📁 آخر الأخبار

قراءة في بعض مفاهيم العرفان والتصوف

قراءة في بعض مفاهيم العرفان والتصوف


التصوف الإسلامي

مفهوم الحلول كما تصوره الحلاج

ذكر الحلاج أن من هذب في الطاعة جسمه، وملك نفسه، ارتقى به إلى مقام المقربين، فإذا لم يبق فيه من البشرية نصيب حل فيه روح الله الذي كان منه عيسى بن مريم.
وقال أيضا: من تدرج في الرياضات، واشتغل بالمجاهدات فنيت بشريته، وحلت فيه روح االله، وحينئذ يقول للشيء كن فيكون.

ومن أقواله شعرا:
    أنا من أهوى ومن أهوى     أنا نحن روحان حللنا بدنا
    فإذا أبصرتني أبصرته       وإذا أبصرته أبصرتنا

وكذلك:
    مزجت روحك في روحي كما      تمزج الخمرة في الماء الزلال
    فإذا مسك شيء مسني                فإذا أنت أنا في كل حال

فقد اختلف في شخصية الحلاج وموقعها من التدين ففيهم من رآه وليا صاحب كرامات، تقيا ورعا. فقد أثر عن أبي العباس بن السريج القاضي وكان فقيها مالكيا أنه قال للذين أفتوا بقتله: لعلهم نسوا قول االله تعالى: "أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ "(غافر/28) بل لما سئل عن رأيه فيه صراحة، قال: أما أنا فأراه حافظا للقرآن عالما به، ماهرا في الفقه عالما بالحديث والأخبار والسنن، صائما الدهر، قائما الليل، يعظ ويبكي ويتكلم كلاما لا أفهمه فلا أحكم بكفره. وهناك من رآه زنديقا حلوليا يمارس السحر.

ظهور الطرق الصوفية

فبعد أن كان التصوف سلوكا فرديا انتقل ليكون مسلكا جماعيا، ويكون للمريد شيخا يهديه ويرشده، لأنه من الصعب أن يصل المريد إلى الكمال الأخلاقي ومعرفة الله معرفة خاصة في غياب الشيخ أو يسافر بعيدا في حضرته الصوفية ومعراجه الذوقي دون مرافق يساعده على تحمل مشقة السفر إلى الله تعالى. وأصبح كل شيخ له طريقة خاصة في ترقية المريدين وتربيتهم فتسمت الطريقة باسم شيوخها.

وقد انتشرت في العالم الإسلامي قديما وحديثا طرق كثيرة واتخذت هذه الطرق محلا لها لممارسة الأذكار والاجتماع سميت بالزوايا والرباطات وكذلك يطلق عليها في المشرق اسم التكية جمع التكيات أو التكايا، فهناك الطريقة الأحمدية التي تنسب إلى أحمد البدوي وانتشرت في مصر إبان الظاهر بيبرس، كما توجد عدة طرق صوفية مشهورة كالطريقة القادرية والطريقة الشاذلية والطريقة الدرقاوية والطريقة البودشيشية والطريقة الدلائية والطريقة الجيلانية والطريقة العيسوية والطريقة الناصرية والطريقة الحراقية، والطريقة التجانية وعدة طرق ولكل طريقة زوايا وتكايا منتشرة عبر البلدان الإسلامية.

وحدة الوجود وتمييزها من الحلول والاتحاد

شغلت نظرية وحدة الوجود خصوم التصوف وخصوصا الفقهاء والمتكلمون، وأعلنوا عليه العداء بسبب هذه النظرية وممارسات أخرى، لأنهم كانوا يعتقدون أن التصوف يدعو إلى الحلول والاتحاد وهي من العقائد الباطلة سبق وأن اعتقدتها الهنود والمسيحية ولعل القرآن صرح بكفر من اعتقد هذا الاعتقاد يقول تعالى: "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ" (المائدة/72).

