![]() |
العقل ومستوياته في فكر الأمير عبد القادر |
في فكر الأمير عبد القادر نميز مستويين معرفيين: الأول يقوم على النظر ويدخل فيه مذهبه العقدي والشرعي والرؤية الفلسفية التي تؤطر نظره.
بناء على هذين المستويين فإن مفهوم العقل ووظيفته يختلف من مستوى إلى آخر لا مجال لفهم واحد للعقل ولا لوظائفه، وهذا بدوره ينعكس على تصور القضايا وبنائها.
ما يمكن ملاحظته في رؤية الأمير أن هناك شبه انقطاع بين زمانين من حياة الأمير زمان قبل لقائه بالشيخ محمد الفاسي وزمان بعد لقائه بالشيخ ما يجعلنا نحكم بأن حياة الأمير عبد القادر فيه شبه كبير بحياة مولانا جلال الدين الرومي في علاقته بالتصوف وبالشيخ شمس الدين التبريزي، يعني أن حياة الأمير يظهر فيها الإنقلاب الروحي جليا وواضحا بعد لقائه بشيخه الدرقاوي فكأن الأمير ما عرف حقيقة العرفان إلا بهذه الجذبة الروحية التي وقعت له عند لقائه شيخه الدرقاوي.
ونلمس هذه الملاحظة جليا إذا طالعنا كتابات الأمير بين بين المقراض الحاد وذكرى العاقل وتنبيه الغافل من جهة حيث لا نشعر بنفس صوفي بل تظهر شخصية الأمير الكلامية الأشعرية والرجل الفقيه وفقيه علوم العقل والنقل.
ونلمس شخصية أخرى في كتاب المواقف. فعندما نريد التنظير للعقل عند الأمير يجب أن نأخذ بالاعتبار هذا التغير في شخصية وفكر الأمير.
ملخص عن الأمير وفكره:
يمكن تقسيم حياة الأمير عبد القادر الفكرية إلى قسمين بحسب التكوين العلمي الذي نشأ عليه.
فهو المتكلم المقتدر في علم الكلام الأشعري من خلال تمكنه من مادة العقائد الأشعرية من متونها كمؤلفات فخر الدين الرازي والإيجي في شرح المواقف والتفتازاني وتمكنه من السنوسية في العقائد وكان قد خصها في تدريسه للعقائد، وهو الذي له تعليق على حاشية جده في العقائد.ويظهر كذلك تضلعه في المعارف العقلية من خلال رسائله الموجهة للفرنسيين والغرب عموما ككتابه المقراض الحاد وذكرى العاقل وتنبيه الغافل بحيث في هاذيم الرسالتين لا يبرز الجانب الصوفي من شخصيته. هذا الجانب الأول من تكوينه العلمي.
أما في الجانب الثاني في حياة الأمير يظهر حرص الأمير عبد القادر على سلوك حياة التصوف وتذوق معاني المعارف اللدنية وظهر ذلك من خلال كتابه المواقف حيث يظهر العالم الأكبري وريث المدرسة الأكبرية، فهو الأمير الدرقاوي ذي المشرب الأكبري. فمثلا في مساره الصوفي أخذ عهد الطريق أي السلوك والذكر على ثلاث شيوخ لطرق صوفية مختلفة.
