معراج السؤال الميتافيزيقي في مدارج العقل والروح (1080 x 650 px) (9) (4)

أبو نصر الفارابي: (المعلم الثاني) سيرة علمية مختصرة

الحياة والنشأة

تُعد نشأة أبو نصر الفارابي وأصوله العرقية موضوعاً استأثر باهتمام المؤرخين والباحثين في تاريخ الفلسفة الإسلامية، نظراً للمكانة الرفيعة التي احتلها في العقل الجمعي الإنساني. وُلد محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ، المعروف بالفارابي، حوالي عام 260 هـ (872 م) في إقليم “فاراب” ضمن بلاد ما وراء النهر (كازاخستان الحالية)، وبالتحديد في قرية تُدعى “وسيج”. تضاربت الروايات التاريخية حول أصوله؛ فبينما تؤكد أغلب المصادر القديمة، مثل كتاب “وفيات الأعيان” لابن خلكان، أنه من أصل تركي لأسرة نبيلة -حيث كان والده قائداً عسكرياً في الجيش الساماني- ذهبت بعض المصادر المتأخرة إلى القول بأصوله الفارسية. نشأ الفارابي في بيئة عائلية ميسورة مكنته من نيل تعليم أولي متين في مسقط رأسه، حيث أتقن اللغة التركية (لغته الأم) والفارسية، وبدأ في استيعاب المبادئ الأولى للعلوم الشرعية واللسانية قبل أن تبدأ رحلته الكبرى في طلب “الحكمة” التي ستقوده إلى قلب الخلافة العباسية.

أما مرحلة التكوين العلمي الحقيقية، فقد بدأت مع ارتحاله إلى بغداد، التي كانت حينها تمثل المركز الكوني للعلم والمعرفة. هناك، دخل الفارابي في تجربة معرفية فريدة، حيث انكب على دراسة اللغة العربية حتى أتقنها إتقاناً تاماً جعلته قادراً على صياغة أدق المفاهيم الفلسفية بها. لم تكن نشأته في بغداد مجرد تحصيل علمي، بل كانت “انصهاراً” في مدرسة الترجمة والمنطق؛ فتتلمذ على يد كبار المناطقة السريان مثل متى بن يونس ويوحنا بن حيلان، وهما اللذان أدخلاه في دهاليز المنطق الأرسطي. هذه النشأة المركبة، التي جمعت بين جذوره المشرقية في تركستان وبين الثقافة اليونانية المترجمة في بغداد، صاغت من الفارابي عقلية نقدية عابرة للحدود، مكنته لاحقاً من لقب “المعلم الثاني”، لكونه الشخص الذي استوعب نسق العلوم القديمة وأعاد تصديرها في قالب إسلامي عقلاني رصين، تميز بالزهد والترفع عن المناصب الدنيوية، مفضلاً حياة التأمل التي استمرت حتى وفاته في دمشق.

شخصية الفارابي

رسم المؤرخون وكاتبو السير، مثل ابن خلكان والبیهقي والقفطي، صورةً لـ أبو نصر الفارابي تجمع بين هيبة الفيلسوف وورع الزاهد؛ فالفارابي لم يكن عالم بلاًط يسعى وراء الجاه والمناصب، بل صُوِّر كشخصية زاهدة انصرفت بكليتها إلى رياضة النفس والبحث عن الحقيقة. تذكر المصادر أنه كان يكتفي في معيشته بأربعة دراهم يومياً يجريها عليه سيف الدولة الحمداني، مفضلاً القناعة والتحلل من قيود المادة. وقد صوره المؤرخون بزيّه التركي المتواضع (القلنسوة والجبة)، حيث كان يقضي معظم وقته في التأمل والتدريس في بساتين دمشق وضفاف أنهارها، وهو ما يعكس نزعة “إشراقية” في شخصيته، تجعل من العلم فعلاً تعبدياً لا وسيلة للتكسب، حتى قيل إنه كان يكتب دروسه في رقاع مبعثرة لصرفه عن الاهتمام بجمع المال أو الشهرة.

