📁 آخر الأخبار

العقل في فلسفة الفارابي

العقل في فلسفة الفارابي

مفهوم العقل:

قبل التطرق لمفهوم العقل ماهيته ومراتبه في فلسفة االفارابي لا بأس أن نتحدث عن مفهوم العقل بإيجاز فإن تعريف العقل من الناحية الوظيفية هو انكشاف حقائق الأشياء وماهيتها في ذات العاقل. كذلك أن التعقل أو العقل هو حضور المعقول وماهيته في ذات العاقل بحيث يكون المعقول جزءا من ذات العاقل أي أن المعقول والعقل حينئذ أمر واحد بتوضيح أكثر فإن التعقل هو حضور الماهية المجردة من كل مادة ولوازمها عند الذات المجردة. لنستخلص مما سبق ونقول أن التعقل أو العقل مترادفان.

أصناف العقل:

في تعريف العقل يسلك االفارابي مسلكا بحيث يصنف تعريفات العقل إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول هو العقل، بتعريف الجمهور أو العقل الذي يقول به الجمهور والصنف الثاني هو العقل الذي يقول به المتكلمون أو علماء الكلام، والصنف الثالث هو الذي يقول به الفلاسفة ويخص منهم أرسطو، انطلاقا من نصوصه.

ما يهمنا نحن في سياق دروسنا هو العقل بوضع الفلاسفة والذي يتبناه الفيلسوف أبو نصر الفارابي، اذًا هناك اعتباران ناخذهما في بسط ماهية العقل ووظائفه؛ الاعتبار الأول هو كون العقل مبدأ للعلوم والمعارف، والاعتبار الثاني هو كون العقل ملكة للادراك أو قل قوة يتم بها إدراك الماهيات.

اذًا هناك اعتباران الأول هو كون العقل مبدأ للعلوم والمعارف وفيه قسمان:

القسم الأول:

العقل النظري وهو قوة للنفس بها يحصل للإنسان اليقين بالمقدمات الكلية الصادقة والضرورية نصطلح عليها البديهيات. هذه البديهيات تحصل في النفس من غير استدلال ولا فكر بل هي فطرية ومن طبيعة هذه النفس المدركة يعرفها الانسان من صباه أو من حيث لا يشعر ولا يعرف كيف حصلت ولا أين حصلت هذا العقل الذي تحصل فيه البديهيات ومبادئ العلوم هو العقل النظري وسمي عقلا نظريا لأن القضايا الحاصلة فيه تعلم ولا تعمل أي أنها تنتمي إلى حقل الحكمة النظرية.

أما القسم الثاني:

من العقل، فهو العقل العملي، وهو جزء من النفس يحصل فيه اليقين بقضايا ومقدمات في الأمور الإرادية التي نريدها ونرغب أو لا نريدها ولا نرغبها. وتحصل هذه المقدمات من خلال التجربة والتعود والمواظبة على أمور عملية. قضايا ومقدمات هذا العقل الحاصلة فيه من شأنها أن تتبع أو تجتنب وهي مبادئ وقضايا يستعملها العاقل في الأمور الإرادية العملية، فهو عقل عملي ينتمي إلى حقل الحكمة العملية. هذا العقل ينمو مع تطور التجارب وتقدم الزمان وصاحبه عندما يبلغ الذروة في الممارسة والاستنباط يصبح خبيرا ومستشارا.

خلاصة الإعتبارين في العقل:

1- في الاعتبار الأول، وهو كون العقل مبدأ للعلوم والمعارف أن الانسان مزود بقوتين في نفسه هي مبادئ لتحصيل العلوم والمعارف وهي القوة النظرية وهي كما سبق تحصل فيها مبادئ وقضايا وبديهيات التي تعلم ولا تعمل وتسمى العقل النظري. وقوة عملية تحصل فيها قضايا ومبادئ لها علاقة بارادة الانسان وأفعاله هذه القضايا إما تجتنب أو تتبع وتسمى هذه القوة بالعقل العملي، وقضاياه تؤخذ مسلمة.