ففي البداية وفي دمشق أخذ النقشبندية عن الشيخ خالد النقشبندي، ثم في بغداد أخذ الطريقة القادرية عن الشيخ محمود الكيلاني، ثم في دمشق بعد ذلك مرة أخرى أخذ الطريقة المولوية عن الشيخ صبري وكان شيخ الطريقة المولوية بدمشق، وفي مكة المكرمة وكانت المرحلة التي تم فيها الفتح الكبير حيث أخذ الطريقة الدرقاوية الشاذلية عن الشيخ محمد الفاسي، وله قصيدة مشهورة في هذا الباب حيث يتحدث عن النعمة الخاصة التي اختص بها وهي مرحلة الولاية المحمدية، فهو يحكي عن حقيقة سلوكه التصوف: " وكنت مما رحمه الله تعالى وعرفه بنفسه وبحقيقة العالم على طريقة الجذبة لا على طريق السلوك"[1]
هذا التصريح يفيدنا في فهم فكر وحياة الأمير عبد القادر أنه لم يتدرج في سلوك التصوف بالمعنى العام والاعتيادي كأن يتخذ شيخا يسلك معه الطريق بالتدرج عبر مقامات الكمال من البداية إلى النهاية، بل إن الأمير بحسب تصريحه هذا يكشف عن طبيعة تصوفه بمعنى أن جذبه سبق سلوكه وإن كان قبل تحقق الجذبة كان متنسكا وسالكا تهذيب نفسه لكن في الإطار الإيماني العام، وهذا لا يتعارض مع أخذه عهد الطريق النقشبندي والقادري والمولوي، يعني أنه حرص على الانتساب للتصوف لكنه لم يتوفق للخصوص فكان مريدا عاما منتسبا إلى التصوف لكن لم يدخل باب السلوك الخاص، وتحقق له الفتح فجأة ومن غير سلوك وربما كان هذا عند لقائه الشيخ محمد الفاسي، تقريبا هذا نفس حال مولانا جلال الدين الرومي الذي حذث له انقلاب روحي عند لقاء أستاذه شمس الدين التبريزي.
ما يمكن تلخيصه في فكر الأمير أنه مخلص الإنتماء للأشعرية في رؤيته الدينية العامة وهذه هي عقيدته العامة التي يحكمها على كل فكر ويخضع عليها كل حكم سواء في الإلهيات أو الطبيعيات أو الشرعيات وعموم الثقافة. وفي عين أشعريته هو العارف بالله الفاني في التجليات الإلهية صاحب القلب العامر بأنوار التجليات الإلهية يخضع كل شيء إلى أنوار وحدة الوجود.
الأمير والفلسفة
ومعلوم تخصيص الأشاعرة للفلسفة وللفلاسفة جزءا مهما في كتبهم للرد على الفلاسفة وإثبات بطلان مذهبهم فالأشاعرة اختصوا في كلامهم في الرد على المعتزلة والفلاسفة أساسا وهذا إبرازا لنظريتهم في العقل ومجال استعماله وحدود علومه.
![]() |
الأمير والفلسفة |
نذكر بعض موارد النقد بشكل موجز:
أولا:
ففي بسط نظريته في العقل وأقسامه يخص الأمير عبد القادر فلاسفة الإسلام بالنقد والتخطئة. يقول الأمير: " قسم الفلاسفة العقل إلى عشرة أقسام ولم يقدموا الدليل، زعموا أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، والصادر هو العقل الأول وردي عليهم أن العقل أربع مراتب"؛ ففي هذا النص يرد على نظرية الفيض التي تجعل عدد المفارقات الفائضة عن واجب الوجود هي العقول العشرة أولها العقل الأول وأدناها العقل الفعال وهو العقل العاشر. وفي نفس الوقت يرد على قاعدة الفيض التي تنص على أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد. لأن الأشاعرة يجوزون صدور الكثرة عن الواحد.
ثانيا:
يرفض الأمير نظرية الفيض لأن من لوازمها القول بقدم العالم ونفي القدرة والمشيئة في الخلق. فمثلا الأمير عبد القادر في المقراض الحاد ينقل نصا للإيجي في شرحه للمواقف في علم الكلام ينقل: إن الله خلق العالم فاعل مختار، وخالفه بذلك بعض الفلاسفة فأنكروا القدرة بالمعنى المذكور لاعتقادهم أنها نقصان، وقالوا أن مشيئة الفعل هي الفيض والجود وقالوا بقدم العالم، وهذا محال باالبداهة فبعض الفلاسفة جرهم الجدل العقلي إلى قصور وحيرة حتى أفلاطون الذي أدرك وجود الخالق ولكنه عندما بحث في أسرار الخلق أدركه الفشل كما أدرك تلميذه أرسطو أيضا"
نستفيد من هذا النص أن الأمير يعترض على الضرورة التي تحكم عملية فيض الموجودات فكأنما نسحب عن الذات الإلهية صفة الاختيار ونقيدها من حيث القدرة، لأن الفيض بالمعنى الفلسفي يجعل الموجودات لازمة الوجود لمجرد وجود الواجب من غير تأن ولا تراخ بين المعلول وعلته، فمثلا الفارابي في تعبيره عن الفيض يقول: " متى وجد الوجود الذي هو له أي لله وجد عنه، فواجب الوجود لوجوده وجد عنه ولا معنى لاختيار وإرادة وقدرة تكيف الموجودات كما تشاء.