من الناحية المعرفية، صور المؤرخون الفارابي كأعظم “منطقي” عرفته الحضارة الإسلامية، ووصفوه بـ المعلم الثاني الذي ألانَ عريكة الفلسفة اليونانية للغة العربية. كانت صورته في كتب التراجم تظهره بمظهر العبقري الموسوعي الذي لا يُجارى؛ حيث تروي الحكايات (وإن شابتها بعض المبالغات) أنه كان يتقن أكثر من سبعين لسانًا، في إشارة إلى انفتاحه الكوني وقدرته على استيعاب ثقافات الأمم. كما ركز المؤرخون على حدة ذكائه وقدرته على الإقناع بـ “البرهان”، مشيرين إلى أنه كان الرجل الذي “بيَّن أغراض أرسطو” وجعل الفلسفة علماً مستساغاً بعد أن كانت طلاسم محيرة، وهو ما منحه تقديراً خاصاً وصل إلى حد الاعتراف بفضله من قِبل فلاسفة كبار جاءوا بعده كابن سينا وابن رشد.

أما الجانب الجمالي والروحي في شخصيته، فقد صوره المؤرخون كفنان بارع لا يقل نبوغه في الموسيقى عن نبوغه في الفلسفة. تروي القصص الشهيرة التي ساقها ابن خلكان عن لقائه بسيف الدولة الحمداني، كيف استطاع الفارابي ببراعته في العزف أن يتحكم في مشاعر الحضور، فيضحكهم تارة، ويبكيهم تارة، ثم ينوّمهم جميعاً ببراعته في الألحان. هذه الصورة للمؤرخين تدمج بين “الصرامة المنطقية” و”الرقة الفنية”، مما جعل الفارابي في نظر التاريخ شخصية متوازنة تجمع بين العقل والوجدان؛ فهو الحكيم الذي يفسر نظام الكون بالأرقام والمعادلات، وهو نفسه الفنان الذي يترجم جمال الوجود بالألحان والأنغام، ليبقى في الذاكرة التاريخية رمزاً لشمولية الفكر وعمق الزهد وجمال الروح.

فلسفته باختصار

تقوم فلسفة الفارابي على بنية معرفية مركبة، استطاع من خلالها صهر روافد فكرية متنوعة في نسق واحد. ويمكن تقسيم مصادر فلسفته إلى أربعة مصادر أساسية شكلت جوهر “الحكمة المتعالية” لديه:

  1. الرافد الأرسطي (المنطق والطبيعيات)

يُعد أرسطو طاليس المصدر الأول والأهم للفارابي، ومنه استحق لقب “المعلم الثاني”.

  • المنطق: اعتمد الفارابي “الأورغانون” (مجموعة كتب أرسطو المنطقية) مرجعاً أساسياً، لكنه لم يكتفِ بشرحه، بل عمل على تعريبه وتطبيقه على اللغة العربية وعلومها.
  • الميتافيزيقا: نهل من كتاب “ما وراء الطبيعة” لأرسطو، وبنى عليه نظريته في “الموجودات” وتصنيف العلل، وإن كان قد أضفى عليها صبغة توحيدية.
  1. الرافد الأفلاطوني والأفلاطونية المحدثة (السياسة والصدور)

بينما أخذ من أرسطو منطقه، استلهم من أفلاطون رؤيته السياسية والروحية:

  • الفلسفة السياسية: استقى من كتاب “الجمهورية” لأفلاطون فكرة “الفيلسوف الملك”، وحوّلها في كتابه “آراء أهل المدينة الفاضلة” إلى فكرة “الرئيس الأول” أو “النبي الإمام”.
  • نظرية الفيض: تأثر بالأفلاطونية المحدثة (خاصة مدرسة الإسكندرية وفرفوريوس الصوري)، ومن هنا استمد نظريته الشهيرة في “الصدور”، التي تفسر كيفية خروج الكثرة من الواحد (الله) عبر العقول العشرة، وهو ما ساعده في التوفيق بين الخلق الفلسفي والوحدانية.
  1. مدرسة مفسري الإسكندرية والسريان

نهل الفارابي من شروح مدرسة الإسكندرية المتأخرة، ومن خلال أساتذته السريان في بغداد (مثل يوحنا بن حيلان ومتى بن يونس):

