التأويل العرفاني وفهم المعاني عند الشيخ العلاوي
![]() |
التأويل في عرفان الشيخ العلاوي المستغانمي |
عملية فهم المعاني من الألفاظ والكلمات والحروف تتأطر وفق مقام العارف من الوجود وعلى حسب جهة تموقعه، فيتلقى اللفظ الذي يحيله إلى المعنى وذلك حسب باطنه، فمهمة العارف هي كيف يربط بين اللفظ المنطوق والمعنى الذي يتحقق به، وينزل عليه بمثابة المطابقة الضرورية، وذلك من دون تكلف، كما هو الشأن عند علماء الظاهر. لأن العارف متجذر وجوديا في أعماق الوجود لا تنفصل عنده الأمور، وهذا التجذر لا يمكن فهمه إلا في إطار برزخية العارف، والبرزخ معروف بعدم اانفصال عن أي موجود.
الفهم الملازم لحال العارف:
يحكى أن مولاي العربي الدرقاوي كان مارا مع جماعة من مريديه على مجلس لهو وغناء فسمع مُغنٍّ يقول: " راحت الهائجة وخلت الفائجة" (ذهبت الهائجة وخلفت وراءها الفائجة)، فذهب إليه الشيخ وأطرق يستمع إليه وبعدها أعطاه دراهم معدودة، ولما ابتعد مع مريديه، احتجوا عليه كيف يستمع إلى ما لا يحل سماعه، فقال لهم كيف لا أستمع من ينشدني عن الهائجة التي ذهبت وتركت الفائجة، وأشار بذلك إلى نفسه حيث ذهبت واستراح من معالجتها[1]، وقصص من هذا النوع كثيرة حدثت للعارفين بالله.
وهي أحوال ترد عليهم حيث يقهرهم المعنى الذي يكونون عليه نتيجة مناسبة تقترن به، ويسمون هذه الإحالة إلى المعنى الباطن المقترن بسمع كلمة أو عبارة، أو نداء، بالفهم عن الله، "فالصوفي يصرف وجه قلبه، عند استماع اللفظ أو قراءته، لا إلى معاجم اللغة ومجازها ورموزها بل إلى الله تعالى، وينتظر أن يعلمه ما لم يكن يعلم، بمناسبة السماع والقراءة"[2]، وهي الحالة المطلوبة لدى العارفين بالله، بحيث يعد من لا يتحقق بها غافلا.
وهذا الذي يميزهم عن غيرهم من العلماء، " اعلم أن القوم لا يفهمون مخاطبة الخلق لهم إلا عن الله وذلك ما يقتضيه مقامهم لا يستعملونه في أنفسهم، فلا تستغرب يا أخي من فهمهم من الكلمة الواحدة الموضوعة على معنى مخصوص معنى آخر فإن ذلك عندهم من أشرف المقامات وأعظم الدرجات... وقد أجمع أهل الله على أن الفهم عن الله على قدر مقام العبد عند الله... فإن القوم وإن اشتركوا مع غيرهم في ظاهر اللفظ فإنهم مختلفون في القصد كما أنهم اشتركوا في المشهود، واختلفوا في الشهود فكذلك اشتركوا في المسموع واختلفوا في الأسماع"[3]. وهذا ما نلمسه في اعتبارهم للأمور، سيما الصوامت منها أو لنقل الأعجمية منها من كائنات حية وما نعتبرها غير حية كالجمادات والحيوانات والمسطور والمسموع من الأمور.
لغة العبارة ولغة الإشارة:
![]() |
لغة العبارة ولغة الإشارة |
بل إن التأويل الذي يرجع فيه ظاهر اللفظ إلى معنى باطن يكاد يكون أمرا اعتباطيا، بحيث قد يستخرج من اللفظ ضد معناه، وما هو ضد معناه، وإنما التأويل العرفاني، يكشف عن مستويات دلالية تدق فيها القرينة المرجعية في السير من الظاهر إلى الباطن، بما يؤدي إلى الاعتقاد بأن التأويل هو ليٌّ للنصوص والألفاظ حتى تؤول إلى المعنى المراد، بينما الأمر في العرفان على غير ما يفهمه المتمسكون بالحرفية في الفهم.
