العرفان والفلسفة
منهج الفلسفة وغايتها
يظهر اختلاف واضح، من حيث المنهج والهدف، بين الفلسفة· والتصوف ذلك أن الفلسفة تعتمد على المنهج التأملي العقلي الذي يسعى وراء البرهنة على كل مطلب يراد إثباته وخصوصا القياس البرهاني كأكمل استدلال يتخذه الفيلسوف في سعيه من المعلوم إلى المجهول، واتخذت الفلسفة آلة المنطق وسيلة في بحوثها، ومع تطور المنطق من الصوري إلى الرياضي إلى الأكسوماتيكي، تكيفت مناهج البحث في الفلسفة من فلسفات تدعي البرهان على يقينية قضاياها إلى فلسفات تنحو الدقة في بناءاتها الفكرية، وصولا إلى فلسفات نسقية لا يهمها اليقين الواقعي والحقيقة بقدر ما يهمها سير البحث العقلي من المبدأ إلى المنتهى لأن العقل لا يمكنه الإحاطة بالمطلق إن افترض وجوده، كما أن السير الاستدلالي الدقيق عبر القضايا المسلمة ينتهي إلى نتائج قد يثبت مع تجدد الملابسات والاكتشافات العلمية لسبب واحد وهو اتساع الوجود والإمكان بحسب العقل.
أما من حيث الهدف فإن غاية الفيلسوف تكوين رؤية نظرية عن الوجود بحيث تكون هذه الرؤية حاصلة علما في ذهنه تمكنه من التوافق مع الوجود والعيش فيه في إطار الحكمة. لذا جرى تعريف الفلسفة عند حكماء الإسلام بأنها صيرورة الإنسان عالما عقليا مضاهيا للعالم العيني، فالفلسفة تهتم بالصورة النظرية للوجود، وتحافظ على المسافة النقدية بين الذات وموضوعها ما دامت الآلة المدركة هي الذهن والعقل·1.
وقد اشتغلت الفلسفة الإسلامية كثيرا وعلى مراحل تطورها على مسألة الوجود الذهني باعتباره ضمانة التعقل والمعرفة بحيث كان شأن الفيلسوف المسلم خصوصا هو القطع مع السفسطة والريبية سعيا منه إلى تبرير معارفه وأن لها واقعا يسندها، فبحث في الماهيات وطبيعة وجودها فهل هي ذهنية بحتة أم خارجية بحتة أم لها نحو من الوجود البرزخي الذي يجعلها خارجية مع الخارجيات وذهنية مع الذهنيات؟
تدخل هذه القضية ضمن مباحث نظرية المعرفة في الفلسفة الإسلامية، ذلك أن فلاسفة الإسلام سيما الشيخ الرئيس ابن سينا، قسم العلم إلى قسمين من حيث الإدراك، فالقسم الأول هو العلم الحصولي، والقسم الثاني هو العلم الحضوري، وهذه القسمة تعالج طبيعة انتساب المعلومات إلى عالمها، فهل في عملية العلم والإدراك يحضر المعلوم بذاته لدى المدرك (بكسر الراء)، أو تحضر صورته المفهومية في ذهنه، وما دامت الفلسفة المشائية بالخصوص تشتغل على العقل والتعقل فإن حظها من أقسام العلم العلم الحصولي، وما دام المعلوم يبقى مباينا بحسب الذات للعالم (بكسر اللام)، فإن مشكلة اليقين تبقى مطروحة، لكن الفلاسفة اعتبروا أن اتحاد العاقل والمعقول تبقى سارية المفعول في العلم الحصولي ففيه نوع من الحضور أي حضور صورة المعلوم لدى العالم، " فعلمنا بالأشياء ليس من قبيل إضافة العالم (بكسر لام العالم) للخارج، بل إنه حضور لصورة أو لماهية المعلوم عند العالم (بكسر لام العالم)"[1]. فالعلم، سيما الحصولي منه، يتم فيه حضور صورة المعلوم أو الشيء في الذهن، وهو الوجود الذهني " أي أنه وجود يقع إلى جانب الوجود الخارجي"[2].