  • تعرف على التقاليد التفسيرية التي كانت تحاول التوفيق بين أرسطو وأفلاطون، مما دفعه لتأليف كتابه “الجمع بين رأيي الحكيمين”. هذه المدرسة زودته بالأدوات المنهجية لدمج الفلسفة اليونانية في سياق ديني.
  1. الرافد الإسلامي (الكلام والوحي)

رغم نزعته اليونانية، ظل الفارابي وفياً لمحيطه الحضاري:

  • علم الكلام: تأثر بالمناخ العقلي للمعتزلة في بغداد، خاصة في قضايا التوحيد والعدل والعقل.
  • الوحي والشريعة: اتخذ من “النبوة” مصدراً معرفياً موازياً للعقل، حيث حاول إثبات أن الحقيقة التي يصل إليها الفيلسوف ببرهانه هي ذات الحقيقة التي يتلقاها النبي بوحيه، مما جعل من “الدين” و”الوحي” مصدراً غائياً لفلسفته الأخلاقية والاجتماعية.

أهم العلوم التي نبغ فيها الفارابي

نبغ أبو نصر الفارابي في مصفوفة واسعة من العلوم، ولم يكن مجرد جامع للمعلومات، بل كان مؤسساً منهجياً أعاد صياغة هذه العلوم ووضعها في نسق منطقي واحد. إن موسوعية الفارابي جعلته يضع أول “دائرة معارف” إسلامية للعلوم في كتابه الشهير إحصاء العلوم.

  1. علم المنطق (سر لقب المعلم الثاني)

كان المنطق هو “الآلة” التي برع فيها الفارابي أكثر من أي علم آخر. لم يكتفِ بشرح كتب أرسطو، بل قام بـ:

  • تبيئة المنطق: طوع المنطق اليوناني ليتناسب مع بنية اللغة العربية، مفرقاً بين “النحو” (منطق اللغة) وبين “المنطق” (نحو العقل).
  • شرح الأورغانون: قدم شروحاً مستفيضة لكتب أرسطو الثمانية في المنطق، مما سهل على من جاء بعده (كابن سينا) فهم هذا العلم المعقد.
  1. الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع

يُعتبر الفارابي المؤسس الحقيقي للفلسفة السياسية في الإسلام. نبغ في دراسة طبائع المجتمعات وأنظمة الحكم:

  • المدن الفاضلة والجاهلة: حلل بنية المجتمع في كتابه “آراء أهل المدينة الفاضلة”، واضعاً شروطاً للحاكم الفيلسوف، ومقسماً المجتمعات بناءً على غاياتها (سعيدة، جاهلة، فاسقة، ضالة).
  • فلسفة القانون: ربط بين الشريعة والسياسة، معتبراً أن غاية السياسة هي تحقيق السعادة القصوى للإنسان.
  1. علم الموسيقى والرياضيات

كان الفارابي رياضياً وموسيقياً من الطراز الأول، وجمع بين الجانبين في دراسته للأصوات:

  • كتاب الموسيقى الكبير: يُعد أعظم عمل موسيقي في القرون الوسطى؛ حيث وضع فيه أسس علم “الهارموني” (التوافق)، ودرس الفيزياء الصوتية (الأكوستيكا) والنسب الرياضية للألحان.
  • الابتكار العملي: يُنسب إليه تطوير آلة “القانون” واختراع آلة “الرباب”، وكان يُعرف عنه قدرته العجيبة على العزف والتأثير في مشاعر السامعين.
  1. علم الإلهيات (الميتافيزيقا)

نبغ في مباحث “الوجود”، وهو أول من ميز بين الماهية و**”الوجود”** تمييزاً فلسفياً دقيقاً:

  • نظرية الفيض: وضع نسقاً كونياً يفسر كيفية صدور الوجود عن “الواحد” عبر العقول العشرة، وهو ما سمح بالتوفيق بين الفلسفة اليونانية والتوحيد الإسلامي.
  1. علم النفس وعلم المعرفة (الإبستمولوجيا)

درس الفارابي القوى النفسية للإنسان بدقة، ونبغ في تحليل كيفية حصول العلم:

