إشكالية الفصل بين العرفان والتصوف والموقف من العرفان
الفصل بين العرفان والتصوف والموقف من العرفان
بين العرفان والتصوف
هل نسمي هذا النمط من العلم العرفان أم التصوف أم كلاهما لفظان لحقيقة واحدة بمعنى أن الاختلاف لفظي لا في المضمون والجوهر؟ نشير في هذا السياق أنه فعلا وقع خلاف داخل المنظومة الفكرية الإسلامية بين اتجاهين كل واحد يتبنى تسمية لهذا المجال من المعرفة ـ أي معرفة حقائق التوحيد بلحاظ الشهود والذوق ـ.
أ- الإتجاه الأول
يمثله الاتجاه الشيعي الذي بدوره يصطلح عليه العرفان بالنظر إلى نتائجه العلمية والسلوكية الصحيحة بحسبه فهم يعتمدون النصوص التي تتحدث عن نمط معرفي خاص المعبر عنه بالمعرفة فاعتمد اللفظ كتسمية خاصة لهذا الفن وهو العرفان، وكذلك هذه التسمية فيها موقف سياسي وعقائدي على أساس أن التصوف من وضع عربي وسني خصوصا لأن هذا الاتجاه يحرص حرصا شديدا على التأصيل للظواهر المعرفية والعلمية انطلاقا من مدرسة أهل البيت وبالتالي ظاهرة التصوف قد يكون لها حسناتها لكن لا يعول عليها ومنه انتزع العرفان للدلالة على الاتجاه العلمي والسلوكي الذي تأطر تحت إشراف أهل البيت فسلوكهم نهل من تعاليم أهل البيت ومعارفهم نبعت من معدنهم كذلك.
وبهذا كل معرفة وسلوك وإن وافق ما تأصل فهو وفاق عرضي ما دام صاحبه ليس مواليا، ونلاحظ أنه بعد نشأة الدولة الصفوية ظهر هذا التمييز بشكل جلي بين التصوف والعرفان وقد أصلت له مدرسة الحكمة المتعالية خصوصا ولعل الملا صدرا له كتاب ينتقد فيه أهل التصوف ويعلي من شأن العرفان وأهله مع العلم أن هذه المدرسة تدخل الكثير من الصوفية في زمرة أهل العرفان وهذا يدل على أنها تعتبر بالمعارف المؤسسة على الشهود وتخرج الممارسات السلوكية التي لا تنتج معارف بما يسمى الطقوسية والفلكلور وهذا نمط حاربته هذه المدرسة أيما محاربة.
ب- الاتجاه الثاني
الاتجاه السني يتبنى تسمية التصوف لهذا النمط من السلوك والعلم، حتى يتحاشى اللقاء مع الشيعة لأنه يتهمهم بالباطنية الذين ينكرون العمل بظواهر النصوص الدينية لحساب الباطن، يتبنى هذا الاتجاه تسمية التصوف التزاما بالتسمية الأصيلة له كفن معرفي بدأ مع التابعين واستمر تبنيه من أهله وهم الصوفية والمربون.
ج- إعادة قراءة الموقفين
تسمية العرفان جاءت متأخرة عن مصطلح التصوف ذلك أن الدراسة المتأنية تظهر أن لا اختلاف بينهما فهما أمر واحد والعرفان كما اصطلح عليه أهله جاء من المعرفة الخاصة بالله التي طريقها معرفة النفس.
نعتبر ـ في ذيل هذا الاختلاف ـ أن أي تقسيم أو تفريق ينظر فيه الاعتبار الحاكم عليه، وبهذه المناسبة نميز اعتبارين؛ الاعتبار الأول نأخذ فيه حيثية المادة المعرفية والسلوكية، فإن تسمية نمط المعرفة القائم على الإلقاء في النفس والمبني على الذوق والمشاهدة بالتصوف والعرفان على السواء لأن المادة واحدة والنصوص نفسها فمثلا الشيخ الأكبر عند فئة هو رأس أهل العرفان وعند طائفة أخرى هو شيخ التصوف الأكبر، وهو هو عند الطائفتين. ما يدفع إلى رفع الاختلاف اللفظي بسبب ما أشحنه التاريخ من إيديولوجيات تستعين بكل سلطة لتستحوذ على ساحة المجتمع والمعرفة.