مشكلة البحث الفلسفي في تبريره لحقائقه هي مصداقية نتائجه نظريا لذا نجد الفلسفات المعاصرة تنحو منحى النسبية والاعتراف بالإختلاف الأفقي التضادي في حين هذا يتعارض مع المنطق الأرسطي الذي حاول أن يكون المنطق (بالألف واللام) كآلة تعصم الفكر (كل الفكر) من الوقوع في الزلل إن روعيت.
منهج العرفان وغايته
بينما ينتهج التصوف طريق السلوك والمجاهدة في تحصيل المعرفة، ذلك أن معارف الصوفي كلها وهب ولا تعمُّل له فيها، اللهم إلا وجود إرادة التطهير من البعد عن نور الوجود، لأن الجهل عند الصوفي لا يعني فقدان علم أو مواد معرفية من وعاء ذهنه أو قوة من قوى النفس وإنما الجهل هو الغفلة بالمعنى الذي يجعلها تلتفت عن إشعاعات الوجود وإفاضاته، بهذا لا تعدو المعرفة والعلم إلا أن تكون هي الحضور لا غير، لذا يميز الصوفية علمهم عن علوم أهل النظر بأنه علم حضوري وعلم غيرهم علم حصولي وبينهما من التمايز وجود ثنائية بين العالم والمعلوم عند أهل النظر وارتفاع الواسطة بين العالم والمعلوم بتجلي المعلوم لفناء العالم عند أهل التصوف.
يتلقى العارفون بالله علمهم عن طريق الفيض والفتح الإلهي من خلال عملهم بالشريعة والسماع الإلهي لا بتوسط الفكر والاستدلال العقلي من خلال اقتباسات حكمية أو بناءات فكرية نظرية، " فلنقل مخاطبا أولياءنا وأصحابنا الذين على مدرجتنا إن علومنا غير مقتنصة من الألفاظ ولا من أفواه الرجال، ولا من بطون الدفاتر والطروس، بل علومنا عن تجليات على القلب، عند غلبة سلطان الوجد وحالة الفناء بالوجود، فتقوم المعاني مثلا وغير مثل على حسب الحضرة التي يقع التنزل فيها، فمنها ما يقع من باب المحادثة، ومنها ما يقع من باب المسامرة، ومن باب ما ينقال ومن باب ما لا ينقال"[3] فهم وإن التقوا مع الفلاسفة في بعض نتائجهم الحكمية فإن ذلك لا علاقة له بمنهج المعرفة الإلهية بل يعد من التقاطعات نتيجة أن الحقيقة كما يفهمها العارفون بالله هي فيض من الله لأن الحقيقة العلمية مبنية على التجلي الإلهي في عالم الناسوت، علم من علم وجهل من جهل.
بل حتى الفلسفة لا تخلو معارفها من لمسة الإفاضة الإلهية لكن ما دام العقل الفلسفي لم يجعل من علومه التلقي عن الفيض الإلهي، نتيجة أن ما لم يجد له مبررا في إطار سيره العلمي المنطقي، فلا يقبله، هذا السير منعه من قبول هذه المعارف تسليما، والحديث هنا يشمل كل التيارات الفلسفية منذ نشأتها إلى الآن لأن حاكمية العقل تفرض البناء على البديهة، طبعا نستثني الفلسفات الشكية والريبية والسفسطائية، هذه الأخيرة، انطلاقا من فقدان البداهة عندها، شككت في العقل ونتائجه.
