رسالة في حقيقة الوجود وأصالته (مستوحاة من مباني الأسفار)
القسم الأول: في إثبات حقيقة الوجود وبداهته
اعلم أيدك الله بروح منه، أن أول الأوائل وأظهر الأشياء هو الوجود، إذ هو الذي تظهر به الأشياء وتخرج من ظلمة العدم إلى نور الشهود. إن الوجود عند التحقيق لا يحتاج إلى تعريف؛ لأن التعريف إنما يكون بالأعرف، ولا أعرف من الوجود لكي يُعرّف به. فكل ما يُتصور في الذهن من ماهيات كـ “الإنسان” أو “الشجر” أو “الحجر”، إنما هي قوالب خاوية لا حظ لها من الواقعية إلا بانتسابها إلى نور الوجود.
لقد ذهب بعض القاصرين من أتباع “أصالة الماهية” إلى القول بأن الوجود مفهوم انتزاعي لا حقيقة له في الأعيان، وأن الأصيل هو الماهية. وهذا وهمٌ جلي؛ فلو كانت الماهية هي الأصيلة، لكانت حقيقة “الإنسان” موجودة في الخارج بذاتها دون حاجة إلى جاعل يفيض عليها الوجود، وهذا باطل بالضرورة؛ لأن الماهية من حيث هي ليست إلا هي، لا موجودة ولا معدومة، فهي في ذاتها متساوية النسبة إلى الوجود والعدم، فما الذي رجّح وجودها؟ إنه ليس إلا فيض الوجود العيني الذي غشاها فجعلها مشهودة.
القسم الثاني: البرهان على أصالة الوجود واعتبارية الماهية
إن الحجة القاطعة على أصالة الوجود تقوم على أن “الواقعية” الخارجة عن الذهن هي واقعية واحدة بسيطة. فإذا نظرنا إلى زيد في الخارج، وجدناه حقيقة واحدة. فإذا قلنا إن فيه ماهية (إنسان) ووجوداً، فإما أن يكون كلاهما أصيلاً، وهذا يستلزم أن يكون الفرد الواحد اثنين في الخارج، وهو محال. وإما أن تكون الماهية هي الأصيلة والوجود انتزاعياً، وهذا يرفع الوجود عن الأعيان فتصير الماهيات معدومة. وإما، وهو الحق الذي لا مرية فيه، أن يكون الوجود هو “الأصيل” الذي يملأ الفراغ الخارجي، وأن الماهية ليست إلا “حدوداً” أو “ظلالاً” ينتزعها العقل من تجليات هذا الوجود.
الوجود هو “الفاعل” وهو “الحق”، والماهية هي “القابل” وهي “الخيال”. الماهية عند الحكيم المتأله هي بمثابة “المرآة” التي لا تُرى لذاتها، بل لِما ينعكس فيها من نور الوجود. لذا، فإن الجاعل (الخالق) لم يضع الماهيات ثم ألبسها الوجود، بل أفاض “الوجود” فتولدت الماهيات بتبعه كظلال للأشجار.
القسم الثالث: في تشكيك الوجود وتفاوت مراتب النور
إن الوجود حقيقة واحدة بسيطة، ولكنها ليست على وزان واحد. وهنا تبرز نظرية “التشكيك“؛ فالوجود في الواجب (الله) هو في أعلى درجات الشدة والتمام، وفي الممكنات يتدرج في الضعف والنقص حتى يصل إلى الهيولى التي هي محض القوة والاستعداد. إن التعدد الذي نراه في الكون ليس تعدداً في “الحقائق”، بل هو تعدد في “المراتب”. فكما أن نور الشمس واحد، لكنه يتفاوت في الشدة بين قرص الشمس وبين الضوء المنعكس في السراج، كذلك الوجود حقيقة مشككة. وما به الامتياز في الوجود هو عين ما به الاشتراك؛ فالكمال والنقص كلاهما شؤون للوجود الواحد. هذا المذهب يحل معضلة “الواحد والكثير”؛ فالكثرة في المظاهر والوحدة في الحقيقة الوجودية الأصيلة.
القسم الرابع: الحركة الجوهرية وسيلان الوجود
إذا تقرر أن الوجود أصيل ومتشكك، لزم من ذلك أن يكون في سيلان دائم. إن الوجود المادي ليس ثابتاً، بل هو “فعل” متجدد في كل لحظة. الماهويون حبسوا العالم في قوالب ثابتة، أما نحن فنرى أن الجوهر ذاته يتحرك ويشتد وجودياً. النفس البشرية تبدأ من مادة جسمانية، ثم تشتد عبر الحركة الجوهرية حتى تصير عقلاً مجرداً. هذا السيلان هو سر “الخلق الجديد” المذكور في الكتاب العزيز. العالم ليس موجوداً ثم يتحرك، بل هو “عين الحركة”، وجوده هو سيال في ذاته، وكل لحظة تمر هي فيض جديد من مبدأ الوجود. وبذلك ترتبط الفيزياء بالميتافيزيقا؛ فالزمان هو البعد الرابع لهذا الوجود السيال.
