📁 آخر الأخبار

تبرئة تصوف الشيخ الأكبر من الفلسفة

تبرئة تصوف الشيخ الأكبر من الفلسفة


مييز عرفان الشيخ الأكبر من الفلسفة

براءة عرفان الشيخ الأكبر من الفلسفة

وردت في كتابات ابن العربي مصطلحات فلسفية في عرضه لحقائق صوفية كوحدة الوجود والإنسان الكامل وتجليات الأسماء والصفات وحقيقة الوجود من حيث طبيعة وحدته البسيطة كل البساطة، كذا في تفصيله لمراتب الوجود، كما لا نغفل استعماله لمصطلحات علم الكلام في حديثه عن الصفات وحقيقتها وحديثه عن العالم وظهوره الوجودي وبطونه العلمي، وهذا الاستعمال إن دل على شيء فهو يشير أولا إلى اطلاع الشيخ الأكبر على الفلسفة وعلم الكلام ـ طبعا دون أن ننسى العلوم الأخرى بحكم كونه ينتمي إلى مرتبة علماء الإسلام ـ وكان اطلاعه على الفلسفة الإسلامية خاصة من خلال علم الكلام الأشعري. لأن الأشاعرة خصصوا في كلامهم أبواب في الرد على الفلاسفة الدهريين والطبيعيين والإلهيين، خصوصا فترة ما بعد الغزالي، ويظاف إلى ذلك الرد على الباطنية وإبطال مزاعمهم في الحط من قيمة الظاهر الذي يلزم عنه عدم الاهتمام بالشريعة.

من جهته، يرفض الشيخ الأكبر ربط الفلسفة وعلوم النظر بالتصوف أو نعت أي صوفي بأنه فيلسوف أو متكلم بناء على توافق في بعض الحقائق أو في الاصطلاح، ويحذر من إلزام الصوفي بالأحكام التي تطال الفيلسوف مع العلم أن أحكام الفلسفة في البيئة الإسلامية آنذاك كانت سلبية تصب في خانة التضليل والتكفير والحكم بالزندقة على أهل الحكمة.

طريق أهل الفلسفة مباين تماما طريق الفلاسفة، فكما أورد الشيخ إسماعيل ابن سودكين، يرى الشيخ الأكبر أن طريق أهل النظر من الفلاسفة يقف على الضد من طريق العرفان: " وسأله هذا الأخ عمر- رحمه الله تعالى- عن الفلاسفة، فقال: يا سيّدي، ما رأيتُ عندهم معرفة بالطريق. فقال الشيخ- أيّده الله تعالى-: ولا بما تؤول إليه الطريق. وذلك لأنهم مِنا بالضدّ. فنحن سلكنا الطريق بالفقر والإفلاس وتفريغ المحلّ؛ وهم سلكوا بالفكر، والفكر يستدعي متفكــَّرًا فيه، والتفكر لا يتعدّى الكون، فما برحوا من الكون، فما عندهم غيرهم. والسلام."[1].

أين يمكن للعرفان أن يلتقي بالفلسفة؟

قد تلتقي الحكمة مع التصوف في بعض من المسائل لكن ليس في الطريقة والمنهج، وهذا اللقاء في بعض النتائج راجع إلى أن الحق لا ينحصر في طريق ومنهج، نعم ٌد يلتبس بسبب من المناهج ويتضح ويظهر ظهورا لا ريبة فيه في منهج آخر فالتباين بين الفلسفة والتصوف لا يمنع من لقاء عرضي هنا وهناك، فالحق في رؤية الشيخ الأكبر لا ينحصر في المناهج الحقة بل قد يخترق الحق المناهج الباطلة بحيث يمكن أن يسكن أسفار أهل الباطل لأن المسألة تتعلق لا بإنتاج الحق انطلاقا من مقدمات نمتلكها وإنما الحقائق تنكشف بعد الخروج من الغفلة والتحجب، لأن الحق واسع والوسع يجعل الحق يسع كل المساحات بل نكاد وفق الوسع أن لا نجد للباطل وجودا أو رسما اللهم إلا في الاعتبار والذهن، وقد جعل الشيخ محيي الدين ابن العربي النصوص النبوية وتوجيهاتهم دليلا على الحق ما دام الرسول يمثل السراج والنور الكاشف عن الحقائق وتنطوي تحته كل الأنوار الإدراكية من عقل وحس وقلب وروح وسر.

