مفهوم التصوف وحقيقته
ملاحظة هامة:
نحن ندرج موضوع التصوف ضمن تعليمية الفلسفة الإسلامية فقط التزاما ببرنامج التكوين الجامعي لطلبة الفلسفة بينما من حيث الصرامة ينبغي عدم الخلط بين ما هو فلسفة بالمعنى الكلاسيكي والعرفان والتصوف، لكن حتى التكوين الجامعي يستند إلى فريق من الباحثين الذين يجمعون بين التصوف وعلم الكلام وعلم أصول الفقه مع الفلسفة المحضة الملتزمة بالفلسفة اليونانية القائمة على النظر الفكري، فنزولا عند هذا الاعتبار ندرج مادة العرفان والتصوف ضمن تعليمية الفلسفة الإسلامية.
مفهوم التصوف
ارتبط بالتصوف عبر التأريخ لاصوله تسميات قريبة إلى لفظه بحيث جعلت تلك الكلمات وما له علاقة بها من احوال اهلها وسلوكياتهم جعلت تلك الكلمات أصولا له؛ من هذه الكلمات:
كلمة الصفة والتي ترجع التصوف إلى رجال الصفة أي الجماعة من الصحابة الذين التزموا المسجد النبوي اعتكافا للعبادة. والصفة إشارة إلى جهة في مسجد رسول الله حيث التزم بعض الصحابة فيها تعبدا وإقامة.
كذلك يرجع التصوف إلى التزام الصف الأول فإن الصوفية هم من رجال الصف الأول بين يدي االله عز وجل بارتفاع هممهم إليه وإقبالهم بقلوبهم عليه ووقوفهم بسرائرهم بين يديه.
كذلك كلمة الصوفة في إشارة إلى صوفة القفا ما يشير إلى الزهد والإعراض عن الدنيا ولوازمها.
كذلك أرجع التصوف إلى الصفاء لعناية أهله بتصفية القلب طلبا للصفاء والاقتراب من عالم طهارة النفس واقترابها من عالم القدس.
وأرجعت أيضا إلى كلمة صوفيا في إشارة إلى طبيعة العلوم التي يتعاطاها الصوفية باعتبارها علوما باطنية تنحو منحى الحكمة الإلهية تشبيها لها بالعلوم الفلسفية التي ورثها المسلمون عن اليونان لأن الفلسفة هي نفسها محبة الحكمة أي فيلوسوفيا، لكن النقاد رفضوا هذا المرجع لأن التصوف في مادته الصاد (صوف) بينما سوفيا مادتها مؤلفة من السين(سوف) وهذا فيه نوع من التكلف والتعسف في الاشتقاق.
كما شهد تأريخ التصوف ربطه بلبس الصوف لأن لبس الصوف كان من بعض عادات الأنبياء عليهم السلام والأولياء والأصفياء". والصوف هو أنّه من لبسهم وزيهم سموا صوفية؛ لأنهم لم يلبسوا لحظوظ النفس ما لان ملمسه وحسن منظره وإنما لبسوا لستر العورة فتحروا الخشن من الشعر والغليظ من الصوف.
أما "القشيري" فإنه يرى أن التصوف كاللقب، فأما من قال: إنه من الصوف، ولهذا يقال: تصوف
إذا لبس الصوف كما يقال: تقمص إذا لبس القميص، فذلك وجه. ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف.
وبناء على ما سبق نرجح أنهم أخذوا هذه التسمية أي الصوفية من كونهم لجأوا إلى لبس الصوف على غرار الرهبان والدهاقنة والصالحين في الديانات السابقة.
من حيث المفهوم والاصطلاح
إذا حاولنا الوقوف مع مصطلح التصوف كما حده أهله أي الصوفية لا نكاد نقف على تعريف واحد لأن كل صوفي عندما يعرف التصوف فهو يقف على جانب يركز عليه ويراه حقيقا بوصف التصوف والصوفي.
فنحن عندما نعيد النظر في مجمل التعريفات، صحيح أنها تتناول موضوعا واحدا وهو السلوك إلى الله تعالى، وأن التصوف يعنى بالسير الروحي أو السفر المعنوي إلى الله بقصد القرب، وهذا السير غني بالمعاني الروحية والحقائق المعنوية بحيث لا يمكن حصرها في تعريف واحد، وهذا الذي يظهر من خلال تعريفات الصوفية للتصوف فكل صوفي يحد التصوف بالنظر إلى معنى عميق فيه ولعل التصوف غني بالمعاني الدقيقة.
بعض أقوال الصوفية في تعريف التصوف
![]() |
بعض أقوال الصوفية في تعريفه |
- التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف؛ هذا التعريف يركز على جوهر التصوف بأنه معاملة أخلاقية تهتم بالباطن الإنساني وهو الخلق وليس فقط ظاهر السلوك والعبادات.
- التصوف هو الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق؛ كذلك هذا التعريف يركز على جانب الصدق في معاملة الله تعالى والجد فيها من غير ادعاء أو زيف والزهد عما في أيدي الخلق وما يمكنهم أن ينفعوك به أو يضروك به.