الحلول

تذهب نظرية الحلول إلى أن الوجود فيه قسمان وجود مقيد وهو العالم ووجود مطلق وهو الله، يقف على رأس الموجودات الإنسان لأنه يمكن أن يتكامل على عكس باقي الموجودات وأن كماله بأن يفقد وجوده الفردي وذلك بحلول اللاهوت فيه كما يصطلح عليه حلول اللاهوت في الناسوت فيصبح الوجود الإنساني وجودا إلهيا. وهذا النوع من الاعتقاد صريح البطلان، لأنه يؤدي إلى انقلاب في الحقائق وذلك بأن يتحول الوجود المقيد إلى وجود مطلق.

أما الاتحاد

فهو كما يقول ابن العربي هو تصير الذاتين ذاتا واحدة مثل اتحاد الواحد مع الواحد يعطينا حقيقة ثالثة تعكس اتحادهما وهو هنا الإثنان، فالإثنان حاصل اتحاد الواحد مع الواحد، لذلك اعتبر ابن العربي أن الاتحاد لا يكون إل في الأعداد ويستحيل تحققه في مجال الوجود بقسميه. والسؤال المطروح هنا هل نظرية وحدة الوجود فيها حلول أو اتحاد؟

وحدة الوجود

تعني وحدة الوجود أنه ليس هناك سوى االله في الوجود، أما العالم بما فيه من كثرة، وبما يموج فيه من ظواهر متغيرة متتابعة، فإنما يشير إلى تجلياته وآثار أفعاله، فالعالم بما فيه الانسان هو مجرد ظل للحقيقة أولا وآخرا لا بمعنى كان له وجود مستقل ثم تحول إلى وجود واحد بفعل الاتحاد ولاكونه كان مقيدا وأصبح مطلقا بفعل حلول الوجود المطلق فيه (فلا حلول ولا اتحاد) كذلك العالم وخصوصا الوجود الإنساني هو الصورة الإلهية المنعكسة في مرآة الوجود بمعنى أنه لا يتمتع بوجود حقيقي مستقل لا قبلا ولا بعدا، فالخلق إذن شبح بينما الموجود الحقيقي هو الله وحده.

يلزم عن التحليل أن وحدة الوجود معناه أن الوجود في حقيقته واحد أزلا وأبدا ولا معنى لوجودين مستقلين وجود مطلق ووجود مقيد، فالله هو الوجود الحقيقي والعالم تجليات أفعاله وتنزلات وجوده صحيح أن الصوفي ينتقل من مرحلة اعتقاده بأن له وجوده المستقل عن الله في بداية سلوكه مثل اعتقاد جميع الناس لكن في مرحلة معينة من درجات الكمال لا يرى لنفسه وجودا أصلا بل يرى أن الوجود الحقيقي هو الوجود الإلهية وهنا ليس معناه أنه فقد وجوده بعد ما كان بل هو فقد توهمه أنه له وجود مستقل بمعنى أن السلوك يكشف أن الاعتقادات السابقة لم تكن صحيحة بل باطلة وبفعل الرياضات والمجاهدات انتقل الصوفي من الاعتقاد الباطل إلى الاعتقاد الصحيح الموافق للحقيقة فلا معنى للحلول ولا للاتحاد.

الأبيات أدناه توضح جانبا من وحدة الوجود، يقول أبو مدين شعيب دفين تلمسان في التعبير عن هذه الحقيقة:

سيدي بومدين
سيدي بومدين الغوث

    اللّه قل وذر الوجود وما حوى      إن كنتَ مرتاداً بلوغَ كمالِ
    فالكلُّ دون اللَهِ إن حقّقتهُ عدمٌ      على التفصيل والإجمال
    واعلَم بأنك والعوالم كلَّها لولاهُ     في محو وفي اضمحلال
    من لا وجودَ لذاتهِ من ذاته          فوجودهُ لولاهُ عينُ محالِ
    فالعارفونَ فنوا ولمّا يشهدوا          شيئاً سوى المتكبر المتعال
    ورأوا سواهُ على الحقيقةِ هالكاً      في الحال والماضي والإستقبال
    فالمح بعقلك أو بطرفك هل ترى      شيئاً سوى فعل منَ الأفعال
    وانظُر إلى علو الوجود وسفلهِ      نظراً تؤيدهُ بالإستدلالِ
    تجد الجميع يُشيرُ نحو جلالهِ         بلسان حالٍ أو لسان مقال
    هو ممسك الأشياء من علوٍ إلى      سفلٍ ومُبدِعُها بغيرِ مثالِ