  • مراتب العقل: قسم العقل في رسالته الشهيرة “في العقل” إلى (العقل بالقوة، العقل بالفعل، العقل المستفاد، والعقل الفعال)، مبيناً كيفية اتصال الإنسان بالمعرفة العلوية.
  1. علم الفيزياء والطبيعيات

رغم شهرته بالفلسفة، كانت له إسهامات في “الطبيعيات”:

  • مبحث الخلاء: ناقش وجود الخلاء ببراعة تجريبية ومنطقية سبقت عصره.
  • علم البصريات: كانت له آراء في طبيعة الضوء والرؤية أثرت في المدارس العلمية اللاحقة.

مؤلفات الفارابي

تُعد مؤلفات الفارابي “المعلم الثاني” مجمعاً فلسفياً ومنطقياً فريداً، حيث لم تقتصر على شرح التراث اليوناني فحسب، بل كانت محاولة لإعادة بناء الوعي الإنساني وفق نسق عقلاني صارم. تتنوع مؤلفاته بين المنطق، الفلسفة السياسية، الميتافيزيقا، والموسيقى، وهي التي مهدت الطريق لكل من ابن سينا وابن رشد.

1. آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

يُعد هذا الكتاب درة التاج في فلسفة الفارابي السياسية والاجتماعية. لا يبحث الفارابي هنا في السياسة كفن لإدارة الدولة فحسب، بل يبحث فيها كطريق لتحقيق السعادة القصوى. يبدأ الكتاب بتفسير ميتافيزيقي للوجود (نظرية الصدور)، ثم ينتقل لبناء هرمي للمجتمع يشبه أعضاء الجسم البشري، حيث يكون “الرئيس” هو القلب النابض. يشرح الفارابي في فقراته المطولة صفات الحاكم الفيلسوف الذي يتصل بالعقل الفعال، ويفصل في المقابل “المدن الجاهلة” و”المدن الضالة” التي انحرفت عن غاية الوجود الإنساني.

2. رسالة في العقل

هذا المؤلف هو أحد أدق الدراسات الإبستمولوجية (علم المعرفة) في العصور الوسطى. في هذه الرسالة، يتتبع الفارابي تطور مفهوم “العقل” عبر التاريخ الفلسفي، ويحلل المعاني الستة التي يُطلق عليها لفظ العقل. ويكمن جوهر الرسالة في تقسيمه للعقل البشري إلى مراتب: (العقل بالقوة، العقل بالفعل، والعقل المستفاد)، ويشرح كيف يترقى الإنسان في معارفه حتى يتصل بـ “العقل الفعال” (المرتبة العاشرة في نظام الصدور)، وهو المصدر الذي يفيض بالمعاني الكلية على العقول البشرية.

3. كتاب الموسيقى الكبير

لم يسبق الفارابي أحد في دقة هذا المؤلف وشبوليته، حيث جمع فيه بين “علم الحساب” و”فن النغم”. الكتاب ليس مجرد نصوص في التلحين، بل هو دراسة فيزيائية للصوت (الأكوستيكا) والنسب الرياضية التي تحكم الألحان. يشرح الفارابي في فصوله الطويلة كيفية صناعة الآلات الموسيقية (كالعود والرباب والقانون)، ويضع القواعد الرياضية للإيقاع والمقامات، معللاً الأثر النفسي والتربوي للموسيقى على الروح البشرية، مما جعله المرجع الأول للموسيقى الشرقية والغربية لقرون.

4. كتاب الحروف

يُصنف هذا الكتاب ضمن فلسفة اللغة والمنطق، وهو مؤلف غامض وشديد العمق. يناقش الفارابي فيه العلاقة بين الألفاظ والمعاني، وكيف نشأت اللغات وتطورت الاصطلاحات العلمية. كما يتناول فيه قضايا المقولات الأرسطية (الجوهر، الكم، الكيف…) وعلاقتها باللغة العربية، ويطرح فيه رؤيته حول أسبقية الفلسفة على الدين من الناحية الزمنية والمنطقية، معتبراً أن اللغة هي الوعاء الذي يحفظ العقل، وأن المنطق هو “نحو العقل” الذي يتجاوز حدود اللغات المحلية.

