تهافت تقسيم التصوف إلى سني وفلسفي
تهافت تقسيم التصوف إلى سني وفلسفي
تهافت مقولة أن مصدر التصوف الإسلامي المدارس الفلسفية والغنوصية السابقة
في القرن التاسع عشر، تعرض التراث العربي والإسلامي إلى دراسات مستفيضة من قبل المستشرقين بغية تصنيفه وتوجيهه في إطار محاولة صياغة الذهنية العربية والمسلمة الخاضعة أغلبها للإستعمار. فأهم الأسئلة التي تحكمت في هذه الدراسات، قيمة هذا التراث من حيث الأصالة والتبعية، وطبيعة التفكير الإسلامي ورؤيته للحياة. وكانت من نتائج هذه الدراسات أن التراث الإسلامي في غالبيته مدين للحضارة اليونانية في مجال العلوم العقلية ولحضارة اليونان والشرق في مجال الروحانيات. وشغل المستشرقون أنفسهم في تبرير ذلك من خلال ربط النظريات في التراث الإسلامي بالأصول في الحضارات اليونانية والشرقية. ثم جاء الإسلاميون والعرب ليعقبوا على هذه الدراسات الاستشراقية بالنقد حينا والتأييد حينا، فكانت كلمة الدارسين العرب والمسلمين مجتمعة على وجود أهلية عند السلف في الإبداع في العلوم التي أورثوها لنا، مع اختلاف في درجة هذا الإبداع.
التصوف الإسلامي بين الأصالة والتقليد:
![]() |
التصوف بين الأصالة والتقليد |
وقد اتفق الفريقان في الأغلب على تقسيم التصوف إلى سني وفلسفي، مع اختلافهما في أصالته بين من يقول بأصالته ومن يقول بتبعيته للتراث الشرقي واليوناني.
كان غرض بعض التأصيليين تنزيه ساحة التصوف الإسلامي مما فهم أنه من الفلسفة والغنوص، فانتقوا الكتابات التي تبحث في السلوك والتدرج الروحي، والتي تخلو من التحقيق المعرفي فيها، واعتبروا هذه الكتابات من التصوف السني، بينما كل الكتابات التي تبحث في الحقائق والمعاني الباطنة التي تمجها عقولهم، صنفوها ضمن التصوف الفلسفي وبحثوا عن نصوص وآراء في الكتب الفلسفية والروحية الشرقية، ليوجدوا بينهما تآلفا وموافقة.
ولعل أهم خلط وقع فيه هذا الفريق هو خلق شرخ في منظومة التصوف الإسلامي الواحدة فجعلوا من الشيخ الأكبر وابن سبعين وعفيف الدين التلمساني، وعبد الكريم الجيلي، جعلوهم غرباء عن الشيخ عبد القادر الجيلاني والشيخ الهروي الأنصاري، والشيخ زروق، وأبي الحسن الشاذلي والشيخ ابن مشيش، فكان التيار المسمى بالتصوف الفلسفي ليس بتصوف هو مجرد تفلسف استمد أفكاره وتعاليمه بفعل التأمل وبعض من السلوك، فكأن صاحبه يتشرب من معدنين متضادين سلوكه من الشريعة المتأولة، فحتى الشريعة عندهم ليست بميزان بل خاضعة لميزان الفكر والفلسفة، وفكره فلسفة وغنوص.
نجد من بين من تبنى هذا التصنيف الدكتور أبو العلا عفيفي جريا على منهج أستاذه المستشرق الإنجليزي نيكلسون، وقد تبع الدكتور عففي، الدكتور محمد جلال شرف وغيرهم، مستند هؤلاء أن التغصوف السني في ميدان التوحيد ينتهي إلى توحيد الألوهية عملا بظاهر كلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، وأن التصوف السني يتبنى نظرية وحدة الشهود، وهذا منتهى علم لا إله إلا الله، بينما انتهت نظرية التوحيد عند أهل التصوف الفلسفي ـ بحسب زعمهم ـ إلى نظرية وحدة الوجود وهي نظرية تجاوزت حدود الذوق لترتبط بالنظر والفكر، فنظرية وحدة الوجود افتقر أهل التصوف الفلسفي في بنائها إلى النظريات الفلسفية والغنوصية الشرقية واليونانية.
بينما لا أهل التصوف الفلسفي ولا أهل التصوف السني لم يستغن واحد منهم عن العمل بالشريعة، فالصوفية كلهم يعتبرون أن علمهم كله عمل ولا مجال لحقيقة دون أن يكون معها أدب لازم لها فإن هذا العلم هو حكاية عن حضور في حضرة القدس الإلهي لا يستند في صياغته إلى قواعد نظرية أو مبادئ عقلية أو حتى نفسية بل هو محض وهب، يظل العارف يتنكر لنسبته إلى قواه النظرية بل ينسبه إلى الفيض الإلهي على أثر سلفهم المذكور في القرآن الكريم وهو الخضر عليه السلام الذي ذكر مقدمتين تبطلان أي توجه نظري للعارف الأولى في قوله تعالى: وما فعلته عن أمري(الكهف/ 82)، والثانية في قوله تعالى كذلك: وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا. (الكهف/ 68). وهذا يعكس المصدر الإلهي لهذا الخطاب من غير تعمل.
