نور الإيمان ونور العقل
يميز الشيخ الأكبر بين نهجين في سبيل التوصل إلى المعرفة:
نهج الشريعة
يقوم على المعرفة الشرعية المستندة إلى الإيمان لا النظر وهذه طريقة لها ثمارها المعرفية الكشفية الشهودية عند أهل الخصوص من العارفين بالله وتبقى غيبية إيمانية عند عموم المؤمنين. هذه الطريقة لا تخلو من مراتب يدخل فيها مرتبة عوام المؤمنين الذين صدقوا الحقائق الإلهية التي جاءت بها الشريعة عن غيب، وخواص المؤمنين الذين شهدوا وذاقوا هذه الحقائق الإلهية، بفعل قوة التصديق والتسليم مع التقيد العبودي لا العبادي فقط بمضمون الإيمانيات والعمليات. وشتان بين من آمن وصدق عن غيب وبين من شهد وذاق الحقائق.
نهج الفكر
ويدخل فيه عموم الناس للشركة في ملكة العقل مع تفاوت في الانتباه للعقل وتخليصه وخلطه بالأوهام والحس المشترك. يمثل هذا النهج أرباب الفكر والنظر، من المتكلمين والفلاسفة، وهنا نجد أن الشيخ الأكبر" في كثير من مكتوباته يفصل بين نوعين من طرق المعرفة بالله تعالى، النوع الأول: طريق المعرفة الشرعية الإيمانية وما تثمره من معرفة كشفية ذوقية عند الخاصة من العارفين بالله. النوع الثاني: المعرفة الفكرية البرهانية التي يتبعها الفلاسفة وعلماء المنطق والكلام." [1].
الفرق بين النهجين
يفرض التراتب بين نهجي العقل والإيمان تراتبا في مقتضياتهما، فمقتضى الإيمان يفرض وجود نور إدراكي يسمح بمعرفة كل شيء بمعنى أن نور الإيمان لا حد له من جهة العلم فهو يقبل من ربه كل تعليم حتى وإن لم يجد في نفسه دليلا على ما اقتضاه التعليم الإلهي، ومقتضى النظر العقلي يفرض وجود نور إدراكي يسمح فقط بما يوافق أدوات الفكر، فللعقل بهذا الاقتضاء حد يقف دونه وما خرج عن محدداته مما ورد النص الشرعي عليه يبحث له عن وجه لموافقة أدواته وقواعده الفكرية ومن هنا أدخل النظر العقلي مبدأ التأويل الذي لا يعني سوى توفيق النص للعقل لا العكس.
وفي هذا السياق يورد الشيخ الأكبر هذه الحقيقة في قوله: "للعقل نور يدرك به أمورا مخصوصة، وللإيمان نور يدرك به كل شيء ما لم يقم مانع. فبنور العقل تصل إلى معرفة الألوهة، وما يجب لها ويستحيل وما يجوز منها فلا يستحيل ولا يجب. وبنور الإيمان يدرك العقل معرفة الذات وما نسبه الحق إلى نفسه من النعوت"[2]، فحتى مجال الإيمان والعقل يختلفان طبعا ذلك يرجع إلى منهج كليهما في طلب العلم: فمجال العقل والنظر هو الألوهة لأن الألوهة تقبل غيرها وهي مرتبة تتعقل، ومجال الإيمان الذات ونعوتها. وبين الذات والألوهة تراتبا سحيقا كما بين الفرق بمعنى الكثرة والجمع بمعنى الوحدة، طبعا وكلا المرتبتين هي واحدة اختلفت من حيث الاعتبار، وإلا فإن الحق تعالى واحد.
كيف يحصل نور الإيمان؟
![]() |
كف يحصل نور الإيمان؟ |
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو كيف حصل نور الإيمان على الشرف بمقارنته بنور العقل النظري الفكري؟ والجواب أن نور الإيمان بعد أن حصل المعرفة النظرية الضرورية بربه طلب السلوك إليه وهو هنا رفض التوقف عند دليله لأن دليله يبقى ناقصا لأنه مشوب برؤيته التي هي من جنس طبيعة وجوده الإمكاني الناقص، لذا كان عليه أن يأتي المطالب من أبوابها ولعل بابها السماع، واقتضى السماع اتباع طريقة الرسل من حيث التوجه إليه تعالى بالكلية واستعمال القلب لا النظر في معرفته فكان حظ طريق الإيمان أن أفاض الله عليها من نوره علما لا يمكن تحقيقه بطريق النظر والفكر : "ولما رأت عقول أهل الإيمان بالله تعالى أن الله قد طلب منها أن تعرفه بعد أن عرفته بأدلتها النظرية، علمت أن ثم علما آخر بالله لا تصل إليه من طريق الفكر، فاستعملت الرياضات والخلوات والمجاهدات وقطع العلائق والانفراد والجلوس مع الله بتفريغ المحل وتقديس القلب عن شوائب الأفكار إذ كان متعلق الأفكار الأكوان، واتخذت هذه الطريقة من الأنبياء والرسل، وسمعت أن الحق جل جلاله ينزل إلى عباده ويستعطفهم، فعلمت أن الطريق إليه من جهته أقرب إليه من الطريق من فكرها ولا سيما أهل الإيمان... وأن قلبه وسع جلال الله وعظمته، فتوجه إليه بكله وانقطع من كل ما يأخذ عنه من هذه القوى، فعند هذا التوجه أفاض الله عليه من نوره علما إلهيا عرفه بأن الله تعالى من طريق المشاهدة والتجلي لا يقبله كون ولا يرده ولذلك قال: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب، ولم يقل غير ذلك... فمن لم يشهد التجليات بقلبه ينكرها فإن العقل يقيد وغيره من القوى إلا القلب فإنه لا يتقيد وهو سريع التقلب في كل حال... فهو يتقلب بتقلب التجليات والعقل ليس كذلك، فالقلب هو القوة التي وراء طور العقل؟؟؟ فإن كل إنسان له عقل، وما كل إنسان يعطى هذه القوة التي وراء طور العقل المسماة قلبا... فلا تكون معرفة الحق إلا بالقلب لا بالعقل، ثم يقبلها العقل من القلب كما يقبل من الفكر"[3].
يستفاد من الإيمان التقيد بالقبول والتشكل بحسب الإلقاء والفيض من غير تحكم، وهذا الذي يؤهله للسفر مع إسفار الحق تعالى عن نفسه ونعوته، بخلاف العقل الذي لا يتقيد بل يقيد ما يصله، والتقييد شأن الكونيات لا الإلهيات، ومن هنا لم يقبل العقل النظري ما جاءه في الأخبار الإلهية ما لا يسيغه في الجناب الإلهي من صفات المحدثات والذي صنفه المتكلمون ـ الذين غلبوا النظر وأعملوا التأويل الفكري والعقلي ـ ضمن المتشابهات فلم يقبلوها كما سمعوها ولا طلبوا علمها بطريق التفويض والإيمان بل أولوها لتتماشى مع المباني العقلية، من هنا فاتهم من العلم بحسب تحكمهم، كما يرى الشيخ الأكبر.
اكتب تعليقا يدعم التدوينة ويساعدنا لتطوير خبرتنا