📁 آخر الأخبار

المعرفة الفلسفية عند أبي نصر الفارابي

المعرفة الفلسفية عند أبي نصر الفارابي


المعرفة الفلسفية عند الفارابي

تعتبر المعرفة الفلسفية عند الفلاسفة القدماء ـ ومن ضمنهم فلاسفة الإسلام ـ من المعارف الشاملة التي تحيط بكل المعارف والعلوم الجزئية لكونها تدرس أعم مفهوم علمي وهو الوجود ولذلك لا توجد ملكة لها الأهلية في الإحاطة بهذا الموضوع كالعقل، ومن يهتم بهذه الملكة ويفعّلها في بحوثه ولا يحيد عنها يضمن يقين معارفه ويصل إلى رتبة الحكمة لكونها مرتبة تسمح للإنسان بالسير على قوانين الوجود والانسجام معها نتيجة تمكن العقل وحده بالإحاطة بالوجود.

نظرية المعرفة:

نركز في بحثنا عن نظرية المعرفة في الفلسفة الاسلامية على قيمة العقل ودوره في اكتساب المعرفة ومن ثم تحقيق اليقين في النظريات والسعادة في العمليات.

مما لا شك فيه أن الفسفة الإسلامية تعول على ملكة العقل في بناء مفاهيمها وبنائها النظري سواء ما تعلق في الطبيعيات أو ما وراء الطبيعة.

والعقل يستعين بالدرجة الأولى بالحس.

ففلاسفة الإسلام ومنهم أبو نصر الفارابي يعتبرون النفس الإنسانية ذاتا مؤلفة من قوى متعددة بحيث كل قوة تعمل على تكملة النفس الإنسانية أي إعطائها كمالها المستحق لها.

فلدينا قوى نظرية وقوى عملية، فالعملية كالقوة النزوعية فيها الواهمة والغضبية والشهوانية، والقوى النظرية وفيها الحواس الظاهرة والباطنة وفيها الناطقة، طبعا كل هذه القوى هي مداخل لتكملة النفس وإعطائها كمالها النظري المتمثل في تحصيل اليقين والكمال العملي يكمن في تحصيل السعادة. ما يهمنا في بحثنا هذا هو الكمال النظري وتحصيل اليقين.

ولعل القوة الأساس في بناء المعرفة التامة لدى عموم الناس هي العاقلة أو الناطقة وبلوغ الكمال فيها يحقق فضيلة الحكمة، فالحكيم أو الفيلسوف هو من بلغ الكمال في قوته النظرية والعملية أي من بلغ المعرفة القصوى وحصل العلم بالكليات على تمامها ومن بلغ السعادة من خلال كمال أخلاقه ورياسته لبني نوعه من خلال إرشادهم وتهذيب نفوسهم على قانون الحكمة.

كذلك يمكن إضافة دور قوة المتخيلة وأهميتها في بناء المعرفة النبوية وتحقيق خاصية إرشاد الناس إلى ما يحقق سعادتهم الدنيوية والأخروية، فالفارابي على وجه الخصوص يركز على قوة المتخيلة في تحصيل نوع من المعارف التي لا يمكن للفيلسوف من جهة اعتماده الكلي على العقل لا يمكنه تحصيل جهة من المعارف وأساليب التربية لهداية عموم الناس.

إذن سنركز على دراسة قوة العقل في فلسفة الفارابي من أجل تبيان قيمة المعرفة عنده وطبيعتها.

ما العقل؟

العقل "قوة النفس التي بها يحصل للانسان اليقين بالمقدمات الكلية الصادقة الضرورية لا عن قياس .. بل بالفطرة"[1]، والعقل من الناحية الوظيفية هو انكشاف حقائق الأشياء وماهيتها في ذات العاقل كذلك فإن العقل أو التعقل هو حضور المعقول وماهيتة في ذات العاقل بحيث يكون المعقول جزءا من ذات.

عندما نتعرف على العالم من حولنا فإن تعقل هذا العالم ومفرداته يعني انتقال ماهيات الأشياء وحقائقها إلى الإنسان فتصبح معلومة له على نحو كلي، فهذا التعرف يتم من خلال التعقل ونهاية التعقل هي صيرورة صور الأشياء الواقعية جزءا من ذواتنا أي انتقال المعلومات إلى ذواتنا بنحو كلي وهي هنا تصير معقولات. وكونها معقولات يعني تصبح جزءا من عقلنا. فمثلا نحن عندما نتواصل مع مفردات العالم الخارجي نحن نتواصل معها من خلال ما نمتلكه من معلومات سابقة حاصلة في أذهاننا فنتعلم معلومات جديدة انطلاقا من معلومات سابقة وهكذا تتكامل معرفتنا بالأشياء. فالجزء من المعلومات الذي كان عندنا قبل معرفة هذه المفردات هي معلوماتنا وهي كذلك عقلنا وذهننا الذي استعملناه في التعرف على المفردات الجديدة.

