📁 آخر الأخبار

الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي المستغانمي وسلوك التصوف



الشيخ العلاوي وسلوك التصوف

الشيخ أحمد العلاوي المستغانمي وسلوك التصوف
الشيخ أحمد العلاوي المستغانمي وسلوك التصوف 
الشيخ العلاوي والطريقة العيساوية

أما فيما يتعلق بمساره الصوفي فكان قد بدأه بالانتساب إلى الطريقة العيساوية، لما رآه من حسن سيرة أحد مقدمي هذه الطريقة وما عرف به رجالها من تعاطي خوارق العادات، يقول: "أول ميل كان وقع لي لأهل النسبة على الإجمال، تعلقي بأحد الرجال من السادات العيساوية، كنت نراه متعففا يظهر عليه أثر الصلاح، وبعد ذلك اشتغلت بما تقتضيه تلك النسبة اشتغالا كليا، وأعانني على ذلك حالة الصبا، وما عليه الطبع الفطري من جهة ميله للخوارق، وقد مهرت في ذلك وكانت لي حظوة بين رجال تلك النسبة، وكانت عقيدتي فيما نتعاطاه إلا التقرب إلى الله عز وجل"[1]. غير أنه تخلى عن الانتماء إلى هذه الطريقة مع حفاظه على أورادها نتيجة اطلاعه على رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها استفاد منها ترك تعاطي الخوارق.

البحث عن الشيخ المربي:

لكن الشيخ العلاوي كان متشوقا إلى من يأخذ بيده في السلوك إلى الله، حتى وهو يزاول التجارة لم ينقطع عنه هذا الطموح، يقول: " كنت أتذاكر مع شريك لي في التجارة وهو الأخ المرحوم المقدم سيدي الحاج بن عودة بن سليمان ونتفاوض دائما في شأن الصالحين وأحوال العارفين، ونرى من الواجب المتحتم اتخاذ قدوة في طريق الله على الشرط المقرر بين أهل الفن... وعلى كل حال كنا بصدد البحث، إلى أن وفق الله رفيقي ذات يوم فقال لي: كنت أعرف أحد المشايخ يدعى سيدي حمو الشيخ شريف النسب... ثم أننا من بعد أيام ونحن في تجارتنا وإذا برفيقي يقول لي: هذا هو الشيخ مارا على الطريق، ثم قام إليه، ودعاه إلى الجلوس عندنا فجلس"[2].

ثم بعد ذلك بدأ الشيخ البوزيدي يتعاهدهما بالزيارة، والحديث، فأما الشيخ بن عودة بن سليمان فقد سبق الشيخ العلاوي في التتلمذ على الشيخ البوزيدي، وأما الشيخ العلاوي فبعد توجه الشيخ البوزيدي إليه بالإشارات المتكررة قبل باتخاذه قدوة له في الطريق، ومن تلك الإشارات، "أخذ ذات يوم يحقق النظر في ثم قال للمقدم المذكور ـــــــ يقصد سيدي بن عودة بن سليمان ـــــــ إن الولد صالح للتربية... وفي مرة أخرى وجد بيدي ورقة فيها ما يتعلق بمدح الشيخ سيدي محمد بن عيسى رضي الله عنه وبعدما نظرها قال لي: إن دامت بنا الحياة تكون إن شاء الله من أشباه الشيخ سيدي محمد بن عيسى أو تكون في مقامه"[3].

باب الدخول على الدرقاوية:

