📁 آخر الأخبار

قراءة في ماهية العرفان

قراءة في ماهية العرفان


قراءة في ماهية العرفان؟

الغرض من هذا السؤال تحديد ماهية العرفان باعتباره مجالا معرفيا أو قل علما من العلوم، وهذا السؤال يفترض تمييزا لهذا العلم من علوم أخرى تشاركه في الموضوع وإن اختلفت معه في المنهج كالفلسفة وعلم الكلام، باختصار تمييزه من كل علم ينشد الكلية في شرف وشمول موضوعه مع وحدة الغاية أي طمأنة المتدين بتزويده المعارف التي تشبع عطشه المعرفي، والوجودي، والشعوري.

نميز في إنتاج الثقافة الإسلامية الكلاسيكية بين ثلاثة علوم؛ منها علوم نقلية كالفقه، وعلم الكلام، وعلم أصول الفقه، وعلوم النص كالتفسير وعلوم الحديث وغيرها، ثم علوم عقلية بحتة من فلسفة وطبيعيات ورياضيات وفلك، وموسيقى وغيرها ، وعلوم إلهامية كشفية كعلم التصوف.

هذه العلوم الثلاثة، منها ما كانت الأصالة في المرجعية للنص الديني ويأتي العقل مبينا لمفاهيمه، ومنها ما كان العقل فيها منتجا بشكل مستقل للمفاهيم، ومنها ما كان الأصل في الإنتاج لا يعود للعقل، بل يرجع أصل إنتاج مفاهيم العلم فيها إلى الإلهام والتلقي عن مصدر متعالي.

اعتبر الأستاذ محمد عابد الجابري أن المعارف الإسلامية كانت محكومة بثلاثة أنظمة معرفية تؤطر إنتاجها لمفاهيمها وتصوراتها: وهي البيان والبرهان والعرفان.

نحاول بداية أن نوجز في بحث مصطلح العرفان:

تأمل في لفظة العرفان.

في هذا المقام نفتش عن صدى كلمة العرفان وما تحدثه من معنى حين سماعها، أي البحث عن المعنى اللغوي الأولي. فإن كلمة العرفان فيها ثقل معنى الاعتراف أكثر من معنى المعرفة، لأن المعرفة أو العلم يتوهم منها التحكم وامتلاك المعنى والإحاطة به بما يكسب النفس نوعا من الإنية قد تبعدها عن مقاربة موضوعاتها المعرفية الخارجية بسبب ما تحدثه الإنية من انطواء وانحسار واستقلال في الوجود عن موضوع إدراكها، بينما معنى الاعتراف فيه إشارة إلى القبول أي القبول بالواقع كحقيقة سواء نتيجة العلم أو أن القبول نفسه يعبر عن العلم بالحقيقة من خلال نسيان الأنا وانشطار الحدود الفاصلة بينها وبين موضوعها، كأن القبول بالواقع هو ظهور الحقيقة بلا اشتباه وإلا ما الذي يدفع النفس إلى التخلي عن إنيتها.

الدلالة الاصطلاحية

لا بأس أن نستأنس ببعض التعريفات لعلها تساعدنا في ضبط مفهوم العرفان؛ يعرّفه الشيخ عبد الرزاق القاشاني بقوله: "عرفه الشيخ أبو اسماعيل الأنصاري بأنه ينبت في الأسرار الطاهرة في الأبدان الزاكية بماء الرياضة الخالصة، ويظهر في الأنفاس الصادقة لأهل الهمم العالية في الأحايين الخالية في الأسماع الصاخبة"[1]، العرفان نوع من المعرفة الخاصة محلها سر العارف، ونحن إذا استطلعنا مفهوم السر فإننا سنلفيه مرتبة وجودية تعيم محلا إدراكيا للوجود وهو العمق السادس في مراتب ذات الإنسان؛ لأن العارفين بالله يرتبون مقامات الإنسان إلى سبعة مراتب أو سبعة أبطن: الجسد (الحس)، ثم النفس، ثم العقل، ثم القلب، ثم الروح، والسر الخفي والسر الأخفى، فمقام العرفان هو مقام السر أي الرتبة السادسة في عمق وجود الإنسان، مما يفضي إلى الحكم بأن مقام العرفان يتجاوز مقام التمييز النظري، بل العقل مستهلك فيه وليس له إلا التقليد والاتباع، مثلما على العقل أن يتعامل مع مقام النبوة.