بهذه الكيفية في التعلم أو التعقل نفهم أن المعرفة هي نحو من الاتحاد بين العاقل والمعقول، أي صيرورة المعقولات جزءا من العقل أو قل عقلا، وبهذا يتفاوت الناس في العقل بحسب تفاوتهم في المعرفة[2]، فعقل الفيلسوف غير عقل أهل الجدل والخطابة. وعقول الخواص غير عقول العوام وهكذا، وبناء عليها العقل والمعقول أمر واحد.

كذلك فإن تعريف العقل مثلا عند الفارابي هو حضور الماهية المجردة من كل مادة ولوازمها عند الذات المجردة. لنستخلص مما سبق ونقول إن التعقل أو العقل مرادف للتجرد؛ فالمادي والمادة لا تعقِل ولا تُعقل، فقط المجرد من يَعقل ويُعقل.

لتوضيح العلاقة بين المادي والمجرد، يجب فهم فكرة المادة والصورة في العلم الطبيعي عند الفلاسفة الكلاسيكيين من يونان ومسلمين ومن تبعهم.

فلمقصود بالمادة هي الجزء الناقص في عالم الموجودات وهو الجزء المستعد في الشيء أن يكون حقيقة ما أو هيئة ما، أما الصورة فهي التحقق الفعلي للشيء مثلا الكرسي الخشبي مكون من مادة وهي الخشب وصورة هي الكرسي الشيء الذي نجلس عليه، فالكرسي قبل كونه كذلك كان خشبا قابلا أية صورة أو هيئة. وتحقق الكرسي في الواقع هو انتقال الخشب من الإمكان إلى التحقق الفعلي في الخارج، فالتحقق أشرف من الإمكان ومنه المادة أخس من الصورة.

الجزء المادي من الموجود هو الاستعداد والتهيء لكي يكون شيئا ما والجزء المجرد من الموجود هو الصورة أي التحقق الفعلي للموجود وهو الماهية.

المعقولات هي الجزء المجرد من وقبل أن تعرف هذه الموجودات كانت مادية أي لها استعداد لتعلم لكنها لم تعلم بعد. وبناء عليه فقط المعقول هو المجرد والمجرد هو المعقول. إذن لا يعقل إلا المجرد ومادام المعقول هو عقل كذلك فالعقل مجرد كذلك لذلك قلنا لا يعقل إلا المجرد ولا يعقل إلا المجرد. ومنه فإن التعقل مرادف للتجريد.


العقل الإنساني برزخ بين عالم السماء وعالم الطبيعة

كيف تحصل المعقولات؟

يقسم الفارابي وكذلك فلاسفة الإسلام خصوصا المشائين قوة الإدراك إلى قوى حاسة وقوة عاقلة، فالقوى الحاسة تلتقط من الموجودات صورها الجزئية سواء المبصرة أو المسموعة أو غيرها من المحسوسات، ثم تنتقل هذه المحسوسات إلى الحس المشترك والمتخيلة بحيث تتجرد جزئيا من موادها فتكون قابلة للتعقل أي قابلة أن تتشكل على شكل كليات أو معارف كلية حاصلة في الذهن لأن الذهن لا يحصل إلا الكليات.

السؤال الذي يطرح في هذه المحطة كيف تتحول المحسوسات إلى معقولات أي كيف تتحول المعرفة من جزئيات إلى كليات وبالطبع لا يمكن أن يكون المعلوم تماما إلا إذا كان كليا أي معقولا، لآن الحس هو مقدمة المعرفة وليس هو المعرفة اللائقة بأذهاننا.

لمعالجة نظرية المعرفة في هذا الجانب أي في تطور المحسوسات وتحولها إلى معقولات كلية لا بد من الإحاطة بنظرية الفيض عند فلاسفة الإسلام خصوصا مع الفارابي ومن تبعه.

لأننا من جهة نجد أن الفارابي يقر بدور المحسوسات في تشكيل المعلومات الجزئية ؛ فهي تعتبر مقدمة لتمكن العقل من تجريد هذه المحسوسات وبالتالي تحولها إلى معقولات كلية تملأ نفوسنا بالعلم والكمال الحكمي.

ومن جهة ثانية تشعرنا نصوصه الفلسفية أن لا دور للحس في تكوين معلوماتنا الكلية بل حتى عقلنا لا دور له في تأسيس المعقولات وبنائها نظريا من خلال أدواته.

لفهم نشأة المعقولات وصيرورتها جزءا من القوة الناطقة في الإنسان لا بد من فهم نظرية الفارابي في العقل وتطوره المعرفي من حال الجهل إلى حال الحكمة التامة.

