السياق التاريخي والسياسي في حياة جلال الدين الرومي
شكّل الغزو المغولي بقيادة جنكيز خان الخلفية المرعبة لميلاد جلال الدين الرومي وهجرته الأولى؛ فقد وُلد الرومي في بلخ (604هـ/1207م) في ظل دولة الخوارزميين التي كانت تتآكل بسرعة تحت وطأة الهجوم المغولي الوحشي. مع سقوط نيسابور ثم بلخ نفسها عام 1219م، وفر العلماء والأدباء هاربين، لم يكن والد الرومي، بهاء الدين ولد، استثناءً، بل كان جزءاً من موجة نزوح كبرى حملت “نور الإسلام” من المشرق إلى الأناضول. هذا الاضطراب السياسي العنيف رسخ في نفس الرومي منذ نعومة أظفاره فكرة “عدم استقرار الدنيا”؛ فالسلطات التي بدت راسخة تهاوت في أيام، والمدن العريقة صارت أطلالاً. وربما يجد المرء صدى لهذا الدمار المبكر في استهانة الرومي اللاحقة بالملك والسلطان، حيث يرى في قصائده أن هذه القوى العاتية ما هي إلا “هياكل عظمية” تُبلى، مما جعله يبحث عن “مدينة” باطنية لا تسرقها جيوش التتار، مفضلاً الغربة الروحية على الاستقرار في أرضٍ يمكن أن تُغتصب في أي لحظة.
وصلت أسرة الرومي إلى الأناضول (بلاد الروم) في فترة كانت تعرف بالعصر الذهبي لسلاجقة الروم، تحت حكم السلطان علاء الدين كيقباد الأول (1220-1237م)، الذي كان يرحب بالعلماء والأدباء الفاراء الهاربين ليُكوّن من قونية عاصمة ثقافية كبرى. في هذا المناخ السياسي المستقر نسبياً، وجد الرومي البيئة الحاضنة لتربيته العلمية، حيث نال لقب “سلطان العلماء” خلفاً لوالده، وأصبح جزءاً من النخبة العلمية الرسمية المرتبطة بالبلاط السلجوقي. لقد استفاد الرومي من الأمن الذي وفره السلاجقة لينهي تحصيله في حلب ودمشق، ويعود ليشغل منصب التدريس، مما يعني أن نشأته الأولى كانت محاطة برعاية سياسية رسمية شجعت العلم، ولكن هذه الرعاية كانت مقيدة بإطار الفقه والشريعة السائدة، وهو ما جعل الانفجار الروحي اللاحق (بعد لقاء شمس) بمثابة تحدٍ صامت للبنية الفكرية التقليدية التي كان النظام السياسي يدعمها.
لكن هذا الاستقرار تداعى هو الآخر بعد عقود قليلة، إذ أصيبت الدولة السلجوقية بضربة قاصمة في معركة كوسه داغ (Köse Dağ) عام 1243م على يد المغول بقيادة بيجو نويان، مما حوّل السلاجقة إلى تابعين للإيلخانيين المغول وفتح الباب لفوضى سياسية واستقلالية الأمراء المحليين. عاش الرومي سنواته الأخيرة في ظل هذا “الظل المغولي” الثقيل، حيث كان الحكام يتقاتلون على النفوذ تحت سيادة غازية، وعمت الفوضى والأمن المفقود الأنحاء. يرى العديد من الباحثين أن هذا الانهيار السياسي الثاني في حياة الرومي (بعد سقوط بلخ) عزّز لديه نزعته التصوفية الرافضة للعالم؛ فالسياسة بداياتها مخادعة ونهاياتها مأساوية، لذا نراه في “المثنوي” يسخر من الحكام والدنيا، ويُكثر من ذكر “خرائب بلخ” كرمز لفانية الملك، مُعلِناً أن الملك الحقيقي ليس لمن يملك القصور، بل لمن يملك القلوب: -(نحنُ ملوكُ العارفين، لا ملوكُ الأرضين… مُلكنا لا يزولُ ولا يضيع)-.
على الرغم من هذا المناخ السياسي المتقلب، لم ينغمس الرومي في الصراعات العسكرية أو الدسائس السلطانية، بل اتبع استراتيجية “الحياد الروحي” والتعالي عن الخصومات. إن مراسلاته (المكتوبات) التي بعثها إلى كبار الشخصيات السياسية كوزير السلاجقة “مؤيد الدين الجويني” والسلاطين المغول، تُظهر رجلاً يمتلك سلطة معنوية تفوق سلطتهم الزمنية؛ كان ينصحهم بالعدل ويرشدهم إلى ضمائرهم بلغة الأب الروحي لا لغة الرعية. لقد نجح الرومي في تحويل قونية، وسط الفوضى السياسية، إلى مركز لـ”السيادة القلبية”، موثقاً بذلك فكرة أن الإنسان ليس رهينة لظروفه السياسية، بل يستطيع أن يبني عالماً داخلياً من الحرية والمحبة يصمد أمام انهيار الإمبراطوريات، وهو ما جعل تراثه يتجاوز حدود دولة السلاجقة المنهارة ليصل إلينا اليوم كصوت إنساني خالد.