القسم الخامس: الهوية الوجودية واتحاد العاقل والمعقول
إن المعرفة في ضوء أصالة الوجود ليست “انطباعاً” لصور جامدة، بل هي “اتحاد وجودي”. عندما تعقل النفس حقيقةً ما، فإن وجودها “يشتد” ليتحد بتلك الحقيقة. العلم هو “نور الوجود”، وبما أن الوجود أصيل، فإن العلم هو حضور الوجود عند الوجود. النفس لا تظل ساكنة وهي تعلم، بل هي في ترقٍ وجودي مستمر نحو العقل الفعال.
القسم السادس: المعاد والرجوع إلى الوجود الصرف
إن نهاية هذه الرحلة الوجودية هي “المعاد”. الموت ليس عدماً، بل هو “تجريد” للوجود من قيود المادة الكثيفة. الوجود الأصيل لا يفنى، بل يخلع ثوب الدنيا ليلبس ثوب الآخرة. وبما أن الهوية بالوجود لا بالماهية، فإن الإنسان يُبعث بوجوده الذي اشتد في الدنيا، فيخلق لنفسه جسداً روحانياً يتناسب مع ملكاته الوجودية.
خاتمة الرسالة: إن من لم يذق طعم “أصالة الوجود” يظل محبوساً في سجن الماهيات، يرى العالم كقطع متناثرة لا رابط بينها. أما من استنار بنور الحكمة المتعالية، فيرى الوجود بحراً واحداً، أمواجه الماهيات، وأعماقه الحق المطلق. فسبحان من تجلى بجماله في مرائي الماهيات، وظل في جلاله منفرداً بأصالة الوجود.
- نص صدر الدين الشيرازي في "أصالة الوجود": كتاب "المشاعر"
اعلم أن الوجود هو أصل الأصول في الموجودية، وكل ما سواه فهو من زوائده وظلاله وعوارضه. وهو الذي يخرج الماهيات من ظلمة العدم إلى نور الشهود، فهو الحق الذي يُرى به كل شيء، ولا يُرى هو بشيء غيره.
[برهان الأصالة] إن الموجود الخارجي لا بد أن يكون أمراً واحداً في الخارج، فإنه لو كان فيه أمران أصيلان هما الماهية والوجود، لزم أن يكون الواحد اثنين، وهو محال. فإذا قلنا “الإنسان موجود”، فالحقيقة الموجودة في الأعيان إما أن تكون هي الوجود فيكون الوجود هو الأصيل والماهية اعتبارية، وإما أن تكون هي الماهية فيكون الوجود انتزاعياً ذهنياً.
والحق أن الوجود هو الأصيل، لأن الماهية من حيث هي ليست إلا هي، لا موجودة ولا معدومة، فلو كانت هي الأصيلة لكانت موجودة بذاتها، ولكان الوجود زائداً عليها زيادة عارضة، فيلزم أن يكون للماهية وجود قبل وجودها، وهو تسلسل باطل. فثبت أن الوجود هو الذي يفيض على الماهيات فيجعلها “موجودات” في الذهن والانتزاع، أما في الخارج فليس إلا نوره وفيضه.
[مذهب التشكيك] ثم اعلم أن هذا الوجود الأصيل، وإن كان حقيقة واحدة، إلا أنه حقيقة مشككة ذات مراتب وتفاضل. فهو كالنور الذي يشتد ويضعف، والجوهر الذي يقوى وينقص. فليس وجود الواجب الوجود (عز اسمه) كوجود الممكنات، وليس وجود العقول المجردة كوجود الهيولى المظلمة. إن الاختلاف بين هذه المراتب ليس باختلاف حقائقها، بل الاختلاف في “الكمال والنقص” والتقدم والتأخر. فما به الامتياز في الوجود هو عين ما به الاشتراك، وهذا هو سر الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة. فالعالم كله مراتب لنور واحد، يتجلى في كل مرتبة بحسب سعتها وضيقها، والماهيات ليست إلا حدود هذه المراتب وأقفاصها.
[الحركة الجوهرية] ومن هذا الأصل يتفرع أن الوجود المادي في سيلان دائم، فبما أن الوجود هو الأصيل، وهو يقبل الاشتداد والضعف، فالجواهر المادية لا تزال تتحرك في ذاتها وتشتد في وجودها. إن العالم عندنا ليس ساكناً في جوهره متحركاً في أعراضه، بل هو “عين الحركة”. فالنفس الإنسانية تبدأ من مرتبة المادة، ثم لا تزال تتحرك جوهرياً وتشتد وجودياً حتى تخلع عنها ثوب المادة وتتصل بعالم العقول. وهذا السيلان الوجودي هو الذي يربط الدنيا بالآخرة، والبدء بالمعاد.
