اللغة والوجود
![]() |
الحروف ابجديات المكونات |
الحديث عن اللغة في العرفان، هو حديث البدايات، والنهايات، بحيث لا تنفك حركة العارف منذ كان مريدا إلى كونه سالكا، ثم عارفا محققا، مرتبطة باللغة فهو ابن اللغة، لكن لغة غير منفصلة عن الوجود كم تجذره في الوجود، لذلك اللغة التي يتعاطاها العارف، هي لغة الوجود والكينونة، هي مرتبة من مراتب تجليات الحق، إذ لا ينفك عنه ظاهر، بل هو الظاهر في كل مظهر، بما فيه مرتبة اللسان والتدوين.
الصوفي واللغة:
ما أهّل الصوفية للكشف عن مخبآت الحروف والكلمات والعبارات هو منهجهم في الحياة القائم على التفتيش عن المعنى الذي يجمعهم على الحقيقة ويبقيهم في مجال التحقيق الوجودي ذلك أن الوجود لا يخلو من الحكمة والقدرة ولا مجال للفراغ والعبثية بل ما من شيء يظهر في ساحة الوجود إلا وفيه إشارة إلى الوجود الحق وكل ما له علاقة به من صفات وآثار، حتى الوجود الرقمي والخطي ففيه ظهور للحق، وللحق وجود وصفة وفعل وأثر فيكشف فيه عن خواص وأفاعيل ينعكس عنها تكميل وعلاج وإيجاد، شريطة أن تتوفر خاصية الحضور الإلهي في المستعمل؛ وهو هنا الإنسان المتحقق بالكمال الإلهي.
نجد من أدبياتهم قولهم أن "بسم الله من العارف ككلمة كن من الحق عزّ وجلّ فهي كلمة أثبتت المفعول، وضمير الباء أثبت الفاعل، وضميرها هو ضمير الإنسان الكامل أو نقول روح الوجود"[1]، لذا فباسم الله عند العارف هي كلمة إيجاد على الحقيقة، وهذا يكشف عن علاقة خاصة يعقدها العارف باللغة، فهو لم يجلس في بساط التعليم لكي يتعلم رسمها، أو يحصل خصائصها ومعانيها فيحفظها عن ظهر قلب كما يفعل غيره من علماء الرسوم، فالعارف في مرحلة التكوين كان يهذب ملكاته باسم الله ويتمثلها ويتجرد بتجرد الاسم، كان يستكن المعنى، ولا ينهي مرحلة التكوين حتى يكون مظهرا لاسم الله تعالى أي عارفا كاملا.
فمثلا الشيخ عبد الكريم الجيلي، يرى أن مقصود العرفاء في استكناه الحروف والكلمات هو الكشف عن الحقائق الدالة على الحق تعالى وكمالاته: " والكلام عليها (البسملة)، في منافعها وأسرارها، ولسنا بصدد شيء من ذلك في وجوه، بل كلامنا عليها من وجه معاني حقائقها فيما يليق بجناب الحق سبحانه وتعالى"[2].
تعلّم لغة الوجود:
بهذا الاعتبار فإن علاقة العارف باللغة هي علاقة اتحاد بالوجود، يتجذّر وجوديا برزخا بين اللفظ والمعنى، فهو مع معنى المعاني بباطنه ومع الألفاظ والأكوان بظاهره، وهذه خاصية اكتسبها أولا في مرحلة الإرادة بالذكر مع وجود شيخ يسلك به مقامات الكمال والوجود من الفرق إلى الجمع وصولا إلى الفرق الثاني، وأهم سبيل في التربية الذكر بالإسم المفرد (الله) والتدرب في نطقه بما يحقق الفناء فيه وتخيل رسمه حتى تتمدد أنواره لتشمل الآفاق، نكتفي بأبيات للشيخ العلاوي توضح ذلك، فبعد ذكر حقيقة الشيخ يذكر مهمته:
التربية الصوفية واحتراف لغة الوجود
![]() |
التربية الصوفية ولغة الوجود |
قبل أن يصل المريد إلى مرتبة التحقيق وبالتالي شهود الوجود الإلهي قاهرا لجميع المراتب ومستوليا عليها وظاهرا فيها (شهود الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة)، يمر بفترة التكوين والتدريب على يد شيخ سلك الطريق نفسه وتمكن من معالمه كلها، فيعلمه الاعتبار بمفهومه الصوفي، بحيث يتدرج في الخروج من الوهم الذي كان، نتيجة الغفلة عن الحقيقة عبر الذكر والتفكر فيه، مهذبا لحواسه سيّما حاسة البصر جاعلا إياها تابعة للاتصال بالباطن بعد إغماضها في حالات الذكر في البداية، "أما السير الغالب الذي كان يعتمده، واعتمدناه نحن من بعده أيضا فهو أن يكلف المريد بذكر الاسم المفرد مع تشخيص حروفه، حتى ترتسم أعني الحروف في مخيلته، ثم يأمره ببسطها وتعظيمها إلى أن تملأ الخافقين، ويديم الذكر على تلك الهيأة إلى أن تنقلب صفاتها إلى شبه النور"[4].