هذه المقدمات تعزز موقف العرفاء من التقسيم الطارئ على كشوفاتهم ورقائقهم، نعم نجد في كلام العرفاء ما يثبت هذا التقسيم، وهو تمييزهم بين الرقائق والحقائق، المقصود بالرقائق الجانب من الكتابات التي تعنى بالسلوك، لكنهم يقرون بأنها موجهة للعوام لغرض التحقق بالصلاح الضامن لأداء العبادات والمعاملات الصحيحة، بمعنى التحقق بمقام الإيمان، أو الأبرار بلغة القرآن وجانب آخر يتناول مدارج الكمال في السلوك والذوق يوجه غلى المريدين والسالكين. أما الحقائق، فالمقصود بها الجانب الذي يعبر فيه عن مشاهداتهم ومكاشفاتهم التي أفيضت على قلوبهم عندما أُخذوا عن أنفسهم في حضرة القدس.
الغاية من تقسيم التصوف إلى سني وفلسفي
هذا التوجيه للعرفان بفعل تقسيمه وقع من قبل الدارسين الذين أرادوا أن يذللوا الهوة بين الحكمة والعرفان، فميزوا بين جانب عملي تمثل في المجاهدات والسلوكيات التي أبدعها العرفاء في تحديد صراط الوصول إلى الحقيقة المطلقة سمي بالطريقة، وجانب نظري يمثل المعارف الحاكية عن الوجود ومراتبه وعن الأنوار المجردة وتنزلاتها وصعودها في ما بين قوسي الوجود الصاعد والنازل، سمي هذا الجانب في الأدبيات العرفانية بالحقيقة.
بينما المتأمل في نصوص الصوفية المصنفين ضمن دائرة التصوف الفلسفي، يلحظ هيمنة ميزان الشريعة على كل فكر أو مسلك، "فأصل رياضتنا ومجاهدتنا وجميع أعمالنا التي أعطتنا هذه العلوم والآثار الظاهرة علينا إنما هو من عملنا بالكتاب والسنة (...) وفيْضنا روحانيّ و إلٰهيّ لكوْننا سلكنا على طريقة إلٰهيّة تسمى: "شريعـة"، فأوْصلتنا إلـى المشـرّع وهـو الله - تعـالى- لأنه جعلـها طريقا إليـه"[1].
المشكلة في رؤية هذا الفريق هي في الشريعة التي يرى، حيث يعتبر أن الشريعة لها سطح واحد يختلف الناس فيما بينهم فيها من حيث كثافة العبادات والالتزام المظهري لا الظاهري، الشريعة لها مقياس واحد هو اللغة التي كتبت بها والذهنية العامة التي تتصورها، فالشريعة وسيلة لغاية مؤجلة تتمثل في الثواب الأخروي، كل ما هنالك أن انعكاسها يظهر في وجدانيات عامة تزرع الاطمئنان لدى المؤمنين، ونقصد بالشريعة نص القرآن والسنة النبوية، أما علوم الشريعة فهي التي توافق عليها أهل النظر من اصول الفقه والفقه وعلوم القرآن والحديث وعلوم العقيدة، وما غيرها ليس بعلم وهو من خبط الخيال والأهواء المختلفة، وأدى بهم رأيهم هذا إلى إخراج علوم التصوف من الإسلام، فلم يجدوا مصداقا له إلا في الديانة البوذية والزرادشتية وبعض الباطنية مثل افسماعيلية التي تنهل فكرها من الأفلاطونية المحدثة وبعض نصوصها الدينية السرية.
حقيقة الأمر وسبب الالتباس
نحن لا ننكر الاختلاف بين النصوص في التصوف من حيث المواضيع وطبيعة الكتابة، ففعلا الرسالة القشيرية كذلك أغلب نصوص إحياء علوم الدين في عمومها لا تشبه كتاب فصوص الحكم ولا كتاب الإنسان الكامل أو بد العارف، كما أن كتاب منازل السائرين لا يخلو من الازدواجية في الحكم إذا أردنا أن نطبق عليه وجهة النظر هذه، فهو ينطوي على تصوفين تصوف فلسفي وتصوف سني، والأمر نفسه يقال على الشيخ الأكبر فمثلا كتابه الوصايا الذي هو جزء من الفتوحات المكية، يأخذ صبغة التصوف السني بزعم هذا الفريق.
رأي مثل هذا يخلق فصاما داخل منظومة التصوف الإسلامي، وفهمه هذا لا تسعفه فيه نصوص التصوف افسلامي ذاتها، مما خلق اضطرابا في البيان وفرض عليه دفاعه عن اطروحته التغافل عن بعض النصوص وتأويلها بما يحمي التصور.
بينما تاريخ التصوف يحكي عن براءة القوم من تهمة التفلسف إذ " أن أكثر من تسعين بالمائة من أولياء المسلمين في المشارق والمغارب، وهم الممثلون الحقيقيون للتصوّف الأصيل، لم يقرؤوا سطرًا واحدا من كتب الفلسفة، وإنما تعلموا القرآن العظيم وعملوا به، وتخلـّقوا بأخلاق من نزل عليه – صلى الله عليه وسلم"[2]
[1] ابن العربي في الباب 88 من الفتوحات
[2] عبد الباقي مفتاح، بحث لم ينشر بعد.
اكتب تعليقا يدعم التدوينة ويساعدنا لتطوير خبرتنا