ويرى الشيخ عبد الرزاق القاشاني أن أصل اعتماد مصطلح العرفان عند الصوفية راجع إلى أن مبنى علمهم وبابه معرفة النفس: "وقد يعني بالعارف من عرف نفسه فعرف ربه، لقوله (ص): " من عرف نفسه فقد عرف ربه·"[2]، ومعنى هذا أن النفس الإنسانية هي صورة الحق تعالى، ونفخته التى لا واسطة فيها بين المخلوق والخالق، بحيث لم تتعلق بها يد التكوين لأنّها من عالم الأمر، وهو عالم البساطة التامّة، والتجلّي الكلّي، للحقّ، لأنّه تعالى قال في الحديث القدسي: "ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن"(أخرجه الديلمي في الفردوس3/ 174 برقم 4466 موقوفا على أنس بن مالك).

يرى الشيخ مصباح اليزدي أن العرفان "يطلق... اصطلاحا على لون خاص من الإدراك وهو الحاصل عن طريق تركيز الالتفات إلى باطن النفس (وليس من طريق التجربة الحسية ولا من طريق التحليل العقلي) فخلال السير والسلوك عادة تتم مكاشفات تشبه الرؤيا"[3]، هذه المكاشفات هي مادة العرفان الكاشفة عن حقائق الوجود بناء على شرائط سلوكية أو وضعيات وجودية فنائية (نسبة إلى فناء النفس بفعل الشهود).

يرى الأستاذ محمد عابد الجابري أن العرفان نظام معرفي مستقل قائم بذاته " ينفصل عن سواه في نظرته واتجاهه وفي فضائه وميدانه الخاص، وبالتالي في أنه منهج وطريق في المعرفة... إلا أننا نلفت إلى أن هذا المصطلح (أي العرفان) على ما ينقل بعض المفكرين المعاصرين (في اللغات الأجنبية) يسمى الغنوص (gnose) ومعناها: "المعرفة"، وقد استعملت بمعنى العلم والحكمة"[4].

هذا العلم كاشف لحال العارف غير مستقل عنه كما هو الشأن مع العلوم التي أصلها الفكر والتعقل لجواز انفصال العالم عن المعلوم فيها؛ معلوم العارف مشهود غير متصور كما الشأن في بقية العلوم، لذا كان ضبط حد العرفان مستعصيا على من لم يكن له ذوق في هذا المجال، وكل توصيف للعرفان فهو إما ذوق كاشف عن مرتبة الواصف أو رواية عن متحقق بالعرفان.

يُعبَّر في العرفان عن الحقائق التوحيدية الساطعة على قلوب وأسرار أهل الشهود من الصوفية والعارفين بالله بعد قطع أشواط السلوك أو نتيجة جذب غيبي غير مسبوق بسلوك، وهو ما يصطلح عليه في التربية الصوفية بالسلوك والجذب كطريقين موصلين للوهب والفيض أو الإشراق الإلهي.

يظهر في هذا التعريف موضوع علم العرفان ومنهجه، فموضوعه التوحيد وحقائقه، كالعلم بالذات والصفات والأفعال وحتى الأثار من جهة انعكاس أشعة الأفعال الإلهية في عالم الأكوان، ومنهجه يتمثل في المشاهدة والمعاينة باعتبار ما يتوصل إليه العارف من الحقائق لم يكن نتيجة تفكير وتروّ، بمعنى أن معارف العرفان ليست صورا تسكن الأذهان أو أحاسيس تنفذ إلى القوة الواهمة، بل هي معارف واقعة تفجأ النفس وتمحوها وتمحو كل ملكاتها، بحيث لا يمكن الفصل في المسألة بين الذات والموضوع. ففي علم العرفان العالم والمعلوم واحد، كما يصطلح عليه في أدبيات الفلسفة الإسلامية بالعلم الحضوري، ومرات ينعت بالعلم الشهودي.

