العرفان والنظر الفكري
لا يكاد يختلف إثنان في تمايز خطابي النظر الفكري والعرفان وإن اتفقا عرضيا في صور المعاني وهذا الموقف يكشفه الشيخ الأكبر في جوابه عن سؤال أبي الوليد ابن رشد عن إمكانية توافق الكشف والفيض الإلهي بقوله: "نعم، ثم لا، ثم نعم لا" في إشارة إلى توافق ولا توافق بمعنى اشتراك في طول الحقيقة وتباين في المرتبة كأن العقل والنظر الفكري حجاب يستقبل ما انكسر من أشعة الحقيقة على جدار القوة المتصورة.
اختلاف النظر عن العرفان
يظهر اختلاف واضح، من حيث المنهج والهدف، بين الفلسفة والتصوف ذلك أن الفلسفة تعتمد على المنهج التأملي العقلي الذي يسعى وراء البرهنة على كل مطلب يراد إثباته وخصوصا القياس البرهاني كأكمل استدلال يتخذه الفيلسوف في سعيه من المعلوم إلى المجهول أما من حيث الهدف فإن غاية الفيلسوف تكوين رؤية نظرية عن الوجود بحيث تكون هذه الرؤية حاصلة علما في ذهنه تمكنه من التوافق مع الوجود والعيش فيه في إطار الحكمة. لذا جرى تعريف الفلسفة عند حكماء الإسلام بأنها صيرورة الإنسان عالما عقليا مضاهيا للعالم العيني، فالفلسفة تهتم بالصورة النظرية للوجود، وتحافظ على المسافة النقدية بين الذات وموضوعها ما دامت الآلة المدركة هي الذهن والعقل بينما معارف الصوفي كلها وهب ولا تعُّمل له فيها، اللهم إلا وجود إرادة التطهير من البعد عن نور الوجود، لأن الجهل عند الصوفي لا يعني فقدان علم أو مواد معرفية من وعاء ذهنه وإنما الجهل هو الغفلة بالمعنى الذي يجعلها تلتفت عن إشعاعات الوجود وإفاضاته، بهذا لا تعدو المعرفة والعلم إلا أن تكون هي الحضور لا غير، لذا يميز الصوفية علمهم عن علوم أهل النظر بأنه علم حضوري وعلم غيرهم علم حصولي وبينهما من التمايز وجود ثنائية بين العالم والمعلوم عند أهل النظر وارتفاع الواسطة بين العالم والمعلوم بتجلي المعلوم لفناء العالم عند أهل التصوف والعرفان.
يتلقى العارفون بالله علمهم عن طريق الفيض والفتح الإلهي من خلال عملهم بالشريعة والسماع الإلهي لا بتوسط الفكر والاستدلال العقلي من خلال اقتباسات حكمية أو بناءات فكرية نظرية. ينصح الشيخ الأكبر العلماء بعدم التعلق بنظرهم الفكري وضرورة فسح المجال للتعليم الإلهي من خلال الانفتاح على الوحي وعدم تأوله التأويل الذي يغلب النظر العقلي والذي في الغالب يؤدي إلى التحكم في النصوص الدينية لا الإحتكام إليها.
وفي مورد آخر، شبه مولانا جلال الدين الرومي الاستدلال العقلي بالقدم الخشبية التي لا يمكنها السير في جبال وأودية العشق والتجليات الإلهية التي لا تثبت لها قدم إلا من رحمه الله تعالى. وزلل العقول يقع بسبب طبيعة إدراكها للحقائق الإلهية، فهي لاتستطيع فهم التجليات الإلهية إلا على نحو الحلول والإتحاد فكما يذكر الأمير عبد القادر هذه الصعوبة في هذا النص: "والطائفة المرحومة أدركت تجليات الحق – تعالى – في الصور وما اشتبه عليهم بحلول ولا اتحاد ولا بغير ذلك، مما اشتبه على غيرهم من أصحاب العقول المعقولة بقيود الأكوان المسجونة بسجني الزمان والمكان."
افتعال تقسيم العرفان والتصوف إلى فلسفي وسني
يقصد بالتصوف الفلسفي مجموعة النصوص التي تتناول الحقائق الوجودية في بناء استدلالي أحيانا وإشاري أحيانا أخرى بما يصل في كثير من الأحيان إلى موافقة بعض الطروحات الفلسفية تارة أو ما يتشابه معها في عرض المفاهيم والاصطلاحات، وقد صنف أهله بالفلاسف الصوفية ومنهم ابن العربي والجيلي وابن سبعين ومن نحا نحوهم، بينما يقصد بالتصوف السني تلك النصوص التي تركز على السلوك والالتزام الديني الذي يوافق نصوص الدين فهو يظهر في خطاباته توافقا ظاهريا مع نصوص الدين وقد صنف أهله بالصوفية السنيين كالجنيد والمحاسبي والغزالي والقشيري وحتى أبي الحسن الشاذلي وعبد القادر الجيلاني، سبب هذا التقسيم راجع إلى الالتباس في التمييز بين الفلسفة والعرفان فالأولى كما سبق أساسها النظر الفكري والاستدلال والثاني أساسه السلوك والفتح والفيض الإلهي على قلوب السالكين أو المجذوبين. ولعل كذلك من أسباب التقسيم محاولة التأصيل للفكر الإسلامي من خلال تمييز علوم الأوائل منه كاليونان والثقافات الشرقية القديمة كالغنوصية والإشراقية، وبالتالي ما تشابهت طروحاته في الظاهر مع هذه الثقافات اعتُبر فلسفة أو وجهة فلسفية وما خلا منها اعتبر سنَّة واتباعا وإنتاجا أصيلا.
هذا التقسيم يخلق شرخا مفتعلا داخل التصوف والعرفان فكأن ابن العربي والجيلي وابن سبعين ليسوا بصوفية ولا ولاية لهم وأنهم لم يحصلوا ما حصلوه من المعارف من الفيض والوهب الإلهي وغيرهم كان لهم ذلك بسبب توافق خطابهم من حيث الظاهر مع النصوص الدينية.
مولج الالتباس في التقسيم
في حين نجد تقسيما للتصوف والعرفان إلى قسمين قسم يعنى بالحقائق التوحيدية المجردة وقسم يعنى بالسلوك ومدارجه، ولعل هذا مدخل الالتباس الذي أوقع هؤلاء المشتبهين في تمييز التصوف السني من التصوف الفلسفي بينهما هما واحد لا غير.
خاتمة
نجد أن العرفان نمط علمي ومعرفي مجمع على تميزه فله نصوص وله تاريخ وله أعلام يمثلونه وما زال هذا النمط المعرفي يشكل حضورا متميزا في المعرفة البشرية وإن تعددت الملل، بل بالعكس فإن العرفان في مجال التدين ليس له حدود فاصلة لصفاء الحقيقة المتجلية على قلوب أهلها، وهذا نتيجة طهارة المجلى، ولعله عندما يصفو الإناء يظهر لون الماء الظاهر فيه وهذا سر تواطؤ معارف أهل هذا النمط المعرفي، ما جعل المفكرين يجمعون على وحدة التصوف والعرفان مع الأنماط الروحانية والمعرفية في الملل المتنوعة كالبوذية والفيثلغورية والأفلاطونية والزهد المسيحي والقبالة اليهودية والكونفوشيوسية..
اكتب تعليقا يدعم التدوينة ويساعدنا لتطوير خبرتنا