الحق أوسع من أن يتقيد بخطاب معيّن دون غيره

الحق أوسع من أن يتقيد بخطاب معيّن دون غيره
الحق واسع لا يتقيد

ينتج من هذا كذلك عدم حصر الحق في فئة الصوفية فقط، بالمعنى الذي يجعلهم من أهله ويشرك الفئات العلمية الأخرى فيه مع هيمنة التصوف في الفوز بالحق لا لشيء إلا لأنهم ورثة الأنبياء عليه السلام وسيما محمد صلى الله عليه وسلم،" ولا يحجبنك أيها الناظر في هذا الصّـنف من العلم الذي هو العلم النبويّ الموروث منهم - صلوات الله عليهم- إذا وقفتَ على مسألة من مسائلهم قد ذكرَها فيلسوف أو متكلِـّم أو صاحب نظر في أيّ علم كان، فتقول في هذا القائل الذي هو الصوفي المحقق إنه فيلسوف"، ولعل سبب إرجاع علوم العارفين بالله إلى حكم الفلسفة هو خصوصيتها وغرابتها في أذهان عوام الناس وعوام العلماء ـ ولعل حتى الفقهاء يدخلون في هذا الصنف أي صنف عوام العلماء في الأمة ـ شأنها شأن علوم الحكمة والفلسفة. 

فحتى علم الكلام وما آل إليه في القرن السادس والسابع من تجريد واقتراب من الفلسفة من خلال إيغاله في الإلهيات بتغليب العقل والنظر الفكري على خلاف القرون الأولى من نشأته، هذه النظرة لعلم التصوف أو العرفان والفلسفة وعلم الكلام جعلت من عوام علماء الأمة ينظرون إلى تقاطع هذه العلوم في بعض من نتائجها وحقائقها تشاركا في المنهج وتساويا في الحكم من جهة ابتعادهم عن نهج النبوة، ذلك أن حكم الفلسفة لا يعدو كونها من علوم الأوائل الذين نسخت طريقتهم ونسخت شريعتهم إن كانت لديهم شريعة ووجب عليهم التوبة من معارفهم بالكلية وتبني نهج النبوة واتباع الحقائق الظاهرة في نصوص الشرع الإسلامي، فيمنع الشيخ الأكبر هذا الخلط من خلال تسوية علوم التصوف بعلوم الفلسفة والكلام، ّلكون ذلك الفيلسوف ذكر تلك المسألة وقال بها واعتقدها، وأنّه نقلها منهم أو أنه لا دين له، فإنّ الفيلسوف قد قال بها ولا دين له".

يحذر الشيخ الأكبر من الوقوع في هذه الأحكام لمجرد الاشتراك في بعض الحقائق لأن الحق معروف بالاتساع ولا يحصره فكر أو ذوق وسعة الحق هذه أصلها سعة الشريعة التي تستوعب كل عقل وتتجاوزه لما وراءه فلا غرابة من وجدان الحق في أسفار الفلاسفة سواء كانوا من اليونان أو من الإسلام، "فلا تفعل يا أخي، فهذا القول قول من لا تحصيل له. إذ الفيلسوف ليس كل علمه باطلا، فعسى أن تكون تلك المسألة فيما عنده من الحق، ولاسيما إن وجدنا الرسول – صلى الله عليه وسلم - قد قال بها، ولاسيما فيما وضعوه من الحِـكم والتبرّي من الشهوات ومكايد النفوس وما تنطوي عليه من سوء الضمائر". في هذا الحكم يلتقي الشيخ الأكبر مع أبي حامد الغزالي الذي إن كفر الفلاسفة في مسائل، فقد اعترف لهم بصوابية معارفهم فيما يتعلق بالحكمة العملية وقد ارجع ذلك الصواب من جهة إلى تجاربهم ووجود نصوص نبوية لأنبياء سابقين حافضت عليها أممهم ما جعل هذه الفلسفة اليونانية تدرجها ضمن بحوثها.