المنهج والغاية

يرى العارفون بالله أنّ منهجهم وطريقهم أفضل المناهج وأرقى الطرق الموصلة إلى الحقيقة، وبالتالي فإن معرفتهم هي أشرف المعارف، ذلك أنها متوقفة على الوهب والفيض الإلهيين ليس للإنسان في ذلك من جهد سوى تحسين الاستعداد لتقبل هذا الفيض بل كما يقول الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي: "لا مدخل على الحق عز وجل إلا من جهة الفضل، ومتى أردت أن تدخل على الله بشيء من كواسبك، كان ذلك الشيء حاجزا بينك وبين ربك، لأنه لا دليل على الله سواه ولا وصول إليه بغيره"[5]

فمعرفة الله ليست مكتسبة بالعمل، إنما هي تحفة إلهية يقذفها الله عز وجل في قلوب من يشاء من عباده، وحالة الفيض هذه تكون بتبدل صيغة الوجود لدى نفس العارف، فبعد الشعور بالنفس والاعتماد عليها، يصبح في حالة المعرفة مطالبا بالخروج من وهم وجوده ويتعامل مع نفسه تعامل العدو الذي يحجبه عن هذه المعرفة، فلا مجال لملكاته المقيدة كالعقل والمخيلة والإحساس، ما دام أصل هذه الملكات وهي النفس مستهدفة بالمحو الكلي، يعبر عنها بالفناء، لأن نظرية المعرفة في العرفان لا تقر بالثنائية بين الذات العارفة والموضوع المعروف، بل المعلوم هو عين العالم، وليس سوى الله تعالى وعلمه ولا مجال في هذا النوع من المعرفة لانتقال العلم "من وإلى"، كما هو الشأن في المعرفة العقلية، سواء الاستدلالية أو الحدسية، والحسية، كما لا مجال للتراكم المعرفي بحيث يزيد العلم بزيادة التحصيل، المعبر عنها بعلاقة التزايد الطردي بين الطلب والحصول، بل إن المعرفة العرفانية تقوم على رفع المسافة الفاصلة بين الذات والموضوع، من خلال الفناء عن الذات والسوى، فيتحقق العلم الذي هو كائن لأنه لم يكن غائبا إلا بسبب حجاب وهم الوجود ووهم الطلب، فالطلب هو عين الفناء، وبالتالي يتحقق العارف بحقيقة المرآة، بحيث تتجلي فيها الحقائق كما هي عليه، من دون تصرف. 

تتم عملية المعرفة بتفريغ المحل وهذا من شأنه تنمية الاستعداد لقبول المعارف، مثل عملية ملء الإناء بالماء فلا يتحقق إفاضة الماء إلا بتفريغ الكأس مما كان فيه، مع التغاضي عن التشبيه، لأن الكأس محدود ويعمُر، بينما الذات الإنسانية لا تتناهى في فقرها وقابليتها بما لا تتناهى الحقيقة الإلهية في الغنى والوجوب والإفاضة، ولعل قول الشيخ محيي الدين يؤكد ذلك: "من شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ويقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال. وما بقي إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس. فالأمر كله منه ابتداؤه وانتهاؤه"[6]، طبعا هذا الكلام قياس على حقيقة الوجود فكذلك مجال المعرفة يسري عليه القانون نفسه وهو قانون الإفاضة الوجودية المبينة في هذا النص.

الوصول إلى الله تعالى هو واقع هذا العرفان، والعرفان حكاية هذا الواقع المطلق الذي شرطه المحو والجمع ولا مجال للفصل بين الواقع والحكاية لأن المقام مقام حضور لا مقام حصول، "العارف يقول ولا يبالي بما يقول، لأنه يتكلم على لسان الحق ومعرب عن ذات الحق لا عن ذاته"[7]، لذلك كان طريق المعرفة عندهم لا يكون بتوسط جهود منطقية وعلمية أي من خلال الرويّة والتفكير وإعداد المقدمات النظرية، بل يكون عن ذوق ومشاهدة، فلا ينبغي أن يقيس ما عنده من الفكر السقيم على أهل المقام العظيم للأنبياء والأولياء العارفين بالله، "القائلين بمعرفتهم للإلهيات على سبيل التحقيق، فإنهم عرفوا الله بما أودعه فيهم، لا بقلم وقرطاس، أو تقول بمنطق وقياس"[8]. والطائفة المختصة بهذا النوع من العلم هم العلماء بالله لا بملكاتهم وأنفسهم الناطقة، وقواها النظرية كما يرى الفلاسفة وأهل النظر العقلي، وهؤلاء العلماء بالله، "عرفوا الأشياء من أصلها ودخلوا البيوت من أبوابها، فكشف لهم عن حقائق الذات الجامعة لسائر الأسماء والصفات فعرفوه سبحانه وتعالى على الوجه اللائق بجلاله، وكانت معرفتهم ناشئة عن مكاشفة وعيان، لا عن دليل وبرهان"[9].