2- الاعتبار الثاني للعقل كما قلنا هو كونه ملكة لإدراك ماهيات الأشياء وحقائقها أو قوة للنفس يتم بها تحصيل صور الأشياء وماهياتها سواء كان هذا العقل قوة ناطقة للنفس كعقل الانسان أو حقيقة وجودية مفارقة كالعقول العشرة أو العقل مبدأ الموجودات وهو واجب الوجود مبدا كل الموجودات بما فيها العقول الكلية والجزئية.

في هذا الاعتبار أي الاعتبار الثاني ايضا هناك قسمان:

1- قسم يتعلق بالعقل الذي يتطور من طور أدنى إلى طور أعلى أو قل من رتبة دنيا الى رتبة عليا وأفضل كمالات وهو العقل الإنساني.
2- وقسم ثابت لا يتطور بحيث هو كامل من أول ابتداء وجوده ويظل هكذا متمتعا بكماله مكتفيا بذاته في تعقله. والمقصود به العقول المفارقة أي العقول العشرة والمبدأ تعالى أو الأول مبدع العقول.
يتبنى أبو نصر الفارابي تحديد أرسطو للعقل في هذا الاعتبار كذلك اذ يجعله على أربعة انحاء ومراتب عقل بالقوة وعقل بالفعل وعقل مستفاد وعقل فعال.

يعد العقل بالقوة أخس هذه العقول ويليه الذي هو اكمل منه وهو العقل بالفعل ثم العقل المستفاد ثم العقل الفعال، الجدير بالذكر وكما هو في فلسفة الفارابي الميتافيزيقية أن عالم الموجودات يتخذ صفة السلسلة الترتيب المتدرج، فأدنى السلسلة له وصف المادة والذي يعلوه في الشرف هو صورة بالاضافة اليه وهكذا كلما هو أعلى مما قبله هو صورة والذي أدناه مادته؛ فمثلا العقل بالقوة مادة للعقل بالفعل والعقل بالفعل هو صورة للعقل بالقوة، والعقل المستفاد هو صورة للعقل بالفعل والعقل بالفعل هو مادة للعقل المستفاد.

وهكذا في جميع مراتب سلسلة الموجودات. خلاصة الكلام أن هناك عقل واحد وهو العقل المنفعل القابل للتطور عبر مراحل وهو عقل الانسان وهذا له مراتب ثلاثة وهي العقل بالقوة والعقل بالفعل والعقل المستفاد، وهناك عقل مفارق ثابت كامل وهو العقل الفعال، أحد العقول العشرة، وادناها رتبة.

مراتب العقل:

مراتب العقل
مراتب العقل

أولا: العقل بالقوة:

ما هوالعقل بالقوة؟ هو نفس أو قوة من قوى النفس الإنسانية ذاتها مستعدة لأن تنتزع ماهيات الأشياء وصورها دون موادها فتجعلها صورة لها، بمعنى نحن في إدراكنا للعالم تواجهنا الموجودات مخلوطة بين جزئيات وتوابع وحقائق وماهيات هذه الموجودات. فمثلا عندما ندرك زيدا ندرك فيه طوله ولونه وحالاته من فرح أو حزن وأنه مقيم في مكان معين وأنه جالس أو قائم وأنه يشغل وظيفة معينة وأنه إنسان عاقل وليس حيوانا وهكذا.

فقوة الإدراك التي هي العقل الإنساني هي الملكة التي تستخرج الماهية الثابتة لزيد وتخلصها من كل توابعها بحيث تسمى هذه العملية بالتجريد أي أخذ الصورة الحقيقية المشكلة لماهية زيد الثابتة وهي مثلا هنا انسانيتة وهكذا كل ماهية نريد أن ننزعها من موجود ما فالذي يقوم بهذه العملية هوالعقل ولديه استعداد لعمل ذلك هذا الاستعداد نسميه العقل بالقوة وهي مرحلة تسبق كل إدراك أو تعقل ومعنى هذا الكلام أن الذات العاقلة شبيهة بمادة تحصل فيها الصور وتسمى هذه الذات كذلك العقل المادي والعقل الهيولاني وهو نفسه العقل بالقوة.

