الفلسفة الإسلامية والبيئة المشكلة
البيئة الفكرية كمشكلة للفلسفة الاسلامية
منذ بدأ فلاسفة الإسلام تجربة التفلسف لم يهدأ لهم بال ولم يهنأ عيشهم، وهذا أمر طبيعي إذا نظرنا إلى البيئة التي نشأت فيها هذه الفلسفة خصوصا وأنها بيئة دينية بامتياز، يفسح المجال للمعرفة الدينية ويتطلع إلى نتائجها، بل حتى داخل الحقل الديني لم يسمح لأي فكر أن ينشط باستقلالية، ويرجع ذلك لعوامل سياسية واجتماعية، منها طبيعة السلطة السياسية الحاكمة ومشكلة العصبية الدينية التي كانت موغلة في أوساط العامة. فما موقع التفلسف في بيئة مثل هاته وكيف تعايشت الفلسفة الإسلامية مع وضع إشكالي على هذه الشاكلة؟
الفلسفة الإسلامية في سياق الفكر الإسلامي:
لمعرفة وضع وواقع الفلسفة الإسلامية ضمن حقول المعرفة في الحضارة العربية الإسلامية لا بد من استحضار البيئة الفكرية التي كانت تتحرك فيها الفلسفة الإسلامية.
فمن غير الممكن الغفلة عن أمر تاريخي مجمع عليه وهو كون الفلسفة الإسلامية نشأت في بيئة متعددة الاتجاهات الفكرية فمن جهة بقايا الفلسفة اليونانية التي نزلت ساحة مصر من خلال مدرسة الإسكندرية التي حافظت على إرث الفلسفة اليونانية خصوصا الأفلاطونية والأرسطية حيث استثمر المسيحيون وحتى اليهود قبل الإسلام الفلسفة اليونانية وحاولوا توظيفها في عقلنة تراثهم الديني فأنشأوا لاهوتا معقولا حاول بناء عقائدهم نظريا وسمح لهم بتعليم دينهم في صور علمية تقبلها العقول إلى حد ما.
مع العلم أن الفلسفة اليونانية وخصوصا مدرسة أرسطو من خلال شراحه والأفلاطونية المحدثة من خلال أتباعها انتقلت هذه الفلسفة إلى المسلمين بفعل ترجمة التراث اليوناني وغيره من العلوم الشرقية إلى اللغة العربية بواسطة السريان خصوصا. فانتقلت الفلسفة اليونانية إلى المسلمين[1].
كذلك من معالم التعدد في الاتجاهات الفكرية داخل البيئة المعرفية الإسلامية ظهور الفرق الكلامية الإسلامية التي ارتقى النقاش فيها إلى تناول مفردات العقيدة الإسلامية ببناءات فكرية ونظرية مجردة.
الحضارة العربية والإسلامية بيئة مفارقة:
![]() |
الحضارة العربية والإسلامية بيئة مفارقة |
ما يمكن تلخيصه في هذا الباب أن بيئة نشأة الفلسفة الإسلامية بيئة مختلفة المشارب من جهة الأفكار لكنها كانت أحادية القطب، وهي بهذا الاعتبار بيئة مفارقة تجمع بين قطبين متعارضين، فمن جهة إنتاج فكري متعدد ومتنوع ومن جهة سلطة معرفية أحادية تمارس الرقابة والحضر ضد من يخرج عن طوقها. ما يعني أن الحضارة العربية الإسلامية صحيح استقطبت العديد من التيارات الفكرية لكنها كانت ترتكز على إيديولوجية بها تحافظ على المنهج العلمي والعملي للمسلم. والجدير بالذكر أن علم الكلام كان هو الحامل الإيديولوجي لهذه الحضارة الإسلامية من خلال طبقة الحكام الذين استعانوا بعلم الكلام في حماية نفوذ الدولة.
علم الكلام سيّد العلوم:
كان علم الكلام العلم الأكثر انتشارا في أوساط العامة لأنه كان الحامل المعرفي لعقائد المسلمين ولذلك حاولت السلطة السياسية في الدولة الاسلامية العناية به وتقريبه إلى دواليبها، فإذا كان الحاكم معتزليا وجب على العوام اعتناق الاعتزال وإذا كانت الأشعرية محل رضا الحاكم وجب على المسلمين المنظوين تحت هذا الحكم أن يتبعوا الأشعرية وهكذا كل فرقة تصبح النموذج الاعتقادي للمسلمين في تلك الحكومة..
ومن هنا تخضع العلوم الأخرى لسلطة علم الكلام خصوصا العلوم التي تضاهي الدين في مسائلها كالفلسفة والتصوف، لأن الفلسفة علم يحاول تقديم رؤية شاملة للإنسان وهي كذلك علم يعد الإنسان بتحصيل السعادة في كل أموره في جسده ونفسه وعقله، من خلال تحقيق الحكمة النظرية والعملية.