وتحدث الأمير عن حيرة أفلاطون وتلميذه في فهم أسرار الخلق أي أن الفلاسفة تاهوا في الطبيعيات، وهذا يذكرنا بجهد الغزالي في موقعة الفلاسفة معرفيا حيث في كتابه مقاصد الفلاسفة وقبل كتابته تهافت الفلاسفة أحصى 20 مسألة في الإلهيات والطبيعيات وحكم بكفر الفلاسفة في ثلاثة مسائل وبدعهم في 17 مسألة في الطبيعيات. وهنا الأمير يحكم بتيه أفلاطون وتلميذه المعلم الأول في معرفة أسرار الخلق.
ثالثا:
الحكم بمحدودية العقل وخصوصا في مجال التحسين والتقبيح وفي مجال الإلهيات، ومعلوم الموقف الذي اتخذته الأشعرية في مجال التحسين والتقبيح على خلاف موقف أهل الإعتزال، وقاعدة الأشاعرة في التحسين والتقبيح لازمة عن الحكم بمحدودية العقل في المعرفة والحكم.
ومحدودية العقل كذلك تلزم بعدم استقلاله في المعرفة لا سيما، وهذا يفتح المجال أمام ضرورة الوحي وقيمة الرسالة والنبوة. يقول الأمير: " ولقد جعل الخالق للعقل حدودا، وقد اختلف العلماء في الحدود التي يقف عندها عقل الانسان عاجزا، لأن هناك أمورا كثيرة لا يستطيع العقل الوصول إليها دون واسطة"، ولعل من الاعتقادات التي اتهم بها المعتزلة والتي هي من لوازم مذهبهم في التحسين والتقبيح العقليين هذه التهم هي إلزامهم بالقول بعبث بعثة الأنبياء، والذي يستحيل في حق الحكيم تعالى.
رابعا:
أن ثقافة الأمير عبد القادر الفلسفية لم تكن من خلال مطالعات مباشرة لنصوص الفلاسفة المسلمين بل كان يتلقى آراء الفلاسفة من خلال مطالعة كتب أقطاب متكلمي الأشاعرة الذين تصدوا للرد على الفلاسفة ومنهم على الخصوص الإمام أبو حامد الغزالي وفخر الدين الرازي والإيجي والتفتازاني، والشهرستني وهذا الاطلاع غير المباشر أثر على حكمه على الفلاسفة وأثر على فهمه لعلومهم ومادام بحثنا هو في نظريته في العقل نسجل أن نظرية فلاسفة الإسلام هي أكثر انتظاما مما وردت في مؤلفات الأمير خصوصا المؤلفات غير الصوفية كذكرى العاقل وتنبيه الغافل والمقراض الحاد.
العقل النظري والعقل العملي:
قبل تفصيل نظرية الأمير في العقل لا بأس أن ندرس التقسيم الأولي للعقل بين العقل العملي والعقل النظري، فالعقل النظري هو العقل الذي يعنى بإدراك الكليات زمعرفة الصحيح من الخطأ بينما العقل العملي هو الملكة التي تعنى بما ينبغي أن يفعل أو يترك،ويعتبر آفة المعرفة عند الغرب من خلال الفرنسيين أنهم عنوا بالعقل العملي دون النظري لأنهم كما يقول: "استعملوا العقل العملي وتصريفه فاستخرجوا الصنائع العجيبة والفوائد الغريبة فاقوا بها المتقدمين وأعجزوا المتأخرين رقوا بها أعلى المراقي وحصل لهم بها الذكر الباقي فلو استعملوا مع هذا العقل النظري في معرفة االله، وصفاته وفي معرفة حكمته في خلق السموات والأرض وما يلزم للإله من الكمال وما يتقدس عنه من النقص وما يمكن في حقه أن يفعله وأن لا يفعله لكانوا حازوا المرتبة، التي لا تدرك والمزية التي لا تشرك ولكنهم أهملوا استعمال هذه القوة النظرية حتى إنهم لا يسمع منهم لها ذاكرا ولا يعثر عليها في كتبهم ناظر".