ويبدأ الشيخ في تدريج المريد إلى أن يصل به إلى الاستغراق في عالم الإطلاق، فيتمكن من شهود النور المجرد، وبعد ذلك يتنزل المريد عبر المراتب حتى يشعر بوجوده ويرجع إلى عالم الشهادة. فيصير يرى ببصره ما تراه بصيرته لأن بصره في هذا الحال هو عين بصيرته[5]، فتجتمع له الرؤيتان القلبية والبصرية، وهذا الأمر لا يكون إلا إذا انعكست الأبصار بصائر، فيرى ببصر ملكه المكونات والحروف والكلمات من جملتها ويرى ببصر ملكوته الحق المجرد.
لكن هذه الرؤية ممتنعة لدى عموم الناس (رؤية المطلق في المقيد) أو لنقل ظهور الحق في المكونات وسبب امتناعها ليس كونها مستحيلة في ذاتها، و"إنما الامتناع متوقع من عدم استعداد الأبصار، لذلك قال بعض الأكابر: إن المانع من رؤية الحق في هذه الدار هو عدم معرفة الخلق له، وإلا فإنهم يرون ولا يرونه أي فلا يعرفون أن ذلك المرئي لهم هو الحق، فيكون الحجاب متوقعا من قبيل البلادة لا غير"[6]
![]() |
الشيخ أحمدبن مصطفى العلاوي الجزائري |
في الذكر يتم التعامل مع الحروف لفظا ورسما لتكون مرقاة إلى فضاء الوجود المطلق والمقيد، لذلك ينعكس في النهاية بأن يكون الحرف باعتباره بسيط الكلمات، يحمل في ذاته نورانية يتجلى فيها الحق تجليا بكل مراتبه.
فهم معاني الحروف
فهم معاني الحروف عند الصوفية شأنه شأن أي معنى لأي حقيقة، بحيث يتلقى الصوفي فهمها من الله تعالى ليس فيه تعمل تفكير ولا توظيف حافظة، لكن القارئ لنصوصهم في هذا المجال يتلقى هذه المعاني حفظا وتحصيلا، ففي رسالة الشيخ العلاوي بعنوان الأنموذج الفريد المشير لخالص التوحيد يستهل الكلام بقوله: " إني جمعت هذه السطور حسبما سمح لي به الشعور، والباعث على تحريرها رغبتي في هذا الفن العظيم، واهتماما بما ورد في الأثر الفخيم من " أن كل ما في الصحف الأولى منطو في نقطة بسم الله الرحمن الرحيم"[7]، وكان الكتاب يبحث في المعاني التوحيدية التي تتضمنها حروف البسملة جريا على نهج الشيخ عبد الكريم الجيلي في كتابه الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم، اكتفى الشيخ العلاوي بتجلية معاني النقطة والألف والباء فقط منبها إلى أنه "من الممكن ذكر كل حرف على حدته، والإتيان ببعض مكنوناته، ولما في ذلك من التطويل نقتصر على القليل من القليل، وقد تقدم ما للألف من الإحاطة والشمول بكل حرف، فإحاطته بها من حيث الأولية والآخرية إحاطة دورية، ومن حيث الظهور والبطون إحاطة عينية..."[8]
[1] أحمد بن مصطفى العلاوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن المطبعة العلاوية، مستغانم، ط5، 1997، ص 14.
[2] الجيلي، عبد الكريم، الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم، تحقيق: قاسم الطهراني، دار مكتبة الهلال، بيروت، ط1، 2008، ص 54.
[3] أحمد بن مصطفى العلاوي، الديوان، طبع جمعية جمعية الشيخ العلاوي للتربية والثقافة الصوفية، مطابع الشرطة، مصر، القاهرة، ط 6، 2009، ص13.
[4] بن تونس، عدة، الروضة السنية في المآثر العلاوية، المطبعة العلاوية، مستغانم، ط2، (د. ت). ص 25.
[5] انظر، أحمد بن مصطفى العلاوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن، ص 63.
[6] المصدر السابق ، ص 64.
[7] أحمد بن مصطفى العلاوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن، ص 18.
[8] المصدر السابق، ص 43.
اكتب تعليقا يدعم التدوينة ويساعدنا لتطوير خبرتنا