📁 آخر الأخبار

موضوع العرفان وأقسامه

موضوع العرفان وأقسامه


موضوع العرفان وأقسامه

موضوع العرفان

موضوع العرفان هو الذات العلية وما تستحقه من كمالات وما يستحيل عليها من نقائص، ومعرفة هذا الموضوع يكون تحققا ومعاينة لا تحصيلا مفهوميا كما هو الشأن في علم الكلام أو الفلسفة، بمعنى العلم الذوقي الذي يكون ثمرة شهود يعبر عنه الصوفية بالوصول، ونحن نطالع ذم العرفاء لأهل البرهان والنظر العقلي في مقاربتهم للتوحيد، هذا لا يعني أنهم يحرّمون تعاطي العقل مع هذا العلم، وإنما شرط تعقله الصحيح أن يكون مسندا إلى الذوق والمشاهدة، وهنا نتذكر ترتيب أهل العلم عند الإشراقي الشهيد السهروردي، للخلفاء بين متوغل في ذوق التأله عديم البحث وهم الصوفية كأبي يزيد البسطامي، وحكماء متوغلون في ذوق التأله ومتمكنون من الحكمة البحثية وهم قلائل، وحكماء عديمو ذوق التأله متمكنون من الحكمة البحثية، ويرى الشهيد السهروردي، أن عتبة الخلافة لا تعدو ذوق التأله لأنه ضامن لسعادة النوع الإنساني، ولا أدنى من ذلك، والأكمل من حصل الحكمتين الذوقية والبحثية، وبهذا يتفق الإشراق مع العرفان في ضرورة السلوك وذوق التأله الذي يعني فيما يعنيه المشاهدة والقرب الإلهي.

ففي "العرفان المتداول، ينصب الاهتمام على السير والسلوك المعنويين وعلى الذوق والعيان من أجل بلوغ الحقيقة والوصول إلى مرحلة الكمال. ولا أهمية فيه للبحث والاستدلال، أو النظر والبرهان"[1]، لذا نجد ابن تركه الأصفهاني يعتبر التوحيد العرفاني منغلق على ذوي العقول أسيري البرهان، وشرطه التنور بنور الذوق والشهود، الذي يقي صاحبه من أن تأسره الصور النظرية في الوهم وتخرجه من العيان، وطريق هذا التوحيد سلوك الطريق الخاص الذي دعا إليه الأنبياء سيما صاحب الفضل عليهم الذي كمل معرفة ووجودا فكان بحق الصراط السوي وهو سيدنا محمد (ص)، مصداق الحقيقة المحمدية وبرزخ البرازخ، وباب الحضرة الإلهية: "أما بعد فإنّ مسألة التوحيد، مما لم يهتد إليه إلى الآن نظر ذوي العقول بمشاعل الحجج والبرهان، إلا من أيده الله بنور منه، ووفقه بهدايته إليه، من الحائزين منهم مرتبتي الاستدلال العقلي والشهود الذوقي، الفائزين بمنقبتي العلم العلي والكشف الإلّي· (الكشف الإلهي)"[2]، مصباح العقل والاستدلال لا يمكنه بمفرده أن يكشف عن صاحبه ظلمات الطريق وبالتالي لا يستطيع أن يكون له هاديا إلى التوحيد الحق، ما لم يؤيد ذلك بنور العلم الإلهي المفاض من قبله سبحانه وتعالى، لأنه لا دال على الوجود إلا الوجود الحق.

ويعتبر ابن تركه الأصفهاني أن العرفاء هم ممن "خلصهم الله تعالى عن مضائق المقدمات من الخطابية والبرهانية، إلى أقضية الواردات الكشفية، والمخاطبات العيانية، بحسن متابعة الأنبياء ــــ صلوات الله عليهم أجمعين ــــ الذين هم روابط رقائق الحقائق من عين الجمع إلى محل التفصيل، ووسائط نزول المعاني عن سماء القدس إلى مقام التنزيل سيّما من تأسى منهم ـــــ أسوة حسنة ـــــ بالأول منهم وجودا ورتبة، والآخر منهم زمانا وبعثة"[3]

أقسام العرفان

يقسم العرفان الإسلامي كما يشاء للكثير أن يقسمه إلى قسمين، بالتقسيم نفسه الذي قسمت إليه الفلسفة؛ إلى حكمة نظرية وحكمة عملية، فكذلك العرفان الإسلامي قسم إلى عرفان عملي، وعرفان نظري، وهذا التقسيم والتمييز لاعتبار الموضوع المنعكس في كتابات العارفين بالله، وإلا فإن العارفين يعتبرون أن علمهم كله عمل ولا مجال لحقيقة دون أن يكون معها أدب لازم لها فإن هذا العلم هو حكاية عن حضور في حضرة القدس الإلهي لا يستند في صياغته إلى قواعد نظرية أو مبادئ عقلية أو حتى نفسية بل هو محض وهب، يظل العارف يتنكر لنسبته إلى قواه النظرية بل ينسبه إلى الفيض الإلهي على أثر سلفهم المذكور في القرآن الكريم وهو الخضر عليه السلام الذي ذكر مقدمتين تبطلان أي توجه نظري للعارف، الأولى في قوله تعالى: وما فعلته عن أمري(الكهف/ 82)، والثانية في قوله تعالى كذلك: وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا. (الكهف/ 68). وهذا يعكس المصدر الإلهي لهذا الخطاب من غير تعمل، هذه المقدمات تعزز موقف العارفين من التقسيم الطارئ على كشوفاتهم ورقائقهم.

نعم، نجد في كلام العارفين بالله ما يثبت هذا التقسيم، وهو تمييزهم بين السلوك والحقائق، المقصود بالسلوك الجانب من الكتابات التي تعنى بالتربية الروحية من أحوال ومقامات النفس في سلوكها التقربي من الحق تعالى. أما الحقائق، فالمقصود بها الجانب الذي يعبر فيه عن مشاهداتهم ومكاشفاتهم التي أفيضت على قلوبهم عندما أُخذوا عن أنفسهم في حضرة القدس.

هذا التوجيه للعرفان بفعل تقسيمه وقع من قبل الدارسين الذين أرادوا أن يذللوا الهوة بين الحكمة والعرفان، فميزوا بين جانب عملي تمثل في المجاهدات والسلوكيات التي أبدعها العرفاء في تحديد صراط الوصول إلى الحقيقة المطلقة سمي كذلك بالطريقة، وجانب نظري يمثل المعارف الحاكية عن الوجود ومراتبه وعن الأنوار المجردة وتنزلاتها وصعودها فيما بين قوسي الوجود الصاعد والنازل، سمي هذا الجانب في الأدبيات العرفانية بالحقيقة.

فكأن العرفان النظري يمثل الحقيقة والعرفان العملي يمثل الطريقة، وهذه الثنائية لا يمكن التعامل معها منفصلة الواحدة عن الأخرى كما يجري الفصل بين الثنائيات في مجال الذهنيات.

[1] غلام حسين الإبراهيمي الديناني، إشراق الفكر والشهود في فلسفة السهروردي، دار الهادي، بيروت، ط1، 2005، ص 34.

· الإلية: كل اسم مضاف إلى ملك أو روحاني، كجبريل وميكائيل، فإن الجبر، والميكا، من أسماء الملائكةن وقد أضيف إلى إيل، وهو بالسريانية والعبرية، بمعنى الله. (عبد الرزاق القاشاني، اصطلاحات الصوفية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2005، ص 255).

[2] ابن تركه الأصفهاني، تمهيد القواعد الصوفية، ص 5.

[3] المصدر نفسه، ص 6.

تعليقات