لذلك كانت الفلسفة الأكثر عرضة للتهجم من قبل علماء الكلام ويأتي بعدها التصوف، وهنا نستثني الاتجاه الاسماعيلي الذي على عكس الاتجات الكلامية الأخرى فهو استعان بالفلسفة في بناء عقائده وتصوراته الدينية الكبرى[2]، خصوصا وأن الفلسفة معروفة بأن مرجعيتها الفكرية مأخوذة من اليونان والثقافات الروحية الشرقية.
الفلسفة الإسلامية ومحنة التكفير:
ولعل أهم امتحان خضعت له الفلسفة الاسلامية في إطار البيئة الحضارية والثقافية الإسلامية هي امتحان التكفير والتضليل، فوجهت لها تهمة الكفر والإلحاد ومحاربة العقيدة الإسلامية. لكن فلاسفة الإسلام لم يلتزموا الصمت حيال هذه التهجمات وحاولوا الحفاظ على وضعهم الشرعي المعرفي من خلال إثبات موافقة الفلسفة للدين الإسلامي وذلك في أطروحاتهم عن التوفيق بين الحكمة والشريعة.
مرافعة فلاسفة الإسلام ضد التكفير وتهمة الزندقة:
![]() |
المرافعة ضد التكفير |
ولا ننسى موقف السهروردي حكيم الإشراق الذي جعل من الشريعة سلما لسلوك سبيل الحكمة الإشراقية[6]، فمثلا يقول شيخ الإشراق مرورا مع صدر الدين الشيرازي الذي اعتبر الحقيقة واحدة رغم تعدد مظاهرها سواء الدينية أو العقلية أو الذوقية مع تركيزه علو شأن الدين في تقصي الحقيقة، إذن فكل الفلاسفة المسلمين لم يشعروا بحرج في تدينهم ولا في علاقتهم بالله أثناء سلوكهم سبيل الفلسفة وتعاطي الحقائق سواء من نافذة العقل المجرد أو من نافذة الذوق والتجربة الروحية.
بل نجد تهجما فلسفيا من قبل فلاسفة الإسلام على محاربي الفلسفة والتفلسف من علماء الكلام وعلماء الدين جملة داخل البيئة الثقافية الإسلامية. ولعل أول فيلسوف مسلم وهو الكندي استعرض إشكالية التكفير التي طالت الفلسفة فكان رده على المتكلمين وعلماء الدين الذين حاربوا الفلسفة بتكفيرهم وإخراجهم عن الدين ونعتهم بتجار الدين الذين اشتروا مناصب الرئاسة والوجاهة من خلال تكفير الفلاسفة، وهنا نذكر نصا له: "
كذلك دفاعات ابن سينا عن النظريات الفلسفية خصوصا في مجال الميتافيزيقا لأن تلك الحقائق مجتها أذواق المتكلمين كمسألة قدم العالم أو مسألة توصيف الله تعالى من خلال الجهد العقلي.
ولعل رد ابن رشد على أبي حامد الغزالي الذي كفر الفلاسفة المسلمين خصوصا الفارابي وابن سينا، من خلال مؤلفه تهافت التهافت فيه إشارة إلى اهتزاز المبنى النظري الذي ارتكز عليه الغزالي في تكفير الفلاسفة. كما يمكن اعتبار مؤلف الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة لأبي الوليد بيانا على عدم قدرة الكلام في تأسيس القضايا العقائدية والميتافيزيقية وهذا فيه تهجم على فكرة التكفير التي انطلقت من أحضان علم الكلام في حق الفلسفة والفلاسفة.
[1] بدوي، عبد الرحمن، أفلوطين عند العرب، انتشارات بيدار، ط3، القاهرة، 1977، ص 2.
[2] محمد عبد الحميد الحمد، الأفلاطونية المحدثة والتوحيد الإسماعيلي، منشورات الحمد، الرقة، سوريا، ط1، 2003، ص 19.
[3] الكندي، كتاب الكندي إلى المعتصم بالله، في الفلسفة الأولى، تحقيق، أحمد فؤاد الأهواني، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة 1، 1948، ص 77.
[4] المصدر نفسه، ص 78.
[5] الكندي، أبو يوسف يعقوب، رسائل الكندي الفلسفية، تحقيق، محمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1950، ص ص 103-104.
[6] محمد علي أبو ريان، أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب الدين السهروردي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط1، 1959ص 293.
اكتب تعليقا يدعم التدوينة ويساعدنا لتطوير خبرتنا