هنا نكتة لا بد من توضيحها خاصة في الفلسفة المشائية التي ترى أن الكليات يتوصل إليها إما حدسا أو من خلال الاستقراء التام لأنه هو وحده مضمون النتائج، ولا يعول على الاستقراء الناقص، مما يجعل معارف الفيلسوف ذات أصول إلهامية وإفاضية علم بناءها الاستدلالي أو لم يعلم كل ما هنالك أن الفيلسوف ما لا يسعفه الاستدلال عليه يجعله في خانة الرأي والظن أو الإهمال وربما التكذيب أو البطلان وما كان خلافه بحيث استطاع الربط بين النظري والبديهي تبناه وجعله من نظرياته. وبناء على ذلك يمكن تصنيف معارف الفيلسوف ضمن المرتبة المتدنية بالمقارنة مع معرفة العرفان.
فلسفة قريبة من العرفان
![]() |
فلسفة قريبة من العرفان |
هناك مجال في الفلسفة يندرج تحته فلاسفة الإشراق والحكماء اليونان أمثال فيثاغوراس والحكماء قبل أرسطو يدخل معهم سقراط وأفلاطون، هؤلاء بلغوا مبلغا كبيرا في طريقة مجاهدة النفس وتزكيتها على أصول الإخلاق وبعض تعاليم الأنبياء، فأدى بهم هذا السلوك إلى بلوغ مرتبة التلقي عن عالم العقول المجردة أو قل الملائكة الواعين لعلم الله بالوساطة ومفيضيه إلى أهله فهذه الفلسفة والحكمة الشرقية عموما لها حظ من العلم باللع لكن بالواسطة وبقيد الروحانيات أي روحانيات الأفلاك التي تعلقت نفوسهم بها وهذا غير العرفان والتصوف كما قيده أهله، تحت عنوان معرفة خاصة من معارف السعداء يروي الشيخ اسماعيل بن سودكين ما سمعه من شيخه الشيخ الأكبر "الحكماء إنما اشترطوا الرياضة وتركوا الدنيا وغيرها لتخلو أفكارهم للتلقي عن الروحانيات، لأنها لا تعطيهم آثارها إلا بإفراغ المحل واستعداده وتوجهه إلى أفقهم. وأما العارفون بالله سبحانه، فإنهم علموا أن الأشياء كلها نسبتها إلى الحق نسبة واحدة. فهم يشهدونه سبحانه في كل شيء ولا يحجبهم عنه شيء. ولهذا جاءت الشرائع بالأمر العام؛ فأثبتت كل أحد على أصله، إذ لكل نوع منهم وجه إلى الحق. والسلام" [4].
فهؤلاء الحكماء إن اهتدوا بنور علوم الحكمة المفاضة بتوسط الروحانيات فإنهم احتجبوا بهذه العلوم عن الحق، فكان حظهم دون حظ العارفين الذين اخترقوا الروحانيات والماديات إلى رب الروحانيات والماديات، أي العلم بالله على نعت التعليم افلهي لا الفلكي والروحي المجرد. فإن عمدة الفلاسفة في سيرهم المعرفي هو الفكر، وهذا الفكر عند العارفين بالله حجاب لا يورث صاحبه إلا التلبيس في مجال الحقائق، ما يفرض خرقه إذا أراد الفيلسوف أن ينعم بالإدراك الموافق للحقائق على ما هي عليه في نفس الأمر، فهذا الشيخ الأكبر يقول: "ونمنع من الفكر جملة واحدة، لأنّه يورث صاحبه التلبيس وعدم الصدق. وما ثمّ شيء إلا ويجوز أن يُـنال العلم به من طريق الكشف والوجود.