على كل هذه مقدمات الشيخ في سلوكه الطريق الصوفي، ويذكر كذلك الشيخ العلاوي قصة وقعت له مع الشيخ البوزيدي قبل أن يتخذه شيخا حيث صدمه في عمق اعتقاداته مما جعله يفكر مليا في أمر مجاهدة النفس على شرط الصوفية يقول:" فقال لي ذات يوم – يقصد الشيخ البوزيدي – وهو عندنا بدكاننا: إنه بلغني أنك تأخذ الحية ولا تخشى من لسعها. فقلت له نعم، هكذا كنت. فقال لي: هل يمكنك الآن أن تأتينا بواحدة فتأخذها بحضورنا؟ فقلت له متيسر. وذهبت من حيني إلى خارج البلد، وبعدما مر علي نصف يوم لم أجد إلا واحدة صغيرة الجرم...ثم وضعتها بين يديه، وأخذت أقلب فيها كما هي عادتي، وهو ينظر رضي الله عنه إلى ذلك، ثم قال لي: هل تستطيع أن تأخذ... مما هو أكبر وأشد منها بأسا فإن مسكتها فأنت الحكيم. فقلت له فأين هي؟ فقال: هي نفسك التي بين جنبيك، فإن سمها أشد من سم الحية، فإن مسكتها وتصرفت فيها فأنت الحكيم... فخرجت من عنده، وأنا أتخيل في شأن النفس وكيف يكون سمها أشد بأسا من سم الحية"[4].

قيمة الشيخ من جنس عشق المريد:

انتهت هذه المقدمات باتخاذ الشيخ البوزيدي أستاذا مربيا فعرف الشيخ العلاوي فيه الأستاذ الكامل والناصح الحقيقي الذي دله على كل معالم الطريق إلى أن أوصله إلى الحق بلا شبهة إذ يقول فيه الشيخ العلاوي: " كان أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه يقول: مالي وصحبة الأميين، والله لقد صحبنا رجالا، لو نظر أحدهم إلى شجرة يابسة لأثمرت من حينها. نعم فقد تلاقينا بمثل ما ذكر الشيخ. فكان أستاذنا الشيخ سيدي محمد البوزيدي رضي الله عنه ليس بينه وبين المريد إلا أن يرضى عليه. فقد لاقيناه وليس فينا من قابلية الطريق إلا مجرد المحبة. فما مرت علينا أيام إلا وصرنا في مقام يعجز عن وصفه بدون استعداد لذلك، وقلت له مرة جزاك الله خيرا يا سيدي فإنك أكرمتنا بما لسنا له أهلا. فقال لي: أنتم جزاكم الله خيرا حيث أتيتمونا. فوالله لو تلاقينا بمن لا يحسن الشهادة لعلمناه بما علمناكم بدون شعور"[5]

دامت ملازمة الشيخ العلاوي لأستاذه إلى أن توفي الأستاذ وخلفه في الإشراف على الطريقة بعد ما وقع اختيار رجال الطريقة عليه ليشرف على الفقراء من بعد الأستاذ البوزيدي لكن الشيخ العلاوي كان يتعلل في الخروج من الوطن لغرض الاستقرار في المشرق لما رآه من فساد أخلاق الجزائريين وضغط سلطات الاستعمار على العمل الديني في الجزائر، لكن إجماع أكابر الفقراء العلاويين ومساعدة الأقدار لهم ألزم الشيخ العلاوي بترك فكرة الهجرة خارج الوطن " لما اقتضى نظر الفقراء أن لا يسمحوا لي بالذهاب، وساعدتهم الأقدار على ذلك، فعزموا على اجتماع عمومي يكون بزاوية الأستاذ رضي الله عنه، ولما وقع الاجتماع تحت أنظار أكابر الفقراء... ثم وقعت البيعة من جميعهم قولا، وهكذا استمرت على ذلك من أكابر الفقراء، أما المبتدئون فكانت تؤخذ منهم بعد ذلك بالمصافحة، أما من كان من أتباع الطائفة خارجا عن البلاد، فإني ما كاتبت أحدا منهم، ولا ألزمتهم بالرجوع إلينا، حتى أخذت بعد ذلك تتوارد علينا طوائف الفقراء مختارين معترفين، يشهدون على أنفسهم، ويخبرون بما سمعوه من الأستاذ، أو حصل لهم من قبيل الاستعداد"[6].

[1] المرجع نفسه، ص 21.
[2] المرجع السابق، ص 22- 23.
[3] المرجع نفسه، ص 24.
[4] المرجع نفسه، ص 22.
[5] أحمد بن مصطفى العلاوي، المواد الغيثية الناشئة عن الحكم الغوثية، المطبعة العلاوية، مستغانم، ط2، 1989،ج1، ص 116 – 117.
[6] بن تونس ،عدة، مرجع سبق ذكره، ص 33.
تعليقات