5. السياسة المدنية (مبادئ الموجودات)

هذا الكتاب يكمل رؤية الفارابي في “المدينة الفاضلة” ولكنه يركز بشكل أكبر على الجانب “الأنطولوجي” (علم الوجود). يشرح الفارابي فيه ترتيب الموجودات بدءاً من “السبب الأول” (الله) وصولاً إلى الهيولى (المادة الأولى). ويوضح كيف تنعكس هذه المراتب الوجودية على المراتب الاجتماعية في الدولة؛ فكما أن الكون محكوم بنظام إلهي صارم، يجب أن تكون المدينة محكومة بنظام يحاكي هذا الترتيب الكوني لضمان بقائها واستقرارها.

6. تحصيل السعادة

في هذا الكتاب، يضع الفارابي “المنهج الأخلاقي” للفيلسوف والمواطن. يشرح فيه أن السعادة ليست لذة عابرة، بل هي “كمال النفس” الذي لا يُنال إلا بتحصيل أربعة أنواع من الفضائل: (الفضائل النظرية، الفضائل الفكرية، الفضائل الخلقية، والفضائل العملية). ويؤكد في فقراته أن كمال الفرد لا يتحقق إلا داخل الجماعة، رابطاً بين العلم والعمل، وبين الفلسفة والسياسة، معتبراً أن السعادة الحقيقية هي الهدف النهائي للوجود الإنساني.

7. التوطئة في المنطق وكتاب القياس

باعتباره “المعلم الثاني”، أفرد الفارابي جزءاً كبيراً من جهده لشرح “الأورغانون” (كتب أرسطو المنطقية). في هذه الكتب، يبسط الفارابي قواعد التفكير الصحيح، ويشرح “القياس البرهاني” الذي يوصل إلى اليقين. يتميز شرحه بالوضوح والقدرة على ضرب الأمثلة من واقع اللغة والعلوم العربية، مما جعل المنطق مادة مستساغة وضرورية لكل باحث في العلوم الشرعية أو الطبيعية في ذلك الزمان.

الفارابي والحكمة

يُعد كتاب “الجمع بين رأيي الحكيمين” (أفلاطون الإلهي وأرسطوطاليس) أحد أكثر المؤلفات طموحاً في تاريخ الفلسفة الإسلامية، حيث لم يكن هدف الفارابي منه مجرد التوفيق التاريخي بين شخصيتين، بل كان يرمي بالأساس إلى إثبات “وحدة الحقيقة الفلسفية والدفاع عن علمية الفلسفة وجدارتها كمنهج يقيني. انطلق الفارابي من فرضية أن الفلسفة، بوصفها بحثاً عن حقائق الوجود بالبرهان العقلاني، لا يمكن أن تؤدي إلى نتائج متناقضة إذا كانت صادرة عن “حكيمين” بلغا ذروة النضج العقلي؛ فالاختلاف بين أفلاطون وأرسطو بالنسبة للفارابي هو اختلاف في “المنهج والأسلوب” لا في “الجوهر والمقصد”، وإثبات هذه الوحدة كان ضرورياً لتحصين الفلسفة ضد طعون المتكلمين والفقهاء الذين استغلوا تضارب آراء اليونانيين للتشكيك في قيمة العقل وقدرته على إدراك الحقائق المطلقة.

استعرض الفارابي في كتابه جملة من المسائل الإشكالية التي بدت وكأنها نقاط تصادم بين الحكيمين، ومنها طبيعة العالم (قدمه وحدوثه)، ونظرية المُثل، ومصير النفس، ومسألة الثواب والعقاب. اعتمد الفارابي منهجاً “تأويلياً” بارعاً لتذويب هذه الخلافات؛ فعلى سبيل المثال، رأى أن اختلاف مسلك أفلاطون “الإشراقي والمتعالي” ومسلك أرسطو “المشائي والواقعي” يعود إلى اختلاف في طرق التربية والتعليم؛ فأفلاطون استخدم الرموز والمخيلات لتقريب الحقائق، بينما استخدم أرسطو البرهان المنطقي الجاف. وفي معالجته لنظرية “المُثل”، حاول الفارابي إثبات أن أرسطو لم ينفِ وجود صور مجردة للحقائق في علم الله، بل نفى وجودها ككيانات مادية مستقلة، وبذلك جعل من فلسفة أرسطو مكملة لرؤية أفلاطون الغيبية بدلاً من أن تكون نقيضاً لها.

