نظرية الفيض وصدور الموجودات في فلسفة الفارابي
في إطار الالهيات، والفلسفة الأولى ضمن فكر الفارابي الميتافيزيقي أو ما يسمى فلسفة الوجود نستمر في تحليل مفاهيم ذات العلاقة حيث نتناول أهم قضية تتعلق بالوجود بمرتبتيه الواجبة بالذات والواجبة بالغير/
![]() |
نظرية الفيض عند الفارابي |
وهذا الذي انتظم في إطار نظرية الإيجاد التي تبناها الفارابي بعنوان فيض الموجودات متجاوزا الطرح الكلامي السائد في البيئة اللمية الإسلامية، هذه النظرية خلقت جدلا كبيرا أدى إلى كفير متبنيها خصوصا أنها النظرية التي تركز في تحليلها للإيجاد على مسألة العلية والمعلولية بحيث نظرت لعلية الوسائط الوجودية المتمثلة في العقول العشرة، وهو الأمر الذي دفع بعض المتكلمين إلى تهمة فلسفة الفارابي وكل من تبنى نظرية الفيض بالشرك وفي عنوان آخر أن هذه النظرية ثبتت مقولة قدم العالم ولعلها من المسائل الواضحة في تكفير الفلاسفة.
تبدأ نظرية الفيض بالارتكاز على وحدانية المبدأ وأنه علة الكل ومنه فاضت كل الموجودات بالترتيب والتسلسل الذي يضمن وحدة الوجود.
الأول مبدأ الإيجاد:
فالأول الذي يعد علة الموجودات ذات واحدة وجوهر واحد وهو الأول والآخر وهذا كما قلنا ينعكس على عملية إيجاد الموجودات ففي الفيض لا يحتاج الأول غير ذاته في أن يفيض عن وجوده وجود شيء آخر إذ يقول الفارابي: "متى وجد للأول الوجود الذي هو له لزم ضرورة وجود موجودات عنه"، فهو بذاتة فياض لا يعوقه عائق من أن يفيض عنه وجود غيره لا من نفسه ولا من خارجه أصلا وبكونه فياضا للموجودات لا وجود لمانع ذاتي أو خارجي يمنعه من أن يوجد عنه وبالتالي إيجاد الموجودات من ذاتياته وليس أمرا أضيف إليه بعد أن لم يكن كذلك كما يقول الفارابي: "جوهره جوهر يفيض منه كل وجود كان كاملا أو ناقصا".
وكذلك من طبيعة جوده أن الموجودات إذا فاضت عنه حصلت مرتبة من الكمال والنقص في الوجود بحسب قوته واستعداده وبهذا تترتب الموجودات ترتيبا تسلسليا فيها الأعلى والأدنى، فيكون بداية الفيض من الأكمل وجودا ثم يتلوه الأنقص منه قليلا ثم الذي يلي في النقص إلى أن ينتهي الفيض بحيث يتلاشى ولا يمكن أن يوجد. وهي مرتبة المادة الأولى التي إن تخطيناها خرجنا عن ساحة الوجود إلى العدم.
انتظام الفيض ضمن صفتي العدل والجود:
بالاضافة الى الصفات التي ذكرناها والتي تحكي طبيعة وجود الأول كالوحدة والأولية والغنى هناك صفتان تدخلان في عملية الفيض مباشرة وتكيفه. الصفة الأولى هي صفة الجود والاسم الجواد، وهذا الاسم يترتب عنه الموجودات. والصفة الثانية هي صفة العدل والعدل يوجب أن يتحصل كل موجود قسطه من الوجود بحسب استحقاقه ورتبته.
صفة الجود والعدل لا تخرجان عن قانون الذاتية فهما ليستا صفتين مضافتين إليه أو زائدتين على الذات بل هو جواد في جوهره وعادل في جوهره، ليس لأمر خارج ذات الأول.
التعقل مبدأ الفيض في المفارقات:
![]() |
التعقل مبدأ الفيض في المفارقات |
2- العقل الأول عند الفارابي له تعقلان وهنا تبدأ الكثرة الوجودية على خلاف الأول الذي ليس فيه الكثرة البتة بل هو واحد وحدة حقيقية، فالعقل الأول له تعقلان لأن له جهتين؛ جهة بها وجوبه وبها يعقل الأول وجهة بها ذاته وجوهره وبها يعقل ذاته، فبما يعقل الأول يفيض عنه وجود ثالث وهو العقل الثاني وبما يعقل ذاته يلزم عنه وجود السماء الاولى أو فلك المحيط.
3- والعقل الثاني وجوده لا في مادة فهو يعقل ذاته ويعقل الأول فبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود رابع وهو العقل الثالث وبما يعقل ذاته، أو بلغة الفارابي، فبما يتجوهر به من ذاته التي تخصه يلزم عنه وجود كرة الكواكب الثابتة أو الثوابت.