مصطلحات من عائلة العرفان:


مصطلحات من عائلة العرفان

هناك مصطلحات تدل على خاصية العرفان، يستعملها العارفون والصوفية أنفسهم للدلالة على طبيعة معارفهم، منها العلم اللّدني، و"يراد به العلم الحاصل من غير كسب، ولا تعمل للعبد فيه"[10]، من جهة الأسباب، لأنه محض وهب وهذا من خرق العادات، لأن عادة المعرفة أن تكون معلولة لفعل العبد، بالطلب وبذل الجهد في إعداد المقدمات التي يلزم عنها ضرورة نتائجها العلمية.

كذلك هناك مصطلح آخر وهو العلم الذّوقي: "هو العلم الحاصل للعبد من جهة المشاهدة، والعين لا بطريق خبر ولا باستدلال برهان"[11]، ولا يشعر بهذا العلم إلا من قام فيه بمحو رسمه، ولا يملك صاحبه، إلا أن يقول على لسان الشيخ أبي حامد الغزالي:

                كان ما كان مما لست أذكره     فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر. 

إذ لا إمكانية للإخبار عنه فلا اللغة يمكنها حمله، ولا تحصيل الآخرين يساعد في انتقاله إليهم، فهو محض ذوق، يشار إليه ولا يعبر عنه، لذلك لا يشارك فيه إلا من كان له نصيب بنفس الخاصية أي المشاهدة، فكما سبق ذكره، هذا العلم لا يمكن تعليمه بطرق التحصيل التي تعتمد على الحافظة والقوة المتصورة، بل كل ما في الأمر مساعدة الطالب في التربية بواسطة شيخ مربي، وتركه لمولاه، المعلم، "علم الإنسان ما لم يعلم" (العلق/ 5).

[1] عبد الرزاق القاشاني، لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2004، ص 323.

· حدث جدل حول هذه المقولة أغلب العرفاء ينسبونها إلى الرسول (ص)، بينما أهل الحديث يرونها أنها لم ترد رواية عن النبي بهذا النص، وينسبونها للإمام علي كرم الله وجهه، ونحن قد نميل مع البعض الذين يرون أن مضمون هذه المقولة وارد في القرآن الكريم بصيغة العكس في قوله تعالى" نسوا الله فأنساهم أنفسهم"(الحشر/ 19)

[2] عبد الرزاق القاشاني، لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام، المكتبة العلمية، بيروت، ط1، 2004، ص 323.

[3] تقي المصباح اليزدي، منهج جديد في تعليم الفلسفة، (د.ط.)، 1998، ج1، ص115.

[4] محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية،مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط6، 2000، ص253.

[5] أحمد بن مصطفى العلاوي، المواد الغيثية الناشئة عن الحكم الغوثية، ج2، ط 1، 1994، ص 66.

[6] ابن عربي، محيي الدين، فصوص الحكم، تعليقات أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1980، ج1، ص 49.

[7] أحمد بن مصطفى العلاوي، المواد الغيثية الناشئة عن الحكم الغوثية، ج1، ص 38.

[8] أحمد بن مصطفى العلاوي، مفتاح الشهود في مظاهر الوجود، ص13.

[9] أحمد بن مصطفى العلاوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن، ص75.

[10] عبد الرزاق القاشاني، لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام،ص 323.

[11] عبد الرزاق القاشاني، لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام،ص324.



تعليقات