ثانيا: العقل بالفعل:

وهو سيورة العقل بالقوة إلى مرحلة متطورة عن مرحلة العقل بالقوة بحيث تتشكل ماهية جديدة له وهو حينئذ عين المعقولات التي حصلت فيه ذلك أن المعقولات كانت معقولات بالقوة أي كانت صورا في موادها قبل أن ينتزعها العقل وعندما انتقلت ماهيات هذه المدركات إلى العقل بحيث تخلصت من موادها أصبحت معقولات بالفعل وهي حينئذ نفسها العقل بالفعل. فكما يقول الفارابي: "فانها معقولات بالفعل وأنها عقل بالفعل شيء واحد بعينه".

نعود إلى المعقولات، فلها كذلك مرحلتين مرحلة كونها معقولات بالقوة بحيث كانت صورا في موادها. ففي حالة كونها معقولات بالقوة فالعقل بالاضافة إليها هو كذلك عقل بالقوة ما زالت لم تحصل فيه بالفعل، ما زالت خارج النفس في موادها. والمرحلة الثانية تصبح معقولات بالفعل أي صارت حاصلة في العقل وصار لها وجود غير الوجود السابق وصفة غير الصفة السابقة، وأصبحت صورة لهذا العقل بالقوة وانتقل هذا العقل حينئذ من حالة هيولانية إلى حالة فعلية.

فهنا المعقولات بالفعل هي بالاضافة إلى العقل بالفعل من هنا كان االفارابي مع استاذه ارسطو يعتقد أن المعقولات بالفعل هي عينها العقل بالفعل. تتغير ماهية العقل بالقوة بانتقال المعقولات وحصولها فيه.

لمزيد من التوضيح، وكما سبق أن قلنا بأن المعقولات بالفعل والتي هي عينها العقل بالفعل، كانت بالقوة معقولات بحيث كانت صورا في موادها خارج النفس العاقلة لكنها عندما صارت معقولات بالفعل تغيرت من حيث الوجود فارتفعت عنها بفعل تعقلها الكثير من المقولات التي كانت تلازمها عندما كانت صورا في موادها.

فهذه المقولات التي ارتفعت عنها وقد كانت تلازمها قبل؛ مثل الأين والكم والإضافة والفعل والكيف والانفعال وغيرها من اللوازم وأصبحت هذه المعقولات ماهيات جديدة مجردة تمام التجرد وبهذا هي نفسها أصبحت من موجودات العالم المجردة غير كونها صورا في موادها سابقا وبالتالي فكونها معقولات بالفعل هي كذلك تعقل بالفعل، لأنها كما قلنا سابقا هي عين العقل بالفعل، لنقل حصل اتحاد وأصبحت ذات عاقلة ومعقولة أي عقلا بالفعل وصارت صورة للعقل بالقوة.

اذًا هذا معنى قولنا عقلا بالفعل، فالمعقولات بعد تعقلها أصبحت جزءا من الذات العاقلة وصورة للعقل بالقوة فهي تعقِل وتُعقل، فهكذا تتم المعرفة بحيث نأخذ الماهيات من الموجودات في عملية الادراك وهذه الماهيات هي معارف وهذه المعارف بدورها تتحول إلى أداة تساعدنا في إدراك الأمور التي ما زلنا نجهلها. وهكذا تتراكم المعرفة فتشكل رؤية نرى بها العالم ونفهمه.

ثالثا: العقل المستفاد:

نرجع إلى تقسيمات الفارابي لمراحل العقل الانساني وننتقل إلى المرحلة الثالثة أو الرتبة الثالثة وهي العقل المستفاد فما العقل المستفاد؟
العقل المستفاد هو نفسه العقل الإنساني في مرتبة العقل بالفعل حيث أصبح مدركا للماهيات الموجودات، حاصلة فيه المعقولات بالفعل لكنه عقل بالفعل لجميع المعقولات لا بعضها وصار هذا العقل أحد الموجودات بان صار هو المعقولات كلها بالفعل. هذا العقل المستفاد عندما يعقل أحد الموجودات خارجا عن ذاته فهو لا يعقله كونه صورة في مادة خارج النفس بل يدركه كونه معقولا حاصلا في ذاته أي معقولا بالفعل. وبالتالي فتعقله هو تعقل لذاته لا لأمر خارج ذاته لان المعقولات هي حاصلة فيه وهي عين ذاته وهذا معنى قول الفارابي أن العقل عين المعقول.

