التجليات الوجودية لباء البسملة في عرفان الشيخ العلاوي المستغانمي
![]() |
التجليات الوجودية لباء البسملة في عرفان الشيخ العلاوي المستغانمي |
في تحقيقات الشيخ العلاوي الوجودية للحروف، يقف على الأثر النبوي الذي يقول فيه النبي (ص) رواية عنه " كل ما ورد في الكتب المنزلة فهو في القرآن، وكل ما في القرآن فهو في الفاتحة، وكل ما في الفاتحة فهو في بسم الله الرحمن الرحيم" وورد أيضا: " كل ما في الباء فهو في النقطة التي تحتها"[1].
تناول الشيخ العلاوي في نصوصه الكشف عن التجليات الوجودية للتوحيد من خلال الحروف سيما الألف والباء من بسملة القرآن الكريم:
النقطة: (.)
للنقطة مرموزات تشير إلى وحدة الشهود، كما تشير النقطة إلى أم الكتاب لعدم الكتاب بدونها فهي أصله إذ لولا النقطة ما كانت الكلمة ولولا الكلمة ما كان الكلام ولولا الكلام ما كان الكتاب " والكل مندرج – كما يقول الشيخ العلاوي- تحت وحدة الشهود، المعبر عنها بالنقطة، فهي أم لكل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب "[2]. فالنقطة مستهلكة فيها جميع الحروف قبل تجليها وبعد التجلي فالحرف في الحقيقة لا وجود له ولو بعد التجلي لأن الظاهر حقيقة هو المداد أما ما يبدو من خصوصية الرسم الذي يأخذه الحرف فهو لا كينونة له دون الحبر الذي هو النقطة ، فالحرف في الحقيقة هو ميل النقطة واعوجاجها لا غير وليس له حظ من الوجود باستقلاله بهذا الاعتبار كل الحروف مستهلكة في النقطة قبل التجلي وبعده لا فرق في ذلك.
كنت كنزا مخفيا لم أُعرَف
" كانت النقطة في كنزيتها قبل تجليها بذات الألف... وكانت الحروف مستهلكة في كنزيتها قبل تجليها بذات الألف... وكانت الحروف مستهلكة في كنهها الغيبي، إلى أن ظهرت، بما بطنت وتجلت بما استترت، فتشكلت في مظاهر الحروف... وإذا تحققت لم تجد إلا ذات المداد المعبر عنها بالنقطة "[3] الظاهر هو المداد وهو النقطة، والباطن هو الحرف لكن بفعل الغفلة نعتقد الظهور للحرف بينما النقطة هي الظاهرة أما الحروف فلها وجود معقول أو نقول وجود اعتباري غير حقيقي وهكذا الأمر في الوجود فالوجود الحقيقي هو للحق أما الخلق فهم محض اعتابار ومجرد ماهيات لها وجود في وهمنا بينما في الخارج لا موجود إلا الله من هنا اعتبر الشيخ العلاوي النقطة معبرة عن وحدة الشهود وهو لايفرق بين وحدة الوجود ووحدة الشهود.
النقطة رمز الوحدة الحقة:
![]() |
(.) النقطة رمز الوحدة الحقة |
وكما كنه ذات البارئ تعالى لا يمكن التعبير عنها لعدم وجود لفظ يسعها بحيث كلما أراد العارف أن يصفها بنعت التنزيه صدر منه من العبارات ما يفيد التشبيه والتعطيل وهو ليس بمقصود من العارف فمقصوده هو التعبير عن التوحيد المحض لكن ضيق العبارة يؤول إلى هذه المساقط والقلب على غير ما تلفظ به العارف، فكذلك النقطة لا وجود للفظ يحمل معناها ويعبر عنها، فكلما أردنا وصفها والتلفظ بما يعكس ماهيتها نطق بحروف ليست من ذاتها وهي النون والقاف والطاء والتاء وهذه الحروف على تشابه فيما بينها من حيث الرسم فالتاء مثلا تشبه الثاء والباء وغيرها إلا أنها تباين النقطة من حيث الرسم فلا شبيه للنقطة في الرسم ولا حامل لها في التلفظ.
الألف: (أ)
الألف مظهر النقطة:
"أول ما تجلت به النقطة وظهرت ظهورا يقتضي التعريف هو وجود الألف، فجاء صورة التنزيه أقرب منه للتشبيه ليكون موجودا في كل الحروف، بصفته مباينا بحقيقته"[5]، لأن الألف في الحقيقة لا يحتاج إلى قلم كي نبرزه أو لنقل لكي نكتبه لا نحتاج إلى وسيلة خارج الحبر ذاته فالألف في الحقيقة هو ميلان وسيلان الحبر عموديا فيرتسم الألف وإن استعملنا القلم في رسمه فهو ليس من باب فقره لهذه الواسطة أي واسطة القلم وإنما يبقى الألف غنيا عن القلم بل القلم نفسه هيأته ألف، " فيكون ظهور الألف بنفسه لنفسه لا غير... الألف كناية عن واحد الوجود، فظهور النقطة بالألف هي المسماة بالأولية، أما قبل التجلي فلا توصف بذلك، كما لا توصف بالآخرية"[6].