نعم قد نجد تباينا بين العرفان والتصوف في الاعتبار الثاني الذي نأخذ فيه التفريع على قيد الترتيب والمقام فإن مقام التصوف يأتي في الدرجة المتدنية في المقارنة مع العرفان، فالصوفي والعارف متمايزين في الرتبة لا في نفس النمط المعرفي.
الموقف من العرفان
موقف يعترف بهذا العلم
أما الموقف الثاني
أما المتكلمون
فبدورهم انقسموا قسمين رئيسين، تمثل الأول في الاعتراف بهذا العلم، طبعا من خلال الاعتماد على النصوص الدينية المشيرة إلى هذه الأحوال، لكن طبيعة المنهج الكلامي كون تحفظا كبيرا على بعض نتائج العرفان، كوحدة الوجود، والولاية الباطنية وآثارها الكونية والوجودية، بينما القسم الثاني وقف موقف الرفض لصحة هذا العلم وإمكانيته، مُعْليا شأن العقل تارة أو ظاهر النصوص تارة.
لا يستغرب حكم الكثير ممن اصطدموا بهذا العلم، أي العرفان سواء ممن رفضوا نتائجه كما فعل الكثير من المتكلمين والفلاسفة وعلماء أهل الحديث، أو ممن احتجوا على طريقه من الفقهاء الذين بدّعوا سالكي سبيله، أو بعض الباحثين المعاصرين الذين حصروا طريق الخلاص المعرفي في العقل مقتفين في ذلك أثر سلف لهم من الفلاسفة كابن رشد وابن باجة؛ نخص بالذكر هنا الأستاذ محمد عابد الجابري الذي صنف نظام العرفان والتوجه الإشراقي في عمومه، ضمن توصيف العقل المستقيل.
يرى ابن رشد أن طريق الصوفية "في النظر ليست طرقا نظرية... وإنما يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات شيء يلقى في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية... هذه الطريقة وإن سلمنا وجودها فإنها ليست عامة للناس بما هم ناس. ولو كانت هذه الطريقة هي المقصودة بالناس لبطلت طريقة النظر، ولكان وجودها في الإنسان عبثا. والقرآن كله دعاء إلى النظر والاعتبار، وتنبيه على طرق النظر... ومن هذه الجهة دعا الشرع إلى هذه الطريقة، وحث عليها في جملتها حثا، أعني على العمل، لا على أنها كافية بنفسها كما ظن القوم"[1]، فابن رشد وإن سلم حصول العلم بطريق الإلقاء والفيض الإلهي من غير نظر وسعي فكري إلا أنه يراه حالة خاصة جدا وإن كان وجود هذا النمط العلمي ما يبطل الحكمة من إيداع العقل في الانسان ويدفع إلى تهمة النص الديني ورسالة الأنبياء بالعبثية ما دام طريق العلم الحق بالله تعالى والوجود عموما محصورا في طائفة أهل التصوف والعرفان·.