خلص الفارابي في نهاية كتابه إلى نتيجة مركزية مفادها أن “الحكمة” واحدة في جوهرها، وأن الفلسفة علمٌ كونيٌّ ثابت القواعد لا يتغير بتغير الأشخاص. ومن خلال هذا الجمع، نجح الفارابي في تقديم “نسق فلسفي موحد” مهد الطريق لظهور مدرسة الحكمة المتعالية فيما بعد؛ حيث أثبت أن العقل البشري، مهما اختلفت مشاربه، ينتهي إلى تصديق حقيقة واحدة هي أن لهذا العالم مبدأً أولاً وصانعاً حكيماً. وكانت النتيجة الكبرى لهذا العمل هي شرعنة الفلسفة داخل البيئة الإسلامية، فإذا كان كبار الحكماء متفقين في الجوهر، فإن الفلسفة تصبح “علماً يقينياً” يمكن الوثوق به والاعتماد عليه في فهم الوجود، وهو ما منح الفلاسفة اللاحقين كابن سينا أرضية صلبة لبناء أنساقهم المعرفية تحت لواء “المعلم الثاني”.

كتاب إحصاء العلوم

يُمثل كتاب “إحصاء العلوم” للفارابي علامة فارقة في تاريخ الفكر الإنساني، فهو يُعد أول محاولة منهجية جادة لوضع “خارطة طريق” معرفية شاملة تُصنف العلوم وترتبها وفقاً لغاياتها ومناهجها. يهدف الفارابي من هذا الكتاب إلى تقديم دليل إرشادي للمتعلم والباحث، يُمكّنه من الإحاطة بجوهر كل علم، والتمييز بين العلوم اليونانية “الدخيلة” والعلوم الشرعية “الأصيلة”، مع إبراز الوحدة العضوية التي تربط بينها جميعاً. فالفارابي لم يكن يهدف فقط إلى سرد قائمة بالمعارف، بل كان يسعى إلى هندسة العقل الإنساني ليكون قادراً على استيعاب العلوم في سياق نسقي متكامل، يبدأ من اللغة كأداة للتعبير، وينتهي بالسياسة والشرع كأدوات لتحقيق السعادة الجماعية، وهو ما جعل الكتاب بمثابة “دستور علمي” استرشدت به الحضارات اللاحقة في تنظيم مناهجها التعليمية.

استعرض الفارابي في كتابه خمسة فصول أساسية شملت كافة المعارف المتاحة في عصره؛ بدأ بعلم اللسان وما يتفرع عنه من نحو وصرف، ثم انتقل إلى علم المنطق الذي أفرد له مساحة واسعة باعتباره “ميزان العلوم” والآلة التي تحمي العقل من الزلل، تلاه علم التعاليم (الرياضيات) بأقسامه السبعة من حساب وهندسة ومناظر وموسيقى وعلم النجوم والموازين والحيل. وفي القسم الرابع تناول العلم الطبيعي الذي يبحث في الأجسام، والعلم الإلهي (الميتافيزيقا) الذي يبحث في الموجودات المفارقة للمادة، ليختتم الكتاب في الفصل الخامس بالبحث في العلم المدني (السياسة) وما يقترن به من فقه وكلام. ومن خلال هذا العرض، برزت أهم مسائل الكتاب في تبيان “الحدود الفاصلة” بين العلوم، وشرح وظيفة كل علم بدقة، وكيفية تداخل البراهين المنطقية في صلب العلوم الرياضية والطبيعية والشرعية على حد سواء.

