “الوجود” (عند ابن سينا) أو “المادة” (عند ابن رشد) إلى النور. فالوجود كله عند السهروردي هو “درجات من الأنوار”، والله هو نور الأنوار الذي تفيض عنه الكائنات بحسب درجة قربها أو بعدها عنه.

2- مصادر الفلسفة الإشراقية: استعادة حكمة الشرق

لم يكتفِ السهروردي باليونان، بل أحدث ثورة في مصادر السؤال الميتافيزيقي عبر استعادة حكمة الفرس القدماء (حكمة خسروانية) ودمجها بـ حكمة مصر القديمة (هرمس الهرامسة) وتأملات أفلاطون.  بالإضافة إلى هضم تجربة العرفان الإسلامي من خلال البسطامي والجنيد وغيرهم من الصوفية، لقد اعتقد السهروردي بوجود “خميرة أزلية” للحكمة كانت تتناقلها الأمم، وأن المشائية اليونانية (أرسطو) قطعت هذا الحبل السري بجفافها المنطقي. يقول السهروردي في مقدمة كتابه حكمة الإشراق:

“إن ما ذكرته من علم الأنوار.. قد ساعدني عليه من سلك سلكي من إخواني، وهو تألهُ حكماء الفرس كـ ‘جاماسب’ و’فرشوشتر’، لا المجوس الكفرة، بل الحكماء الذين كانوا يرون النور حقيقة الوجود.”

الأسئلة الكبرى: من البحث في العلل إلى شهودها

طرحت مدرسة الإشراق أسئلة ميتافيزيقية مغايرة تماماً:

– سؤال الماهية والوجود: في معركة خفية مع المشائين، اعتبر السهروردي أن “الوجود” مجرد اعتبار ذهني، وأن الحقيقة هي “الماهية النورية”.

– عالم المثال (الملكوت): طرح السهروردي سؤالاً حول “أين تذهب الصور؟” فأسس لمفهوم عالم المثال أو إقليم استرآباد، وهو عالم برزخي يقع بين المادة الخالصة والروح الخالصة، فيه توجد المدن العجيبة والصور المعلقة، وهو العالم الذي يزوره الأنبياء والعرفاء في رؤاهم.

– النفس والعودة للنور: السؤال الميتافيزيقي هنا هو سؤال “غربة”؛ فالنفس “نور غريب” سقط في “غسق” المادة (الجسد)، وكمالها يكمن في رحلة العودة إلى “مشرق الأنوار”.

لقد نجح السهروردي في سحب البساط من “العقلانية المستبدة” عبر إثبات أن أسمى مراتب اليقين هي المشاهدة لا القياس والبرهان. فالميتافيزيقا الإشراقية هي “بصيرة” تجعل الفيلسوف يرى الثوابت عياناً، تماماً كما ترى العين ضوء الشمس. وبذلك، تحولت الميتافيزيقا مع الإشراق من “صناعة ذهنية” إلى “تحقق وجودي”، وشهود ذقي عبر عنها بذوق التأله، وهو ما مهد الطريق لأعظم تركيب فلسفي في تاريخ الإسلام: “الحكمة المتعالية” لصدر الدين الشيرازي.

ففي حكمة الإشراق لا تنال الرتبة العليا بفرط البحث والنظر بينما ببذل الجهد في طلب الحق من خلال المجاهدة وتسلق جبال النفس، ليستلقي الحكيم على بساط الشهود والفرح الوجودي فالميتافيزيقا لم تعد تحتاج بناء نظريا وتصفيف مقدمات لبناء برهان عليها ومن ثم إدركها بل الميتافيزيقا هي حضور وشهود.