ونحن نلتمس شبه تأكيد على هذا الموقف الرشدي من خلال ما عرضه الشيخ الأكبر في فتوحاته عن اللقاء الذي تم بينه وبين ابن رشد وما جرى بينهما من حوار مستصعب كان سببه انكشاف حقيقة خارقة لعادة النظر والعلم الفكري وهي العلم من غير درس ولا نظر الذي انفتح على الصبي ابن العربي. فكان الحوار الصعب، الذي انتهى باعتراف ابن رشد بقيمة علم ابن عربي، بل كما نقل الشيخ الأكبر: "شكر الله تعالى(ابن رشد) الذي كان في زمان رأى فيه من دخل خلوته جاهلا وخرج مثل هذا الخروج من غير درس ولا بحث ولا مطالعة ولا قراءة... (وقال ابن رشد) هذه حالة أثبتناها وما رأينا لها أربابا فالحمد لله الذي أنا في زمان فيه واحد من أربابها الفاتحين"[2]، فمعيار حجية المعرفة عند ابن رشد يجب أن تكون عامة لجميع النوع الإنساني وهنا نرى أن النمط الواسع للمعرفة بين بني البشر هو العقل والفكر، لكن هذا ما تبطله رؤى أخرى ترى أن نمط المعرفة الموحد بين البشر هو الفطرة لالتصاقها بخلقة الإنسان، كل ما هنالك أن فطر الناس تختلف في المرتبة بحسب الجهد المبذول في ترقيتها شأنها شأن النظر العقلي فالناس وإن تساووا في حجة العقل إلا أنهم يتفاوتون في النظر بحسب الجهد المبذول في طريق النظر العقلي.
ونجد في مقابل رؤية ابن رشد، موقف الأستاذ طه عبد الرحمن المتحمس للعرفان والذي يخالف رأي الجابري ومعه ابن رشد وابن باجة، إذ يقول: " وفي هذا أخالف تماما ابن رشد ـــــ ومن قبله ابن باجة ـــــ إذ ظن أن التجربة الصوفية، لما كانت عملية، فإنها لا تنفع المعرفة النظرية في شيء، وذلك لتقريره ــــــ تقليدا لأرسطو ــــــ الفصل بين النظر والعمل، وهذا في غاية الفساد؛ إذ العمل، كائنا ما كان، لا ينفك يفعل ويؤثر في النظر، والنظر لا ينفك يوسع وسائله وينمي بنياته تحت التأثير العملي، بل إن هذا التأثير يتزايد قوة كلما تم الارتقاء في مراتب العمل"[3]. رأي الأستاذ طه عبد الرحمن يقف على النقطة الحاسمة في نقاش ابن رشد لأهل العرفان، إذ يذهب إلى أبعد من ذلك في كتابه العمل الديني وتجديد العقل، وكذلك في كتابه سؤال الأخلاق، الذي يتهجم فيه على التوجه العقلاني للحضارة، واعتبر في كتابيه هذين أن الأصل في العقل هو الجانب العملي، بل ينفي أي تجوهر للعقل ويعتبر هذا المنحى أي المنحى العملي للعقل، وأن الإنسانية تتقوم بالأخلاقية لا بالعقلانية مخالفا تيارا كبيرا في الفلسفة بما فيها المفكرون العرب الحداثيون في أن المنحى العملي للمعرفة هو من تعاليم نصوص الإسلام قرآنا وسنة.
الخلاصة
نعني بالعرفان أو التصوف ما ينتجه شيوخه وعارفوه الذين تمكنوا من مقام الكمال على اعتبار أن معارفهم تشكل مرجعية وحجة في السلوك والحقائق لدى السالكين وغيرهم من أهل العلوم الأخرى، وهنا تستثنى بعض التعبيرات المشوشة إلا مع تأويل يؤخذ من الشيوخ وأهل المعرفة بالله. يخرج من دائرة العرفان الأدعياء أو المناقشون لطروحاته من باب الفكر والنظر.
[1] أبو الوليد ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، تقديم وتعليق، أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2002، ص 40 – 41.
· نقصد بالعلم الحق أعلى رتبة معرفية بالحق في مقابل المعرفة بغير هذه الطريق التي تكون من العاديات والمبرئة لذمة العابد والعالم بالشريعة.
[2] ابن عربي محيي الدين، الفتوحات المكية، دار الفكر، بيروت، (د. ت.)، ج1، ص 154.
[3] طه عبد الرحمن، ، حوارات من أجل المستقبل، دار الهادي، بيروت، ط1، 2003، ص 128.
اكتب تعليقا يدعم التدوينة ويساعدنا لتطوير خبرتنا