تكمن الأهمية الكبرى لكتاب “إحصاء العلوم” في كونه جسراً معرفياً انتقلت عبره تصنيفات العلوم إلى القرون الوسطى في أوروبا، حيث تُرجم إلى اللاتينية تحت اسم “De Scientiis” وأصبح مرجعاً أساسياً في بناء الجامعات الأوروبية وتطوير “الفنون السبعة الحرة”. والنتيجة التي استخلصها الفارابي من هذا الإحصاء هي أن العلوم ليست جزراً منعزلة، بل هي منظومة متناغمة يخدم بعضها بعضاً؛ فبدون المنطق لا يستقيم العلم، وبدون العلم لا تصح السياسة، وبدون السياسة الفاضلة لا يتحقق كمال النفس. لقد نجح الفارابي في هذا الكتاب في صهر الثقافة اليونانية البرهانية مع الثقافة العربية الإسلامية، مؤكداً على أن “العلم” هو قيمة عالمية عابرة للحدود، وأن ترتيب المعارف هو أول خطوة نحو بناء “المدينة الفاضلة” التي تقوم على العقل والحكمة.

الفارابي والفكر السياسي

تُعد الفلسفة السياسية عند الفارابي هي الثمرة النهائية لمشروعه المعرفي؛ فالفارابي لم ينظر إلى السياسة كصراع على السلطة، بل كعلم يهدف إلى تنظيم المجتمع لتحقيق “السعادة القصوى”. وقد صاغ هذه الرؤية في عدة مؤلفات، أهمها: آراء أهل المدينة الفاضلة، و**”السياسة المدنية”، و“تحصيل السعادة”**.

1. مفهوم المدينة ككائن عضوي

في كتابه “آراء أهل المدينة الفاضلة”، يقدم الفارابي تحليلاً هيكلياً للمجتمع، حيث يشبه المدينة الفاضلة بـ الجسم التام الصحيح. فكما أن الجسم يتكون من أعضاء متفاوتة في الشرف والوظيفة (القلب، ثم الدماغ، ثم بقية الأعضاء)، فإن المدينة تتكون من فئات اجتماعية متفاوتة، يتعاون أصغرها لخدمة أكبرها، وصولاً إلى “الرئيس” الذي يمثل “القلب” المحرك للجميع. هذا التحليل العضوي يهدف إلى إثبات أن التعاون هو أساس البقاء، وأن التراتبية الاجتماعية هي ضرورة طبيعية وعقلية.

2. نظرية "الرئيس الأول" (النبي الحكيم)

يضع الفارابي شروطاً شبه إعجازية للحاكم في المدينة الفاضلة، مدمجاً بين “الفيلسوف الملك” عند أفلاطون و”النبي الإمام” في المنظور الإسلامي. يرى الفارابي أن الرئيس يجب أن يكون قد بلغ مرتبة العقل المستفاد واتصل بـ العقل الفعال، وهو المصدر الإلهي للمعرفة. الحاكم عنده ليس مجرد مدير إداري، بل هو “مُشرّع” يمتلك بصيرة نافذة وقوة تخيل تمكنه من صياغة الحقائق الفلسفية في قالب ديني (رموز ومخيلات) يفهمه عامة الناس، ليقودهم نحو الفضيلة.

3. تصنيف المدن "المضادة" للفاضلة

في تحليل نقدي بارع، يستعرض الفارابي في كتابه “السياسة المدنية” نماذج للمجتمعات التي فشلت في تحقيق السعادة، ويصنفها إلى:

  • المدينة الجاهلة: التي يطلب أهلها لذات حسية أو مالاً أو كرامة وهمية.
  • المدينة الفاسقة: التي يعرف أهلها مبادئ الفضيلة لكن أفعالهم تخالفها.
  • المدينة الضالة: التي يعتقد أهلها آراءً خاطئة عن الله والوجود نتيجة تضليل رؤسائهم. هذا التصنيف ليس مجرد وصف تاريخي، بل هو تحليل “سوسيولوجي” يربط بين فساد التصورات الذهنية وانهيار المنظومات السياسية.

4. الربط بين الميتافيزيقا والسياسة

يتميز كتاب “السياسة المدنية” (المعروف بمبادئ الموجودات) بربط غايات السياسة بنظام الكون. يرى الفارابي أن نظام المدينة يجب أن يكون “محاكاة” لنظام الأجرام السماوية والعقول العشرة. فكما أن الكون محكوم بـ “السبب الأول” (الله) الذي يفيض بالنظام على الكل، يجب أن يفيض علم الحاكم على المدينة. هذا الربط يجعل من السياسة عند الفارابي علماً إلهياً في جوهره، حيث لا ينفصل تدبير شؤون الناس عن معرفة حقائق الوجود.