السؤال الميتافيزيقي في تعالي الحكمة: الانفجار الميتافيزيقي الكبير

تصل رحلة السؤال الميتافيزيقي إلى محطتها الكبرى والأكثر نضجاً مع صدر الدين الشيرازي (ملا صدرا)، الذي لم يكتفِ بالمزاوجة بين المدارس السابقة، بل صهرها في بوتقة واحدة سماها الحكمة المتعالية. لقد كان السؤال الفلسفي قبله مشتتاً بين صرامة أرسطو، وإشراق السهروردي، وشهود ابن العربي، فجاء الشيرازي ليعيد صياغة “الوجود” كحقيقة واحدة ذات مراتب، مستعيناً بروافد معرفية هائلة جعلت من الميتافيزيقا علماً جامعاً للبرهان والعرفان والقرآن.

1- من أصالة الماهية إلى أصالة الوجود: قلب الهرم الميتافيزيقي

كان السؤال التقليدي يدور حول “ما هو الشيء؟” (الماهية)، لكن ملا صدرا، مستفيداً من إشارات ابن عربي العرفانية، قلب الطاولة معلناً أن الوجود” هو الأصل وأن الماهية ليست إلا حدوداً اعتبارية.

– الإشكال: كيف تكون الأشياء مختلفة ومتحدة في آن واحد؟

– الجواب الصدراوي: عبر مفهوم التشكيك في الوجود. فالوجود حقيقة واحدة تبدأ من واجب الوجود وتتنزل إلى الهيولى، والاختلاف بينها ليس في النوع بل في “الشدة والضعف”.

– نص من “الأسفار الأربعة“: إن الوجود حقيقة بسيطة عينية، وهو أصل كل شيء، والماهيات منتزعة منه.. فهو في غاية الظهور من حيث حقيقته، وفي غاية الخفاء من حيث كنهه.”

الحركة الجوهرية: سؤال التجدد الدائم في ذات الأشياء

استطاع ملا صدرا حل معضلة عجزت عنها المشائية الأرسطية؛ فبينما حصر أرسطو الحركة في الأعراض (الكم والكيف)، أثبت صدرا أن الجوهر” ذاته يتحرك.

– السؤال الجديد: هل الأشياء ثابتة في ذواتها متغيرة في أشكالها، أم أن الوجود في سيلان دائم؟

– الرؤية: الوجود “صيرورة” مستمرة، والكون في كل لحظة هو خلق جديد (مستلهماً قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾). هذا السؤال مهد لحل معضلة “حدوث العالم”؛ فالعالم حادث زماني لأنه في تجدد دائم في جوهره.

3- علم الحق وتدبيره: الذات الإلهية كمحيط وجودي

بالاستعانة بنصوص ابن العربي في “فصوص الحكم”، حوّل ملا صدرا سؤال “العلم الإلهي” من علم صوري إلى علم حضوري.

– المثال: كما يعلم الإنسان بصوره الذهنية حضورياً دون وسيط، فإن العالم بأسره هو “صور” في علم الله، بل هو عين تعلق الوجود بالخالق.

– التدبير: الله لا يدبر العالم من الخارج كصانع منفصل، بل هو “بسيط الحقيقة كل الأشياء”؛ أي أنه محيط بكل كمالات الوجود دون أن يتحدد بحدود الماهيات.

4- اتحاد العاقل والمعقول ومعضلة المعاد الجسماني

هنا تبرز شجاعة ملا صدرا في مواجهة علم الكلام؛ حيث استخدم نصوص ابن سينا في “النفس” وطوّرها لتناسب الرؤية القرآنية للمعاد.

– سؤال المعاد: كيف يبعث الإنسان بجسده وروحه؟

– الجواب: عبر نظريته في النفس كونها جسمانية الحدوث روحانية البقاء. فالنفس تبدأ مادية ثم تترقى بالحركة الجوهرية لتصبح مجردة. أما المعاد، فهو ليس عودة لجسد مادي كثيف، بل هو “بدن مثالي” تخلقه النفس بقوتها الخيالية، وهو عين الجسد الذي كان في الدنيا بـ”صورته” لا بـ”مادته”.

– يقول صدراالشيرازي: “إن النفس في الآخرة هي التي تبني بدنها، فمن كانت نفسه نورانية كان بدنه جنة، ومن كانت مظلمة كان بدنه جحيماً.”