هو الأول والآخر:
![]() |
أ ألف: هو الأول والآخر |
سبب احتجاب النقطة في الحروف:
وهكذا يقع لكل من تغفل عن ظهور الحق في هذا العالم، مع علمه بأنه محل للظهور وهناك موانع: المانع الأول من ‘دراكه عدم الشعور. والمانع الثاني سوء الفهم وعدم العلم، وبالجملة هو تحجيرنا على الألوهية، حيث قيدناها بأوصاف مخصوصة، وألزمناها أن لا تخرج عنها، ففاتنا خير بقية الصفات التي تجلت بها الآن، وقبل الآن، وبعد الآن، والكل عنها بمعزل، إلا من أتى الله بقلب سليم، وعرف الألف في دائرة الميم"[7] ومعرفة الألف في دائرة الميم يقابله معرفة الله في التشبيه كما عرف في التنزيه فقد عرفه الرسول (ص) كما روي عنه في صورة شاب أمرد ورآه إبراهيم (ع) في صور الأفلاك وغير الأنبيا والعرفاء من العوام يشتبه عليهم لأنهم لم يعرفوه حق معرفته فإذا تجلى لهم في الحشر في الصورة التي لا يعرفونه بها فينكرونه وهو هو، والمانع كما علم في الألف أنه لا يدرك في الحروف بينما الحروف تستمد وجودها من مادته واستطالته ، يقول سلطان العاشقين:
تجليات الألف في الحروف ورمزيتها:
كما للألف شدة في الظهور في بعض الحروف ويخفى في البعض بينما هو هو، فمثلا في اللام تكاد تظهر صورته الحقيقية كما في باء البسملة أما في غيرها من بعض الحروف فيصعب التعرف على الألف وهكذا الأمر مع الألوهية يقول العلاوي: ط وإذا فهمت أن الألف هو المتجلي بكل حرف، فهل ذلك نقصان في مرتبته التنزيهية مع إبقائه على صفته الخاصة، كلا، فحقيقة الألف لم تزل على حقيقتها، ولا أرى نقصانا في ذلك، بل أراه من كمالاته، وأرى النقصان –والله أعلم- فيمن ألزمه صفة لا يتعداها إلى غيرها، فقد حصره وقيده وجهله وشبهه وجعله شيئا كبقية الأشياء، وحقيقة المعرفة اللائقة بمقامه، هو أن ترى الألف متجليا بكل لفظ وتصنيف فالكل ألف تجده متلونا بكل حرف، ظاهرا بكل وصف، حائزا مراتب الوجود"[9].
ويوظف الشيخ العلاوي نصوص نبوية في تجلية المعاني الإلهية من الحروف فحتى يثيت الأولية والآخرية لله الظاهرة إشارتها في الألف يقول: " قال عليه الصلاة والسلام: كان الله ولا شيء معه، فتأمل هذه الكينونة إن كانت تفيد الدوام والاستمرار فما تقول؟ فهل تتوهم وجود الغير أيها العاقل؟ بل لو تعمدته لاتّضح عندك أن الألف هو الأول والآخر، والظاهر والباطن ولا يمنعك من معرفة الألف ما تراه من اعوجاج الحروف، فكل لحكمة يخفيها الشهود عن الشهيد"[10]
الباء: (ب)
الباء أول تنزل للألف:
![]() |
ب الباء: أول تنزل للألف |
فالباء في البسملة -كما يرى الشيخ العلاوي- عظمتها عظمة الألف فلذا يليق بها نيابته فصورتها في البسملة هي صورة الألف على غيرها في غير البسملة وهو نفس مقام محمد (ص) من الوجود، إذ هو نائب الحق تعالى وهو الإنسان الكامل يقول الشيخ العلاوي: " فالباء في البسملة قائمة مقام الألف، ولهذا قالعليه الصلاة والسلام: لي وقت لا يسعني فيه غير ربي، وأنت ترى أن الباء لا يسعها في بعض الأوقات إلا الألف، صورة ونقطة، إلا أن نقطة الألف من أعلاه، ونقطة الباء من أسفلها، وكل لحكمة يعقلها العالمون"[12]، نيابتها عن الألف المحذوفة فيه إشارة إلى نيابة الإنسان الكامل عن الله في خلقه، فوجود الباء فوق النقطة بمثابة حجاب الله الأعظم القائم بين يديه تعالى.
وهكذا جريا على هذا الفهم يفسر الشيخ العلاوي الحروف المقطعة لسورة البقرة، وهو الذي شرع في تفسير القرآن ، وأوقفه الأجل عند الآية 207 من سورة البقرة: ألم: " تفيدنا أن الألف من اسم الله، واللام من جبريل والميم من محمد(ص)، وإذا وصلت الحروف ببعضها جاءتك الإشارة قائلة: ألم يكن ذلك الحق؟ بلى؛ الله الذي أنزل الكتاب إلى محمد بواسطة جبريل... كان القرآن متعلقا بالألف، ثم اتحد مع اللام، ثم استجمع في دائرة الميم... ووجه اختصاص الألف بإشارته للألوهية لاستقامته، وكونه أول الحروف الهجائية وآخرها همزة... واللام يشير إلى جبريل لقربه من الألف من جهة الصورة لا من جهة الجر والانعطاف، والميم تشير إلى محمد(ص) لانتهائه في دائرة العبودية، فهو العبد على الحقيقة"[13]
[1] نقلا عن: أحمد بن مصطفى العلاوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن، ص 18.
[2] المصدر السابق، ص 24.
[3] المصدر نفسه، ص 23.
[4] أحمد بن مصطفى العلاوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن ، ص 24- 25.
[5] المصدر نفسه، ص 29.
[6] المصدر السابق، ص 30.
[7] المصدر نفسه، ص 32
[8] عمر ابن الفارض، ديوان ابن الفارض،
[9] أحمد بن مصطفى العلاوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن، ص 34.
[10] المصدر السابق، ص 35.
[11] المصدر نفسه، ص 38.
[12] المصدر نفسه، ص 40.
[13] أحمد بن مصطفى العلاوي، البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور، ج1، ص ص 50- 51.
اكتب تعليقا يدعم التدوينة ويساعدنا لتطوير خبرتنا