[اتحاد العاقل والمعقول] وإذا كانت المعرفة هي نيل الحقيقة، فالحقيقة هي الوجود. وبما أن الوجود بسيط وأصيل، فالعلم ليس إلا اتحاد وجود العارف بوجود المعروف. فالنفس عندما تعقل المعقولات المجردة، لا ترتسم فيها صور ميتة، بل يشتد وجودها حتى يتحد بوجود العقل الفعال. فالعلم هو اشتداد في الوجود، والوجود هو عين العلم والقدرة والحياة، وكلما كان الوجود أتم وأبسط، كان العلم والقدرة فيه أقوى وأكمل.
[الخلاصة] فالوجود هو الحق، وهو النور، وهو المشهود بالذات. والماهيات هي الأوهام التي تنتزعها العقول من قصورها عن إدراك بساطة الوجود. فمن غاب عن أصالة الوجود غاب عن التوحيد، ومن أدركه أدرك أن كل ما في الكون هو شؤون وتجليات لواحد أحد، هو الوجود المحض، والكمال الصرف.»
3- من "الأسفار الأربعة" - المسلك الأول: في أحوال الوجود
قال صدر الدين الشيرازي رضي الله عنه: اعلم أن مسألة أصالة الوجود هي أم المسائل الإلهية، وعليها يبتني صرح الحكمة المتعالية. وإليك تفصيل القول في ذلك من وجوه شتى:»
[الوجه الأول: في أن الوجود هو الحقيقة الواحدة]
«إن الوجود حقيقة عينية واحدة بسيطة، لا جنس لها ولا فصل، ولا تعريف لها إلا بالشهود الحضوري. وإنما كانت أصيلة لأنها هي التي يترتب عليها الآثار الخارجية؛ فالحرارة الخارجية أثر للوجود العيني للنار لا لماهية النار، إذ لو كانت الماهية هي الأصيلة لكان تصور النار في الذهن محرِقاً، وهذا باطل. فثبت أن الواقعية والتحقق هما شأن الوجود وحده، والماهية ليست إلا وجهاً من وجوهه وعنواناً ينتزعه العقل من حدود الوجود المتناهي.»
[الوجه الثاني: في اعتبارية الماهية]
«إن الماهيات من حيث هي ليست إلا حدوداً عدمية؛ فإن الوجود إذا نزل من مرتبة الكمال المطلق إلى مراتب النقص، انتزع العقل من كل مرتبة مفهوماً يغاير الآخر، فيسمي هذا “إنساناً” وذاك “فرساً”. فالماهية تابعة للوجود وجوداً وعدماً، وهي “خيال” الوجود وظله. ولو كانت الماهيات أصيلة لتعددت الحقائق بتعدد الأجناس والفصول، ولانقطع خيط الوحدة الذي يربط الكون بمبدئه الأول. بل الحق أن الوجود هو الذي يلبس ثياب الماهيات ليتجلى في مرائي العقول.»
[الوجه الثالث: في التشكيك وسريان الوجود]
«إن الوجود حقيقة واحدة مشككة، تسري في جميع الموجودات من العقل الكلي إلى الهيولى الأولى. وهذا التشكيك يعني أن الوجود في الواجب هو بعينه الوجود في الممكن، لكن بفرق الكمال والنقص، والشدة والضعف. فما به الاتفاق بين الموجودات هو عينه ما به الاختلاف؛ فالوجود يشتد حتى يصير “وجوباً” ويضعف حتى يصير “إمكاناً”. ومن هنا يظهر أن الكثرة المشهودة في العالم لا تنافي وحدة الوجود، بل هي كثرة في شؤون الحقيقة الواحدة وتجلياتها، كالنور الواحد الذي يسطع على زجاج ملون فيظهر بألوان شتى.»
[الوجه الرابع: في الحركة الجوهرية واستكمال الوجود]
«وبما أن الوجود هو الأصيل، وهو يقبل الاشتداد، وجب أن يكون في سيلان وحركة دائبة في جوهره. إن الوجود المادي ليس ساكناً، بل هو “فعل” متجدد؛ فكل موجود مادي هو في كل آن غير ما كان عليه في الآن السابق. وهذه الحركة ليست عرضية تطرأ على جسم ثابت، بل هي حركة في صلب “الوجود الجوهري”. وبذلك تترقى النفس من المادة إلى العقل، وتنتقل الهويات من مرتبة إلى مرتبة أعلى، وهو ما نسميه “الاستكمال الوجودي”، وهذا هو أصل المعاد وحقيقة رجوع الأشياء إلى بارئها.»
[الوجه الخامس: في اتحاد العاقل والمعقول]
«وإذا تقرر أن الوجود هو حقيقة العلم، لزم أن تكون المعرفة اتحاداً وجودياً. فالعقل حين يعقل المعقولات، لا يستصحب صوراً ذهنية غريبة عن ذاته، بل “يشتد وجوده” ويتحد بتلك المعقولات اتحاداً عينياً. فالوجود هو الذي يعقل الوجود؛ إذ لا حاجز بين الوجود ونوره. وكلما كان الوجود أبسط وأشد، كان علمه بذاته وبغيره أكمل وأتم. فالبسيط الحقيقة (الواجب) هو كل الأشياء في الوجود، وعلمه بها هو عين وجوده المحيط بكل شيء.»