نظرية الأمير عبد القادر في العقل:
اعتبر الأمير العقل والقلب بمعنى واحد وهو غير الكتلة الصنوبرية وسط الصدر، بل حقيقته حقيقة مجردة. ففي بيان كون العقل والقلب أمرا واحدا يقول: "وأما اللذة العقلية: فالعلم بحقائق الأشياء، إذ ليس يستلذ بها السمع والبصر... وإنما يستلذ بها القلب لاختصاصه بصفة، يعبر عنها بالعقل"
فالعقل بحسب تعامله مع المعلوم والحقائق وخصوصا الحقائق الدينية والحقائق المجردة فهو على مراتب أربعة وهي:
الأولى: مرتبة الفائز بالكمال العقلي المهيأ لمعرفة الأشياء بطاقات غير عادية.
الثانية: مرتبة العقول التي لم ترسم فيها المطالب ولا أضدادها، ولكنها لا تنكر الأسباب ومسبباتها، قابلة للإعتراف بمفهوم التكليف.
الثالثة: مرتبة العقول الرافضة هي ما خفي عنها رؤيته.. فقالت ليس في أذهاننا سوى مدركات حسية آنية وجوهر الأشياء لا وجود له. وهو هنا يشير إلى الماديين الذين رفضوا وجود المجردات. وعالم المعاني.
الرابعة: مرتبة العقول الملهمة كالموسيقيين والشعراء وأيضا التي هيأها خالق هذا الكون أيضا لتلقي الوحي كالأنبياء والمرسلين والإلهام الإلهي، وطريقهم هو الطريق الأمثل لمعرفة الله سبحانه وتعالى. هنا هو يشير إلى المفكرين الإلهيين من الحكماء والأنبياء والرسل.
العوائق العملية التي تحول دون تحصيل المعرفة المطلوبة:
العقل عند الأمير هو قوة لها قابلية المعرفة من حيث الاستعداد وهو الذي يعبر عنه الحكماء بالعقل بالقوة إذ يقول الأمير: "كل إنسان فهو مستعد لإدراك الحقائق على ما هي عليه. لكن امتناع ظهور العلوم في العقل أو القلب يرجعه الأمير إلى خمسة موانع وأسباب منها أسباب إبستمولوجية وأخرى عملية وهي بحسب قوله:
أولها: نقصان في ذات القلب كقلب الصبي فإنه لا تنجلي له المعلومات لنقصانه.
والثاني: الميل إلى الأشغال الدنياوية والخبث الذي يتراكم على وجه القلب منها، بينما الإقبال على طلب كشف حقائق الأشياء والإعراض عن الشاغلة القاطعة هو الذي يجلو القلب ويصفيه، فطلب العلم يرفع التفس لإلى محل التجرد فتتأهل لقبول الحقائق وتجلو من خلاله مرآة القلب.
والثالث: أن يكون معدولا به عن جهة الحقيقة المطلوبة.
والرابع: الحجاب فإن العقل المتجرد للفكر في حقيقة من الحقائق، ربما لا تنكشف له، لكونه محجوبا باعتقاد سبق إلى القلب وقت الصبا طريق التقليد والقبول بحسن الظن فإن ذلك يحول بين القلب والوصول إلى الحق ويمنع أن ينكشف في القلب غير ما تلقاه بالتقليد وهذا حجاب عظيم حجب أكثر الخلق عن الوصول إلى الحق لأنهم محجوبون باعتقادات تقليدية.. جمدت عليها قلوبهم.
والخامس: الجهل بالجهة التي يقع فيها العثور على المطلوب.