5. السعادة كغاية سياسية وأخلاقية

في كتابه “تحصيل السعادة”، يحلل الفارابي الأدوات التي يحتاجها الفرد والمجتمع للوصول إلى الكمال. يرى أن السعادة لا تتحقق بالانعزال، بل بالانخراط في “الاجتماع المدني”. ويؤكد أن الفيلسوف الحقيقي هو “الفيلسوف السياسي” الذي لا يكتفي بالنظر والتأمل، بل يسعى لنقل المعرفة إلى الآخرين وتدبير شؤونهم. السياسة هنا هي صناعة تكميل النفوس، والشرائع هي الوسائل التعليمية التي تهذب أخلاق الناس وتعدهم للسعادة في الدارين.

النتيجة التحليلية: كتب الفارابي السياسية لم تكن مجرد أحلام يوتوبية، بل كانت محاولة لتأسيس عقلانية سياسية في الفكر الإسلامي، تجعل من العلم والبرهان أساساً للحكم، ومن السعادة الروحية والمادية غايةً للدولة.

"المعلم الثاني" وخلود الأثر في الفكر الإنساني

تختتم سيرة أبو نصر الفارابي العلمية بفصل من الزهد والترفع، حيث قضى أواخر سنوات عمره في دمشق تحت رعاية الدولة الحمدانية. ورغم قربه من سيف الدولة الحمداني الذي كان يجلُّه ويضعه في منزلة سامية، إلا أن الفارابي آثر حياة البساطة؛ فتقول الروايات إنه كان يعيش بقوت يومه (أربعة دراهم) ويقضي معظم وقته في التأمل والتدريس في حدائق دمشق وبساتينها. وفي عام 339 هـ (950م)، ترجل “المعلم الثاني” عن صهوة الحياة، ودُفن في دمشق بكرامة العلماء، مشيعاً بجنازة حضرها الأمراء والحكماء، لكنه ترك وراءه “مدينة فاضلة” من الكتب لم تفتأ تؤسس للعقلانية والمنطق لقرون طويلة.

  1. الأثر في الفكر الإسلامي: ممهد الطريق لابن سينا لا يمكن الحديث عن سيرة الفارابي العلمية دون رصد بصماته فيمن جاء بعده؛ فالفارابي هو الذي فك طلاسم الميتافيزيقا لابن سينا، حيث يقول الشيخ الرئيس في سيرته الذاتية إنه قرأ كتاب أرسطو “ما بعد الطبيعة” أربعين مرة ولم يفهمه، حتى وقع في يده كتاب للفارابي يشرح فيه أغراض الكتاب، ففهمه وانفتح له باب العلم. لقد كان الفارابي هو “المهندس” الذي وضع المخطط الأساسي للفلسفة المشائية الإسلامية، والذي سار عليه ابن سينا وابن رشد فيما بعد، جاعلاً من الفلسفة علماً مستقلاً بذاته داخل المنظومة الإسلامية.
  2. الجسر المعرفي نحو الغرب والنهضة الأوروبية لم تتوقف سيرة الفارابي عند حدود الشرق، بل عبرت مؤلفاته الأندلس نحو أوروبا اللاتينية. تُرجم كتابه “إحصاء العلوم” ورسائله في “العقل” و”الموسيقى” إلى اللاتينية، وأصبح “ألبوناصر” (Al-Pharabius كما سماه اللاتين) مرجعاً أساسياً لفلاسفة العصور الوسطى مثل “دومينغو غونديسالبو” و”توماس الأكويني”. لقد كانت تقسيماته للعلوم ونظريته في العقل هي اللبنة الأولى التي قامت عليها الجامعات الأوروبية الناشئة في باريس وأكسفورد، مما يجعله شريكاً حقيقياً في صياغة العقلية العلمية الغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top
الحكمة الإلهية