والاشتغال بالفكر حجاب، وغيرنا يمنع هذا؛ ولكن لا يمنعه أحد من أهل طريق الله، بل مانعه إنّما هو من أهل النظر والاستدلال من علماء الرّسوم الذين لا ذوق لهم في الأحوال(...)غير أنّ أهل الفكر خطأهم في الإلهيّات أكثر من إصابتهم، سواء كان فيلسوفا أو معتزليّا أو أشعريّا أو ما كان من أصناف أهل النظر. فما ذمّت الفلاسفة لمجرّد هذا الاسم، وإنما ذمُّوا لِما أخطؤوا فيه من العلم الإلهي، ممّا يعارض ما جاءت به الرّسل - عليهم السّلام- بحكمهم في نظره، بما أعطاهم الفكر الفاسد في أصل النبوّة والرّسالة وإلى ماذا تستند، فتشوش عليهم الأمر. فلو طلبوا الحكمة حين أحبّوها من الله لا من طريق الفكر أصابوا في كل شيء. وأمّا الفلاسفة من أهل النظر من المسلمين كالمعتزلة والأشاعرة، فإنّ الإسلام سبق لهم وحَـكم عليهم، ثم شرَعوا في أن يذبّوا عنه بحسب ما فهموا منه، فهُم مصيبون بالأصالة مخطؤون في بعض الفروع بما يتأوّلونه"[5].
فالعارف بالله لدى الشيخ الأكبر يعلم علم الفيلسوف وعلم ما لا يعلمه ويعتبر بعض ما لا يعلمه الفيلسوف أو ما لا يجد له الفيلسوف قبولا لدى قوته المفكرة وأدواته المنطقية والاستدلالية، يعتبره حقيقة، لكن ما منع الفيلسوف رؤية ذلك حقيقة أنه لم يجد له أصلا عنده أو لم يمكنه إيجاد طريق يبرر قبولها ويربطها بالحق الذي عنده، وعقله في تلك الحالة قد قبل ما أثمره فكره ونظره الفكري.
الهوامش
· الفترة التي نشط فيها عرفان الشيخ الأكبر كانت الفلسفة موضوع الاطلاع هي الفلسفة المشائية التي كانت موضوع نقد واعتراض الشيخ ابي حامد الغزالي، مع انتشار نزعات إشراقية خصوصا فلسفة ابن طفيل و فلسفة أفلوطين كما تلقاها الشيخ الأكبر، أما ما بعد هذه الفترة انضاف إلى الفضاء الفلسفي الإسلامي مدرستان فلسفيتان تمثلتا في الاتجاه الإشراقي الممثل في فلسفة السهروردي الإشراقي، واتجاه مدرسة الحكمة المتعالية التي ارسى أسسها الفيلسوف صدر الدين الشيرازي الملقب بالملا صدرا الشيرازي، حكمنا في هذه الدراسة يشمل كل ما كان فلسفة سواء ما تعلق بالتراث العربي الإسلامي أو التراث الغربي في جميع مراحله التاريخية، حيث نلاحظ أن الفلسفة في الغرب خضعت لعدة اجتهادات سيما في المنهج وكان آخر اجتهاداتها فلسفات ما بعد الحداثة والنقاش في الغرب نلخصه في البحث عن إمكانية قيام فلسفة كعلم يتحقق من نتاىجه بعيدا عن الافتراض بمعنى إقامة الفلسفة والبحث الفلسفي على أسس علمية وكان الخلاف منصبا بين متمسك بهذا الرأي ورافض لإقحام الفلسفة في هذا المنحى.
[1] ابن سينا، نقلا عن، حسن معلمي، إطلالة على نظرية المعرفة في الفلسفة الإسلامية، تر: منصف حامدي، دار الولاء، بيروت، ط1، 2014، ص 48
[2] حسن معلمي، إطلالة على نظرية المعرفة في الفلسفة الإسلامية، مرجع نفسه، ص 48.
[3] ابن العربي، كتاب المسائل، ص 7
[4]ابن سودكين، لواقح الأسرار ولوائح الأنوار، من معارف الشيخ محيي الدين ابن عربي. تح، عبد الباقي مفتاح، دار نينوى، دمشق، ط 1، 2015، ص 74،
[5] الفتوحات الباب 226.
اكتب تعليقا يدعم التدوينة ويساعدنا لتطوير خبرتنا