فإن الطالب للشيء يمكنه تحصيله بتذكر العلوم التي تناسب مطلوبه. حتى إذا تذكرها ورتبها في نفسه ترتيبا مخصوصا فعند ذلك يكون قد صادف جهة المطلوب فتظهر حقيقة المطلوب لقلبه فإن العلوم المطلوبة التي ليست فطرية لا تصاد إلا بشبكة العلوم الحاصلة، لأن العلوم طابعها تراكمي الإنتقال إلى المجهول يتم بجمع المعلوم وترتيبه ترتيبا يورث نتائج جديدة.
العلوم بمقابل العقل:
يعتبر الأمير عبد القادر أن العلم مفطورفي العقل يعني أن المعارف باطنة في العقل وظهورها في صفحة العقل يتم من خلال توفير أسباب نفسية عملية وليست أداتية، من خلال توجه النفس للعلمفيتم التحصيل أو الالتفات دونه فيتحقق الجهل فهو يقول: " ثم لما كانت معرفة الأشياء مركوزة في النفوس بالخلقة انقسم الناس إلى من أعرض بنفسه وهم الجهال وإلى من أجال خاطره فتذكر وهم العلماء، فكان هذا القسم كمن حمل شهادة فنسيها بسبب الغفلة ثم تذكرها.
فالعقل عند الأمير له نوعين من العلوم الأولى ضرورية وهي المفطورة فيه كالبديهيات والأوليات والثانية نظرية وهي تحصل بالتجربة والتفكير والاستدلال.
الضرورية لا يحصل بها التفاوت بين الناس وهذا يذكرنا بفكرة ديكارت الذي يعتبر أن أعدل قسيمة بين الناس هي العقل والمقصود به المعارف الضرورية، بينما المعارف النظرية من نوع المعارف المكتسبة فالناس ليسوا فيها سواء، يقول الأمير: " العقول متفاوتة بحسب خلقة الله تعالى التي خلق الناس عليها فعقول الأنبياء ليست كعقول سائر الناس وعقل أبي علي بن سينا فائق على كثير من العقول، التفاوت حاصل في الأقسام التي يطلق عليها اسم العقل، إلا العلم بالضروريات فإنه لا يحصل فيه تفاوت بين العقلاء، وأما قسم التجارب فتفاوت الناس فيه لا ينكر"
حدود العقل
![]() |
طور العقل وما فوق طور العقل |
العقل والعلوم الشرعية:
ملاحظة: في كتابيه المقراض الحاد ذكرى العاقل وتنبيه الغافل، لا يذكر الأمير موقع العقل من علوم الوهب فهو فقط يتكلم عن موقع العقل من علوم الشرع لأن هذه المرحلة معروف انطواء فكره في فكر متكلمي الأشعرية، بالإضافة إلى عدم تذوقه لعلوم الوهب. بينما في مرحلته العرفانية كانت إشكالية حدود العقل أمام علوم الذوق حاضرة بوضوح من خلال كتابه المواقف.
إذن في مرحلته الأولى لا يشذ الأمير عن متكلمي الأشعرية في الحكم على أن العقل له حد لا يتجاوزه فهو يقول: "أن العقل، إن بلغ من الشرف والاطلاع على حقائق الأشياء ما بلغ فثم علوم لا يصل إليها، ولا يهتدي إلى الاطلاع عليها، إلا بتصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد إليهم.
ويقول "إياكم أن تظنوا، أن العلوم الشرعية مناقضة، ومنافرة للعلوم العقلية، بل كل شيء جاء عن الأنبياء، مما شرعوه للناس، لا يخالف العقول السليمة، نعم، يكون في شرائع الأنبياء، ما تستبعده العقول، لقصورها عنه."
- عدم التناقض بين العقل والشرع لا يعني التساوي في الرتبة بل فيه إشارة إلى تراتب معرفي طولي بحيث يفنى الواحد في طول الآخر كفناء نور القمر في نور الشمس وكلاهما نور..
العقل والعرفان:
العقل في العرفان آلة لها التقليد سواء في الكونيات أو الإلهيات، فهو يأخذ علومه من الحس بتوسط الفكر في الكونيات أما الإلهيات وخصوصا في التجليات فوجب عليه أن يقلد القلب. لأن النظرية العرفانية تعتبر أن العقل له جهتان، جهة بما هو مفكر ومجاله الكونيات، وجهة القبول بالتعليم الإلهي.