الإنسان الكامل

جاء في كتابات الحلاج أن الحق تجلى لنفسه في الأزل قبل أن يخلق الخلق وجرى له في حضرة أحديته مع نفسه حديث لا كلام فيه ولا حروف. وفي الأزل حيث كان الحق ولا شيء معه، نظر إلى ذاته فأحبها وأثنى على نفسه، فكان هذا تجليا لذاته في صورة المحبة المنزهة عن كل وصف وكل حد، فكانت هذه المحبة علة الوجود والسبب في الكثرة الوجودية، ثم شاء الحق سبحانه أن يرى ذلك الحب الذاتي ماثلا في صورة خارجية يشاهدها ويخاطبها، فنظر في الأزل وأخرج من العدم صورة من نفسه لها كل صفاته وأسمائه وهي آدم الذي جعله االله صورته أبد الدهر، فكان آدم من حيث ظهور الحق بصورته فيه وبه هو هو. ولا بد أن الحلاج قد تشرب هذه العقيدة بعمق فصارت عنده إيمانا راسخا لا يتورع عن الإفصاح بها دون حرج أو خوف.

تنطلق حقيقة الإنسان الكامل من حديث نبوي يقول أن الله خلق آدم على صورته، بمعنى أن الوجود الإنساني هو صورة الرحمن، فمن تطهر من كل التعلقات الكونية وربط وجوده بالوجود الإلهي يصل هذه المرتبة بأن يكون إنسانا كاملا، طبعا أن هذه الحقيقة كما كل الحقائق هي ذوقية أي لا يمكن فهمها إلا من خلال التجربة الروحية بالسير والسلوك والترقي عبر مدارج معارج الكمال.

الإنسان الكامل الحقيقي هو حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم وكل ما سواه من الكاملين هو تابع له سواء وجد قبله من حيث الولادة أو بعده، فمثلا آدم عليه السلام هو تابع لمحمد صلى الله عليه وسلم وبقية الكاملين من الأنبياء والرسل والأولياء.

الإنسان الذي بلغ درجة الكمال في أمة محمد صلى الله عليه وسلم هو ولي وارث له.

من حيث مراتب الوجود يقف الإنسان وسطا بين الله والعالم، بمعنى هو المعلول المباشر لله وعلة لوجود العالم يسمى في الاصطلاحات الصوفية برزخ الوجود يستمد الكمالات من الله ويمدها إلى العالم، فكما يقول الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي أن الإنسان هو روح العالم والعالم شبح مسوى، فوجود الإنسان في العالم هو بمثابة نفخ الروح فيه. ولولا الإنسان لما كان هناك العالم.أو قل شبح من دون روح.

الإنسان الكامل

الإنسان الكامل الحقيقي هو البرزخ بين الوجوب والإمكان، والمرآة الجامعة بين صفات القدم وأحكامه وبين صفات الحدثان، وهو الواسطة بين الحق والخلق، وبه وبمرتبته يصل فيض الحق، والمدد الذي سبب بقاء ما سوى الحق إلى العالم كله علوا وسفلا. ولولاه من حيث برزخيته التي لا تغاير الطرفين، لم يقبل شيء من العالم المدد الإلهي الوحداني لعدم المناسبة والارتباط ولم يصل إليه.

كذلك يعرف بأنه الجامع لجميع العوالم الإلهية والكونية الكلية والجزئية. فمن حيث روحه هو القلم الأعلى، ومن حيث نفسه هو اللوح المحفوظ ومن حيث قواه الأخرى يمثل العالم، لذلك يسمى العالم بالإنسان الكبير والإنسان بالمختصر الشريف للعالم، فله الخلافة على الكون كله فهو خليفة الله لانطوائه على كمالات الوجود الإلهي.



تعليقات