فالفارابي يقسم التدرج المعرفي عند الإنسان إلى ثلاثة مراحل وهي العقل بالقوة، ومرحلة العقل بالفعل ثم مرحلة العقل المستفاد، نشرح هذه المصطلحات:

أولا: العقل بالقوة

العقل بالقوة هو "نفس أو قوة من قوى النفس الانسانية مستعدة لأن تنتزع ماهيات الاشياء وصورها دون موادها فتجعلها صورة لها"[3]، بمعنى نحن في إدراكنا للعالم تواجهنا الموجودات مخلوطة بين جزئيات وتوابع وحقائق وماهيات هذه الموجودات؛ فمثلا عندما ندرك زيدا ندرك فيه طوله ولونه وحالاتة من فرح او حزن وأنه مقيم في مكان معين وأنه جالس او قائم وأنه يشغل وظيفة معينة وانه انسان عاقل وليس حيوانا وهكذا فقوة الادراك التي هي العقل الانساني هي الملكة التي تستخرج الماهية الثابتة لزيد وتخلصها من كل توابعها بحيث تسمى هذه العملية بالتجريد أي أخذ الصورة الحقيقية المشكلة لماهية زيد الثابتة وهي مثلا هنا انسانيته وهكذا عندما ندرك زيدا ندرك فيه طوله ولونه وحالاته من فرح او حزن وأنه مقيم في مكان معين وأنه جالس أو قائم وأنه يشغل وظيفة معينة وأنه إنسان عاقل وليس حيوانا.

وهكذا فقوة الإدراك التي هي العقل الانساني هي الملكة التي تستخرج الماهية الثابتة لزيد وتخلصها من كل توابعها بحيث تسمى هذه العملية بالتجريد أي أخذ الصورة الحقيقية المشكلة لماهية زيد الثابتة وهي مثلا هنا إنسانيتة وهكذا كل ماهية نريد أن ننتزعها من موجود ما فالذي يقوم بهذه العملية هو العقل ولديه استعداد لعمل ذلك. هذا الاستعداد نسميه العقل بالقوة وهي مرحلة تسبق كل ادراك أو تعقل ومعنى هذا الكلام أن الذات العاقلة شبيهة بمادة تحصل فيها الصورة وتسمى هذه الذات كذلك العقل المادي والعقل الهيولاني وهو نفسه العقل بالقوة.

ثانيا: العقل بالفعل

هو صيرورة العقل بالقوة إلى مرحلة متطورة عن مرحلة العقل بالقوة بحيث تتشكل ماهية جديدة له وهو حينئذ عين المعقولات التي حصلت فيه، ذلك أن المعقولات كانت معقولات بالقوة أي كانت صورا في موادها قبل أن ينتزعها العقل وعندما انتقلت ماهيات هذه المدركات إلى العقل بحيث تخلصت من موادها أصبحت معقولات بالفعل وهي حينئذ نفسها العقل بالفعل، فكما يقول الفارابي: "فأنها معقولات بالفعل وأنها عقل بالفعل شيء واحد بعينه"[4].

نعود الى المعقولات فلها كذلك مرحلتين مرحلة كونها معقولات بالقوة في حين كانت صورا في موادها ففي حالة كونها معقولات بالقوة، فالعقل بالاضافة إليها هو كذلك عقل بالقوة، ما زالت لم تحصل فيه ما زالت خارج النفس في موادها. والمرحلة الثانية للمعقولات هي كونها معقولات بالفعل؛ أي صارت حاصلة في العقل وصار لها وجود غير الوجود السابق وصفة غير الصفة السابقة وأصبحت صورة لهذا العقل بالقوة، وانتقل هذا العقل حينئذ من حالة هيولانية أو مادية إلى حالة فعلية. فهنا المعقولات بالفعل هي بالإضافة إلى العقل بالفعل. من هنا كان الفارابي مع استاذه أرسطو يعتقد أن المعقولات بالفعل هي عينها العقل بالفعل.

تتغير ماهية العقل بالقوة بانتقال المعقولات وحصولها فيه.

بمزيد من التوضيح وكما سبق أن قلنا بأن المعقولات بالفعل والتي هي عينها العقل بالفعل كانت بالقوة معقولات، بحيث كانت صورا في مواد خارج النفس العاقلة لكنها عندما صارت معقولات بالفعل تغيرت من حيث الوجود فارتفعت عنها بفعل تعقلها الكثير من المقولات التي كانت تلازمها عندما كانت صورا في موادها. فهذه المقولات التي ارتفعت عنها وقد كانت تلازمها قبل؛ مثل الأين والكم والإضافة والفعل والكيف والإنفعال وغيرها من التوابع وأصبحت هذه المعقولات ماهيات جديدة مجردة تمام التجرد، وبهذا هي نفسها أصبحت من موجودات العالم المجردة غير كونها صورا في موادها سابقا وبالتالي فكونها معقولات بالفعل هي كذلك تعقل بالفعل لأنها كما قلنا سابقا هي عين العقل بالفعل لنقل حصل اتحاد وأصبحت ذاتا عاقلة ومعقولة أي عقلا بالفعل وصارت صورة للعقل بالقوة.