واذا كانت كل المعقولات حاصلة في العقل يصبح العقل عين كل الموجودات وعين كل المعقولات وحينئذ هذا معنى العقل المستفاد وحقيقته، وهذه هي رتبة العقل الفعال التي يصلها العقل المستفاد أي عقل الحكماء والانبياء عليهم السلام.

رابعا: العقل الفعال:

العقل الفعال
العقل الفعال

المرحلة الرابعة هي مرحلة العقل الفعال أو رتبة العقل الفعال. ما يمكن التنبيه عليه في هذه الرتبة أنها لا تشكل تطورا للعقل الإنساني، العقل الجزئي، لأن أكمل رتبة يصل إليها هذا العقل الجزئي والعقل الانساني هي رتبة العقل المستفاد. أما هذا العقل الرابع فهو عقل مفارق كامل لا يخضع للصيرورة ابتداؤه هو بالفعل ولم يكن بالقوة أصلا نسبة العقل الفعال إلى العقل بالقوة كنسبة الشمس إلى العين المبصرة لأن العين من دون ضوء هي بالقوة مبصرة فإذا حصل الضوء في البصر وفي الهواء صار البصر بما حصل فيه من الضوء بصرا بالفعل وصارت المرئيات مرئيات بالفعل فهكذا دور العقل الفعال دور الشمس والضياء الذي يكون مبدأ لترى العين مثلا الألوان والأجسام المرئية بالقوة.

العقل الفعال يعطي العقل بالقوة مبدأ تصير به المعقولات بالقوة له معقولات بالفعل وبذلك المبدا صارت المعقولات معقولات بالفعل. في الفرق بين العقل بالفعل والعقل الفعال أن العقل بالفعل معقولاته بالفعل كانت معقولات بالقوة خارج نفسه وكان بالنسبة إليها عقلا بالقوة. فالمعقولات في العقل بالفعل ابتداؤها صور في مواد وانتهاؤها صور مجردة أي حصل انتقال في المرتبة الوجودية للعقل من القوة إلى الفعل أما العقل الفعال فهو يعقل من الموجودات الأكمل أي صورا مجردة من المواد ابتداء.

فمثلا الصور التي هي في مواد بالنسبة للعقل بالقوة هي في العقل الفعال صور منتزعة قبل وبعد. فهي فيه بالفعل قبلا وبعدا لا أنها كانت في مواد وانتزعت من موادها بل أن العقل الفعال هو مبدأ الصور أو واهب الصور وهذه الصور فيه دون مادة مجردة لكن بحكم أن عالم الطبيعة لا يحتمل التجريد فإنه أي العقل الفعال يوجدها في موادها أي يوجد هذه الصور في موادها أو يرفع هذه المواد الى صور.

ثم أن العقل الفعال فيه قوة أن يجعل في المادة صورا ثم يرقيها إلى أن يقربها من المفارقة طورا وطورا إلى أن تحصل الصورة التامة وهي وجود العقل المستفاد. وبذلك يحصل للإنسان آخر ما يتجوهر به ويتحصل على كماله الأخير وغير العقل الفعال، هناك العقل الأول والموجود الأول والواحد الأول والحق الأول فهو يعقل ذاتة فقط وعقلة ذاته هو عقل لكل الموجودات إذ أنه مبدا وجودها ويليه العقول الثواني وهي العقول التسعة التي صارت عقولا مفارقة عن ذلك المبدأ بالترتيب من العقل الأول إلى العقل التاسع فالترتيب أن الأول لا يعقل إلا ذاته والعقول التسعة لها تعقل ذاتها وتعقل المبدا والعقل الفعال له ثلاث تعقلات؛ يعقل ذاته ويعقل الثواني ويعقل الأول.


تعليقات