- التصوف اسم لثلاثة معانٍ؛ وهو الذي لا يُطفئ نورُ معرفته نورِ ورعه، ولا يتكلم بباطن في علمٍ ينقضه عليه ظاهر الكتاب أو السنة، ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله» هذا تعريف ناظر إلى التمسك بالشريعة وعدم الاغترار بالمكاسب الروحية التي تتحقق للصوفي في سيره إلى الحق تعالى.
- التصوف كله أدب: لكل وقت أدب، ولكل مقام أدب، ولكل حال أدب. فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال، ومن ضيَّع الآداب فهو بعيد من حيث يظن القرب، ومردود من حيث يظن القبول؛ هذا التعريف يأخذ بالاعتبار الغاية الأصلية من التصوف وهو التحقق بالأدب في كل شيء لأنه التصوف معاملة مع الله وغاية كل علم هو التحقق به أي التأدب بقوانينه.
- الصوفي من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، وانقطع إلى الله من البشر، واستوى عنده الذهب والمدر؛ هذا تعريف ناظر إلى طهارة روح الصوفي من التعلق بالغير والتعلق بالله حالا ومعرفة وسلوكا. فالصوفي من صفت نفسه من كدورات البشرية فتحرَّر من ربقة الاستعباد المادي، وهو من شغل فكره وقلبه بالله وقطع علائقه بالناس، وزهد في القيم المادية في هذه الحياة.
- ألا تَملك شيئًا ولا يَملكك شيء؛ أي أنَّ التصوف هو ألا تدعي لنفسك شيئًا ماديًّا أو معنويًّا وألا تكون مستعبدًا لشيء مادي أو معنوي في هذه الحياة، وإنما العبودية الحقَّة هي لله وحده.
- التصوف ترك كل حظٍّ للنفس؛ أي التصوف هو الفناء عن النفس جملةً من خلال عدم مراعاة حظوظها، عن صفاتها ورغباتها وشهواتها، والمراد بالنفس هنا النفس الحيوانية، وإذا فنيَ الصوفي عنه نفسه بهذا المعنى، بقيَ بحبِّه لربه.
- التصوف هو العصمة عن رؤية الكون؛ التصوف هنا بمعنى الفناء، فالصوفي هو من عصَمَه الله عن رؤية العالم بعين الاعتبار، أو هو من شغل الله قلبه به وحدَه، وهذه هي حال الفناء في الله.
- التصوف أن يكون الصوفي كما كان قبل أن يكون؛ هذا معنى يؤكد التعريف السابق بمعنى الصوفي أن لا يدعي لنفسه شيئا فهو متحقق بالعدم كما كان قبل أن يكون. فالموجود الحق هو الله تعالى فقط أما غيره فكلهم عدم في عدم.
- التصوُّف طرح النفس في العبودية، والخروج من البشرية، والنظر إلى الحق بالكلية. طرح النفس في العبودية أي التحقُّق بصفات العبد المَحْض من افتقار إلى الله، وتجرُّد عن القدرة والإرادة، والخروج من صفات البشرية الذميمة كالحرص والحقد والحسد والبُخل ونحوها لا الصفات البشرية إطلاقًا؛ فإن العبد لا يَخرُج من بشريته كما لا يخرج السواد من الثوب الأسود، و«النظر إلى الحق بالكلية» معناه مراعاة الله في كل شيء.
- ليس الصوفي بمرقعتِه وسجاداته ولا برسومه وعاداته، بل الصوفي من لا وجود له؛ هذا التعريف يخلص التصوف من ادعاء أحوال الصوفية وأنه غير قابل للتقليد المظهري، لأن التصوف له حقيقته ما لم يتمكن منها الصوفي فلا يصلح في حقه لقب التصوف.
تمييز التصوف عن ظواهر مشابهة
قد حدث الخلط بين التصوف أو العرفان كعلم وحال وبين مفاهيم دينية أخرى كالعبادة والزهد رغم أنها لا تنفك عنه فنلاحظ تصدي ابن سينا لإزالة الخلط الحاصل بين مفهوم العارف والزاهد والعابد. في قوله: إن المعرض عن متاع الدنيا وطيباتها يخص باسم الزاهد، والمواظب على فعل العبادات، من القيام والصيام ونحوهما يخص باسم العابد، والمنصرف بفكره إلى قدس الجبروت مستديما لشروق نور الحق في سره يخص باسم العارف.
الخلاصة
نميّز التصوف عن باقي المعارف الإنسانية والإسلامية من جهة كونه تجربة سلوكية ذاتية يتحقق بها ويعانيها الصوفي وتثمر هذه التجربة أذواقا ومعارف خاصة يدركها الصوفي ويعجز عن بيانها للغير إلا للذين هم مثله في التجربة والسير الروحي.
اكتب تعليقا يدعم التدوينة ويساعدنا لتطوير خبرتنا