كما ينبه الشيخ الأكبر إلى وجوب التوقف عن تمديد حكم المشابهة إلى درجة الحكم على أن مصدر علوم الصوفية هو هذه الفلسفات عينها، فيعتبر ذلك حكما لا واقع له ما يقذف بصاحبه إلى مهاوي الجهل والكذب: "وأمّا قولك إنْ قلت: "سمعها من فيلسوف أو طالعها في كتبهم"، فإنك ربّما تقع في الكذب والجهل.".

لا يمنع سعة الحق أن يكون له جهة تصيبه دون غيرها

صحيح أن الحق لا ينحصر في فئة من العلماء لكن الثابت عند أهل الله والشيخ الأكبر على رأسهم ممن يقرون أن لا مهيمن على الشرع في الإحاطة بالحق وضمان عدم وجود الباطل البتة فيه، فهو من علم النبوة التي عصمت من تلبيس الشياطين وأحيطت ساحتها بالحرس والشديد والشهب كما ورد في النص القرآني، فسلامة ساحة الشريعة التي هي علم النبوة تمتد لتشمل ساحة الوراثة النبوية، لأن ختم النبوة لم يشمل نبوة التعريف ونبوة الولاية، بل انطبق على نبوة التشريع وهي الرسالة، والصوفية علومهم هي علوم الوراثة بحسب تأكيدات الشيخ الأكبر وكل تيار أهل العرفان، فهم وإن شاركوا غيرهم في بعض من الحقائق لا يعني ضرورة اقتباسهم لها من غيرهم بل لأن تولد تلك الحقائق من معدن الشرع بالضرورة ـ والتولد هنا منزه عن طرق الاستدلال والتفكير والروية، بل التولد من جهة الإستفاضة من مشكاة النبوة والمدد الإلهي الخاص ـ فلا يتعبن حراس المعرفة والتدين في جعل التشابه في بعض من النتيجة تساويا في الحكم والمرتبة بين الصوفية وغيرهم من أهل الكلام والفلسفة، وهذا من شأنه ان يوقعم في الدعوى التي لا دليل لهم عليها خاصة وأن طريق العرفان منغلق على كل صاحب فكر ونظر.

لا شك أن وقوع هذه الطبقة من عوام علماء الأمة الذين حصروا المعرفة على الظواهر وما يمكن للفكر أن ينتجه دفع بهم إلى تلفيق أحكام طبقوا فيها ما يقع عندهم على غيرهم وهم الصوفية فوقعوا في الكذب: "أمّا الكذب فقولك: "سمعها أو طالعها"، وأنت لم تُشاهد ذلك منه؛ وأمّا الجهل فكوْنك لا تفرّق بين الحق في تلك المسألة والباطل. وأمّا قولك عن الفيلسوف: "لا دين له"، فلا يدُلّ كونه لا دين له على أنّ كل ما عنده باطل. وهذا مُدرَك بأوّل العقل عند كل عاقل. فقد خرجتَ باعتراضك على الصوفي في مثل هذه المسألة عن العلم والصِّـدق والدّين، وانخرَطتَ في سلك أهل الجهل والكذب والبهتان ونقص العقل والدين وفساد النظر والانحراف".

للبحث مصادر ومراجع تعذر تهميشها

[1] ابن سودكين، لواقح الأسرار ولوائح الأنوار، تح: عبد الباقي مفتاح، دار نينوى، دمشق، ط 2015، ص 160.



تعليقات