4- العقل الثالث هو أيضا لا في مادة فهو يعقل ذاته ويعقل الأول فبما يعقله من ذاته يلزم عنه وجود كرة زحل وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود خامس وهو العقل الرابع.
5- العقل الرابع وجوده لا في مادة وهو يعقل ذاته ويعقل الأول فبما يعقل ذاته يلزم عنه وجود كرة المشتري وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود سادس وهو العقل الخامس.
6- العقل الخامس وجوده لا في مادة وهو يعقل ذاته ويعقل الأول فبتعقله ذاته يفيض عنه وجود كرة المريخ وبتعقله الأول يفيض عنه وجود سابع وهو العقل السادس.
7- العقل السادس جوده ايضا لا في مادة يعقل ذاته فيلزم وجود كرة الشمس ويعقل الأول فيلزم وجود الثامن وهو العقل السابع.
8- العقل السابع وجوده لا في مادة وهو يعقل ذاته فيلزم عن تعقله ذاته وجود كرة الزهرة ويعقل الأول فيلزم عنه وجود تاسع وهو العقل الثامن.
9- العقل الثامن وجوده أيضا لا في مادة فيعقل ذاته ويعقل الأول فبعقله ذاته يفيض عنه وجود كرة عطارد وبعقله الأول يفيض عنه وجود عاشر وهو العقل التاسع.
10- العقل التاسع وجوده لا في مادة وهو يعقل ذاته ويعقل الأول فبما يعقل ذاته يلزم وجود كرة القمر وبتعقله الأول يلزم وجود الحادي عشر وهو العقل العاشر، اي العقل الفعال.
11- العقل العاشر وجوده أيضا لا في مادة وهو يعقل ذاته ويعقل الأول وعنده تنتهي سلسلة فيض الموجودات المفارقة التي جوهرها عقول ومعقولات.
نهاية التعقل وبداية خاصية التكوين في عالم الطبيعة:
![]() |
نهاية التعقل وبداية خاصية التكوين في عالم الطبيعة |
وعند فلك القمر تنتهي الأجسام السماوية التي تتحرك الحركة الدورية هذا الفيض من العقل الأول الى العقل العاشر يشكل القسم الأول من عملية الإيجاد ويسمى فيضا وهو الموجودات التي حصل لها في أول وجودها الكمال بمعنى أن هذه الموجودات المفارقة ليست في مادة فهي لا تعرف الوجود بالقوة أبدا الذي هو وجود ناقص يحتاج الى تكملة من خارجه بل هي فاضت عن الأول فيضا إبداعيا غير مسبوق بمادة.
من العقل الأول الى العقل العاشر ومن السماء الأولى الى كرة القمر ينتهي القسم الأول من عملية الإيجاد وهو في حقيقته فيض تؤطره عملية التعقل بمعنى بمجرد توجه العقل الى ذاته يفيض فلك و صورتة وبمجرد التفاته الى الأول وتوجهه اليه يفيض عنه عقل اخر هذا التوجه والالتفات هو نفسه التعقل أو العلم؛ اذا هذا القسم ينطلق من الاعلى إلى الأدنى أي أن الفيض عملية نازلة من الأكمل الى الكامل وإلى ما لا يمكن أن يكون دونه اي كامل وهو العقل العاشر وكرة القمر كذلك يمكن تسمية هذا الفيض بالابداع وعالمة عالم المفارقات.
وتحت هذا العالم تبدا مرتبة الموجودات الطبيعية التي يحكمها الاختلاط والانتزاع بمقابل التعقل الذي يحكم عمل الفيض للعقول العشرة والاجسام السماوية فان ترتيب هذة الموجودات أي الموجودات الطبيعية أن تبدا بالأخس ثم الأفضل فالافضل أي حركتها حركة صاعدة من الناقص إلى الكامل إلى أن تنتهي إلى أفضلها الذي لا أفضل منه فاخسها المادة الأولى ثم الاسطقسات الأربعة وهي التراب والماء والهواء والنار ثم الأجسام المعدنية ثم النبات ثم الحيوان غير الناطق ثم الحيوان الناطق أي الإنسان وليس بعد الانسان أفضل منه في عالم الطبيعة.
هذا القسم من الإيجاد والتكوين أي عالم الموجودات الطبيعية التي تنتمي الى مملكة ما تحت فلك القمر، نسميه التكوين وعالمه عالم الكون والفساد وهنا تنتهي سلسلة فيض الموجودات التي كما قلنا تنقسم قسمين: قسم يحكمه مبدا التعقل وهو الفيض والقسم الثاني يحكمة الاختلاط والامتزاج وهو عالم الكون والفساد.
اكتب تعليقا يدعم التدوينة ويساعدنا لتطوير خبرتنا