فأمر الفهم عند العارف معكوس، بحيث تعد الأصول اللغوية وقواعدها شاهدة لفهمه لا مؤسسة له كما الشأن عند علماء اللغة، "إن تأويل النص وفهمه هما من جملة المواهب الإلهية التي تفجأ الإنسان، لكأنهما يتنزلان في قلبه. وهذا لا يعني أن الصوفي معفى من النظر في الأصول اللغوية والشرعية، بل يعني ذلك أنه لم يستدل بالأصول لإنتاج معرفته التأويلية، وإنما قامت هذه الأصول بدور الشاهد على التأويل ومشروعيته"[4]، لأن عالم المعاني لا يكاد ينحصر، وأصله الأساسي باطن الإنسان لا المفردات، إذ هي مجرد مظاهر تختزن تحتها من المعاني ما لا حصر.
العنصر المرجعي في الدلالة هو ارتباط الإنسان بالمعنى وحضوره، "وإذا استقر في ذهنك أيها القارئ اللبيب أن نقطة الباء جامعة لسائر الأحكام والرسوم، والمعارف والفهوم، فمن باب أولى وأحرى الكلمة... فلهم أن يستخرجوا ما شاؤوا من أي شيء شاؤوا، تالله لو أراد أحدهم أن يستخرج العسل من الخل لفعل؛ والله يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي (الأنعام/ 95). كل ذلك دليل على ما منحهم الله من الأسرار والمعارف والأنوار"[5].
أولوية الجنان في فهم اللسان:
وما يقال عن فهم القوم من الألفاظ يقال كذلك عن فهمهم للوجود ومظاهره، حيث تحققوا أن الكثرة الكونية هي كاشفة عن وحدة حقيقية، واعتبروا أن الوجود واحد لا كثرة فيه، واستطاعوا أن يتحققوا بهذه الوحدانية، إلى غيره من الفهوم، المفارقة لما عهده أهل الاختصاص كل في مجاله، من فقهاء ومتكلمين وفلاسفة وعلماء اللغة، والبيان، "فإن القوم وإن اشتركوا مع غيرهم في ظاهر اللفظ فإنهم مختلفون في القصد كما أنهم اشتركوا في المشهود واختلفوا في الشهود كذلك اشتركوا في المسموع واختلفوا في الأسماع"[6].
قاعدة العارفين بالله في فهم المعاني، أولوية علم الباطن، "لكونهم لا يقفون مع ظاهر الألفاظ وإنما ينظرون إلى المعنى الدالة على المراد ولا يلتفتون للحن ولا لإعراب بل يأخذون المعنى حيث وجدوها فهم ناظرون لإشارة الأرواح غافلون عما يتلفظ به اللسان"[7]، ذلك أنه لا معنى لإصلاح اللسان مع خراب الجنان، ويعدون من يصلح قلبه دون لسانه فقد حاز كمالا دون كمال، ولا يتم كماله إلا بالإثنينن أي بإصلاح القلب واللسان.
الكل حق ولا معنى لتأويل متكلف:
![]() |
الكل يشير إلى الحق |
وقد يصل الأمر عند العارفين بالله إلى سماع ما لا يسمع، فيأخذون علمهم من أحقر الأشياء، وهم، طبعا لا يرون أية حقارة فيما هو موجود، لأن كل موجود يشير إلى وحدانية المعبود، ولا قبيح بل الكل مظهر للجمال الإلهي، "ولهذا صاروا يسمعون غير الشيء المسموع حتى صار أحدهم يأخذ علمه من أصغر الأشياء في عيون الناس ولا حقارة عند هؤلاء الناس بل عندهم كل ما في الوجود يشير لوحدانية المعبود ويصير اللفظ القبيح في أسماعهم محمودا"[8].
نحن نستطيع أن نقول أن العارف هو المعنى وهو المرجع، لعدم انفكاكه عن معنى المعاني أي الحق تعالى، وبالتالي هذا يلين كل مفردة في فهمه ويسهل تطويعها حتى تكون دالة على معنى كمالي أو وجودي، فلا إشكال في البحث عن المعجمية والتواضع اللغوي في فهم العارف.
مع العلم أن الانتقال من الظاهر إلى الباطن ومن اللفظ إلى المعنى، هو عملية ضرورية والارتباط بين الظاهر والباطن واللفظ والمعنى كذالك ضروري، ووجوبي، وليس أمرا احتماليا وظنيا، بحيث يمكن خلافه، فمثلا ينصح الشيخ العلاوي المطلع على تفسيره للقرآن، من خلال البحر المسجور، أن لا يقيس ما يقرأه بما عهده وتعلمه، "لأن كلام الروح يباين كلام البدن، فأكثره جاء بلسان الخصوصية الذي ليس لنا فيه كبير اكتساب، إلا ما كان من قبيل التوجه والتلقي من حضرة الله، والمعنى أنه ليس من قبيل التكلف والتعسف"[9]، اللهم إلا أن يكون معنى أرقى في المستوى يكشف عن علو مقام صاحبه.