والأمير يعتبر أن علوم الوهب تتجاوز طور العقل، ومهما استعمل العقل في الإلهيات فإن ذلك يورثه حيرة وضلالا. إذ يقسم الحيرة إلى حيرتين "حيرة أهل العقول الناظرين في ذات الله بعقولهم من فيلسوف ومتكلم فإنهم ضالون حائرون في كل يوم بل في كل ساعة يبرمون وينقضون ويبنون ويهدمون ويجزمون بالأمر بعد البحث الشديد والجهد الجهيد ثم يشكون في جزمهم ثم يجزمون بشكهم "[2] ويذكر نماذج هذه الحيرة من خلال نقل لكلام فخر الدين الرازي، والشهرستاني فينقل كلاما للفخر الرازي: " اللهم إيمانا كإيمان العجائز "
ويقول الأمير : " ولهذا ترى طوائف المتكلمين يلعن بعضهم بعضا ويكفر بعضهم بعضا بخلاف أهل الله تعالى العارفين به فإن كلمتهم واحدة في توحيد الحق. فحيرة هؤلاء حيرة جهل وظلمة.
أما الحيرة الثانية أي حيرة العارفين فهي غير حيرة المتكلمين إذ تحصل لهم من اختلاف التجليات وسرعتها وتنوعها وتناقضها فلا يهتدون إليها ولا يعرفون بما يحكمون عليها فهي حيرة علم لا حيرة جهل.
يقف الأمير عبد القادر على البنية الأساسية لوظيفة العقل والتي من خلالها يكشف عن حدوده في مجال الإلهيات بالخصوص فهو يقول: " العقل بمجرده قاصر عما يجب لله – تعالى - من إطلاق التجلي في المظاهر عاجز عن تنزيهه – تعالى – عن الدخول تحت تحكمات العقول وتقيداتها له – تعالى – فإن للعقل حدا يقف عنده من حيث هو عقل ونهاية لا يتعداها "[3] ولقد حذرت السنة النبوية الشريفة إعمال العقل في مجال معرفة الذات الإلهية واستكناهها فمثلا قوله (ص): " تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا " أو كما قال (ص). وتأكيدا لهذا المنحى يذهب الأمير – وسبقه الشيخ محي الدين ابن العربي – إلى أن العقل بما هو مفكر مجاله لا يتعدى السماء السابعة.
بينما هناك مجال يتعدى فيه العقل هذا الطور فيتحول من حالة ما هو مفكر إلى حالة ما هو قابل لذلك يقول الأمير عبد القادر: و" إنما شرف العقل وكماله هو قبوله لما تأتي به الرسل (ع) من ربهم ولما يفيضه – تعالى – على أتباع الرسل بواسطة ملك الإلهام وغيره ولا حد ولا نهاية للعقل يقف عندها من هذا الوجه"[4] ويؤيد ذلك قوله تعالى بفهم الأمير " وما يعقلها إلا العالمون "(العنكبوت/43) أي العالمون بالله بما عرفهم الله تجلياته يقيدونها ويتعقلونها بعقولهم القابلة ما ألهموا به. " إذ استناد الأمور الكونية ومثاليتها للحقائق الإلهية خفي عن العقول لا تدركه بآلاتها وما كان فوق حدها المحدود لها لا حيلة لها في الوصول إليه واكتسابه وإنما لها أن تتعمل بالأعمال الشرعية وتستعد الاستعداد الجزئي وتنتظر الوهب من الوهاب – تعالى – فإنها علوم وهب لا علوم كسب وهو المسمى بالعلم اللدني... ففيض هذا العلم متقدم على تعقله "[5]
الأمير عبد القادر الجزائري، المصدر السابق، ص60- 61.[2]
الصدر السابق، ص 229. [3]
المصدر نفسه، ص230.[4]
اكتب تعليقا يدعم التدوينة ويساعدنا لتطوير خبرتنا