لقد أصبحت الميتافيزيقا مع الحكمة المتعالية “صخرة” لا تتزلزل، لأنها استوعبت كشوفات ابن العربي الروحية، وصرامة ابن سينا المنطقية، ونورانية السهروردي الإشراقية، وصهرتها في بيان قرآني برهاني. وبذلك، انتهى مسار السؤال الميتافيزيقي في الفكر الإسلامي إلى هذا النسق الذي يرى الوجود وحدة واحدة، متحركة، متألهة، تسعى أبداً نحو كمالها المطلق.

خاتمة: العود الأبدي: عطش الوجود الذي لا ترويه الإجابات

نختم هذه الرحلة الفكرية الطويلة بعنوان يختزل مأساة الإنسان وشرفه في آن واحد، وهو العود الأبدي للسؤال الميتافيزيقي. فبعد كل هذه المدارس والأنساق الفلسفية، يبدو أن السؤال لا يموت، بل يستريح قليلاً ليولد من جديد في قلب كل جيل، لأنه القضاء المبرم والمسطر في نقطة الفراغ التي تشكل وجود هذا الإنسان السائل وهي الطلب يعني طلب المعرفة طلب الحقيقية وهذا بدوره يعكس تجذر العطش المعرفي والوجودي في قرارة ذات هذا الإنسان فالتساؤل الميتافيزيقي ليس أمرا زائدا على وجوده وليس كمالا ثانيا بل هو صميم وجوده وصميم حقيقته.

ليس السؤال الميتافيزيقي “مشكلة” تُحل، بل هو “سر” يُعاش. إن التعدد المدرسي الذي تتبعناه من بابل إلى الشيرازي، وقوة التجريد العقلي التي صقلها أرسطو، وأفلوطين وعمق التجربة الروحية التي خاضها السهروردي وابن العربي، وجهد الحكماء الكبار كابن سينا والفارابي وابن رشد وصدر الدين الشيرازي  كل ذلك لم يكن إلا محاولات لترميم فجوة كبرى في كيان الإنسان. هذا “العطش الوجودي” لا ينبع من الجهل، بل ينبع من كون الإنسان كائناً “ناقصا يتمرد على نقصه بالإصرار على الطلب وبالتالي على السؤال”؛ يقف على البرزخ الفاصل بين المادة والروح، وبين الفناء والأزل.

إن العود الأبدي للسؤال الميتافيزيقي يتجلى في أننا، ورغم الانفجار العلمي والتقني، لا نزال نطرح ذات الأسئلة التي طرحها السجين في كهف أفلاطون، والناسك في غابات الهند، والمتأمل في صحراء الأندلس. لماذا هناك شيء بدلاً من لا شيء؟ وما هو الوجود؟ وهل نحن مجرد ذرات عابرة أم أننا “أسرار” محبوسة في أجساد؟

إن هذا السؤال يرتد إلينا دائماً لأنه ليس ترفاً ذهنياً، بل هو صخرة سيزيف التي يرفعها العقل البشري بكل فخر. كلما ظننا أن “اللوغوس” قد أخضع الوجود، انبثقت “الفلتات الروحية” لتقول إن الحقيقة أوسع من المنطق. وكلما أغرقتنا المادة في ذراتها، جاء “الإشراق” ليذكرنا بأن النور هو الأصل.

إن حيرة الإنسان أمام الميتافيزيقا هي “حيرة إيجابية”؛ فهي التي تمنع الفكر من التحجر، وتجعل من الفلسفة مغامرة مستمرة لا تنتهي بانتهاء الكتاب. نحن محكومون بهذا العود الأبدي، ليس كعقاب، بل كدعوة دائمة للتعالي. وكأن لسان حال الوجود يقول لنا: “كلما أجبت على سؤال، فقدتَ جزءاً من دهشتك، إذن فلتعد  إلى السؤال لتستعيد إنسانيتك”. وهكذا يظل السؤال الميتافيزيقي هو الصخرة الصلبة التي نضرب عليها بمعول الفكر، لا لنحطمها، بل لنستخرج منها شرارة المعنى في عالم صامت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top
الحكمة الإلهية