فهنا يقع الإذعان للأعلى، ذلك أن الاختلاف قد يقع بين العارفين بالله في الفهم وهذا الاختلاف لا يكون بمقام اختلاف تضاد، بحيث يكون بين المعنيين تعاند، وإنما الاختلاف يكون اختلافا طوليا بالنظر إلى تفاوت المراتب وحل هذا الأمر يكون بالإذعان لصاحب الفهم الأعمق.
استناد التأويل إلى السماع لا الفكر والتروي:
في حين أن لغة أهل الفكر يستقل فيها مستوى اللغة عن مستوى الوجود، فهي لغة القال لا لغة الحال، أي لغة تحيل إلى غياب لا إلى حضور، على عكس ما تثيره عند العارف، فكما يتحدث الشيخ العلاوي عن تجربته في التعامل مع القرآن يقول: "وهكذا الواحد منا مهما تقوى يقينه وانشرح باطنه فيما يسمعه من ألفاظ القرآن، فلا يراه إلا كلاما يكلمه الله به في ذلك الحال، ولا يستدل عليه إلا به، لما يجده في قلبه من تأثير النزول ورعدة الزواجر... وهكذا لما ينزل به على محمد (ص) يحصل له من تأثير النزول ما ترتعد به مفاصله، ولن يزال هكذا مهما مر على قلب فارغ من الكدورات إلا ويحدث فيه من تأثير النزول، وقد كان لي نصيب من ذلك ـــــ والحمد لله ـــــ فكنت مهما يطرق سمعي كلام الله فترتعد بوادري عن الفحص، حتى كأني أسمع حسيسا من بقية صلصلة الجرس، وكنت إذا تناولت المصحف الكريم... نراه كتابا وصل إلي من حكيم عليم... ولا تحسبن ما رسمته هو مجموع ما فهمته، بل و لا عشوره"[10].
ما يقال عن القرآن يقال على كل قول، فالعارف لا يفرق بين قول إنسان، أو نطق بهيمة، أو صوت طبيعي من ريح، أو غير ذلك، وكذلك ما يقال عن الأقوال والكتب، والأكوان، فهي كلها تحيل إلى وجود الحق تعالى، لذلك قال الشيخ العلاوي، كما ذكرنا سابقا أن القوم يستخرجون الجد من الهزل، ولا فرق عندهم بين كلام باطل وكلام حق، لأن كل ما ظهر فبالحق ظهر.
على الولي أن يفهم خطاب الحق في كل صفحة، سواء صفحة التكوين، أو صفحة التدوين، أو صفحة التلوين، أو صفحة القول، أي كل مفردة، والجامع لكل هذا، أنها برزت وظهرت. وما ليس بموجود لا يعرف البروز، وما برز إلا الحق تعالى في مرايا الكونيات والاعتباريات، هكذا يفهم العارف اللغة مهما كانت، "ليس الشأن أن ترفع بصرك للخلق، إنما الشأن أن ترى الحق، ما خلقت الأشياء لتراها ولكن ترى فيها مولاها، حتى إذا عرفت الله في الأشياء كانت الأشياء معك، وأنت مع الله، فتصير أميرا عليها بإضافتك لله عز وجل، وربما تنوب عنه في بعض الأمور كما ينوب المضاف عن المضاف إليه"[11].
[1] نقلا بتصرف عن، أحمد بن مصطفى العلاوي، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين بطريق الصوفية، ص 18.
[2] الحكيم، سعاد، إبداع الكتابة وكتابة الإبداع، دار البراق، بيروت، 2004، ص 40.
[3] المصدر السابق، ص 16–17.
[4] الحكيم، سعاد، مرجع سابق، ص 40 – 41.
[5] المصدر نفسه، ص 13.
[6] المصدر السابق، ص 16.
[7] المصدر نفسه، ص19.
[8] المصدر نفسه، ص 17
[9] أحمد بن مصطفى العلاوي، البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور، ج1، ص 13.
[10] المصدر نفسه، ج1، ص 24.
[11] أحمد بن مصطفى العلاوي، المواد الغيثية الناشئة عن الحكم الغوثية، ج2، ص 152
اكتب تعليقا يدعم التدوينة ويساعدنا لتطوير خبرتنا