إذًا هذا معنى قولنا عقلا بالفعل، فالمعقولات بعد تعقلها أصبحت جزءا وصورة للعقل بالقوة فهي تعقل وتعقل، فهكذا تتم المعرفة بحيث ناخذ ماهيات من الموجودات في عملية الادراك وهذه الماهيات هي معارف وهذه المعارف بدورها تتحول الى اداة تساعدنا في ادراك الامور التي ما زلنا نجهلها وهكذا تتراكم المعرفة فتشكل رؤية النار بها العالم ونفهمة نرجع الى تقسيمات الفارابل لمراحل العقل الانساني وننتقل الى المرحلة الثالثة. وهي رتبة العقل المستفاد.

ثالثا: العقل المستفاد

العقل المستفاد هو نفسة العقل الانساني في مرتبة العقل بالفعل حيث اصبح مدركا لماهيات الموجودات حاصلة فيها المعقولات بالفعل لكنه عقل بالفعل لجميع المقولات لا بعضها وصار هذا العقل أحد الموجودات بحيث صار هو المعقولات كلها بالفعل، هذا العقل المستفاد عندما يعقل احد الموجودات خارجا عن ذاتة فهو لا يعقله كونه صورة في مادة خارج النفس بل يدركه كونه معقولا حاصلا في ذاته أي معقولا بالفعل؛ وبالتالي فتعقله للموجودات هوتعقل لذاتة لا لامر خارج ذاته لان معقولاته هي حاصلة فيه وهي عين ذاته وهذا معنى قول الفارابي ان العقل عين المعقول[5].

واذا كانت كل المعقولات حاصلة في العقل يصبح العقل عين كل الموجودات وعين كل المعقولات وحينئذ هذا معنى العقل المستفاد وحقيقتة وهذه كما سبق في درس مراتب الوجود في فلسفة الفارابي هي رتبة العقل الفعال التي يصلها العقل المستفاد اي عقل الحكماء والانبياء عليهم الصلاة والسلام.

المرحلة الرابعة هي مرحلة العقل الفعال

العقل السماوي المفيض للمعارف
العقل السماوي المفيض للمعارف

رتبة العقل الفعال، ما يمكن التنبيه عليه في هذه الرتبة انها لا تشكل تطورا للعقل الانساني أو العقل الجزئي لان اكمل رتبة يصل اليها هذا العقل الجزئي والعقل الانساني هي رتبة العقل المستفاد.

هذا العقل الرابع فهو عقل مفارق كامل لا يخضع للصيرورة والتطور وهو العقل الفعال فالعقل الفعال هو صورة مفارقة لم تكن مادة ولا تكون مادة اصلا فهو من أول ابتدائه هو بالفعل ولم يكن بالقوة أصلا "نسبة العقل الفعال إلى العقل بالقوة كنسبة الشمس إلى العين المبصرة لأن العين من دون ضوء هي بالقوة مبصرة، فإذا حصل الضوء في البصر وفي الهواء صار البصر بما حصل فيه من الضوء بصرا بالفعل وصارت المرئيات مرئيات بالفعل فهكذا دور العقل الفعال دور الشمس والضياء الذي يكون مبدأ لترى العين مثلا الألوان والأجسام المرئية بالقوة"[6] العقل الفعال يعطي العقل بالقوة مبدأ تصير به المعقولات بالقوة له معقولات بالفعل وبذلك المبدأ صارت المعقولات معقولات بالفعل.

[1] Alfarabi , risalat fil- Aql, texte arabe integral, Maurice Bouyges, Beyrouth, Imprimerie catholique,1938, page 8

[2] Alfarabi , risalat fil- Aql, texte arabe integral, ibidem, page 11.

[3] Alfarabi , risalat fil- Aql, texte arabe integral, Maurice Bouyges, Beyrouth, Imprimerie catholique,1938, page12

[4] محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الاسلام، دار المعرفة الجامعية، القاهرة، 1992، ص255

[5] محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الاسلام، دار المعرفة الجامعية، القاهرة، 1992، ص255

[6] الفارابي أبو نصر، رسالة في العقل، تحرير الأب موريس بويج، المطبعة الكاتوليكية، بيروت، 1937، ص 27

تعليقات