النسب والنشأة
1. الأصول النبيلة والبيئة العلمية
يُعدّ النسب الشريف لجلال الدين الرومي ركيزة أساسية في فهم مكانته الدينية والاجتماعية؛ فقد وُلد في السادس من ربيع الأول 604 هـ الموافق 1207م في مدينة “بخارى” (أو “بلخ” حسب بعض الروايات) لأب هو “بهاء الدين محمد بن حسين الخطيبي” الملقب بـ”سلطان العلماء”، والذي ينتمي لسلالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأم هي “مؤمنة خاتون” الحاملة لنسل عمر بن الخطاب، مما منحه صفة “الشريف القرشي” من الطرفين وهو نادر. هذا الارتكاز النسبي الرفيع، مقترناً بنبوة الأب كعالم مفكر وصوفي ومؤلف كتاب “المعارف”، وضّح له طريق الهداية مبكراً، فنشأ في كنف أسرة تجمع بين سعة العلم الديني والنبل الأرستقراطي، حيث كان جده لأبيه خطيب بلخ الشهير، مما جعل البيئة المحيطة به تموج بالعلوم الشرعية والسياق الاجتماعي الراقي الذي حماه من الانجراف إلى التيبات المنحرفة.
تتكون شخصية الرومي الفكرية المبكرة بصورة جوهرية من خلال التربية الخاصة التي تلقاها على يد والده، الذي لم يكن مجرد فقيه تقليدي بل كان صاحب منهج روحي عميق يدعو إلى الزهد في الدنيا والتعلق بالحق. نشأ مولانا ويعي أن العلم مجرد وسيلة لتهذيب النفس وليس غاية بحد ذاته؛ فقد تلقى علوم القرآن، والحديث، والفقه، واللغة، وشرب من معين والده تجربة “الذوق الصوفي” قبل أن يبلغ سن الرشد، محاطاً بحلقات العلماء ودروس الفلسفة والتصوف التي كان والده يديرها، مما رسّخ لديه نزعة التوفيق بين “العقل” و”القلب”، وجعله يحفظ المتون الكبرى وهو في سن مبكرة، حاملاً إرثاً معرفياً ضخماً سيُفجره لاحقاً في شعره الكوني.
لم تكن نشأة الرومي ثابتة في مكان واحد، بل كانت حركة مستمرة فرضها “السياق التاريخي العنيف” وخطر المغول؛ ففي عام 616 هـ، ألزمت الظروف العائلة بالمغادرة في رحلة هجرة طويلة استمرت نحو سبع سنوات. هذا “الترحال” كان بمثابة مدرسة مفتوحة؛ حيث توقفوا في “نيسابور” والتقى الصبي بـ”فريد الدين العطار” الذي أهداه كتابه “أسرار نامه” وتنبأ بمستقبله اللامع قائلاً: “سيقدر هذا الولد يوماً ما أن يشعل ناراً من الله في العالم”، ثم مروراً ببغداد والحجاز ودمشق التي زادت من مخزونه الثقافي والروحي على يد علمائها كابن عربي، قبل أن يستقروا أخيراً في قونية. هذه التجارب المبكرة من اللقاء بكبار العرفاء والتجول في المدن الإسلامية الكبرى غرست في نفسه فكرة “الوطن الروحي” المتجاوز للحدود الجغرافية، وصاغت وجدانه المتسامح الذي يرفض الانغلاق.
الرومي العالم والفقيه
بعد وفاة والده “بهاء الدين ولد” سلطان العلماء عام 630هـ/1231م، خلفه جلال الدين الرومي في منصب التدريس والخطابة في المدرسة العالية (القُطبِيّة) بقونية، رغم صغر سنه الذي لم يتجاوز الرابعة والعشرين. تبوأ مكانة مرموقة جداً بين العلماء والسلاطين السلاجقة، ولُقّب بـ”مولانا” (سيدنا) و”خُجَة” (السيد)، وأصبح مرجعاً أساسياً للفقه الشافعي والتفسير في الأناضول، يجلس على المنصة ويُلقي الدروس بحلّة العلماء الرسميين، محاطاً بتقدير السلطان علاء الدين كيقباد الذي كان يُجلّ العلماء ويحظيهم بمكانة رفيعة في البلاط.
ولم يكتفي الرومي بما ورثه من علم والده، بل سافر في رحلة علمية استقصائية إلى حلب ودمشق في الفترة بين عامي 630هـ و637هـ لإكمال تحصيله المعرفي. درس في دمشق على كبار المحدثين والفقهاء والأطباء، أمثال “كمال الدين بن العديم”، وتتلمذ يد “برهان الدين محمود الترمذي” الذي كان أبرز أساتذته وأصبح لاحقاً مرشده الروحي الأول. تتلمذ الرومي في هذه الفترة على منهجية علمية صارمة، مُتقناً للعلوم العقلية كالمنطق والفلسفة، والعلوم النقلية كالحديث والتفسير، مما جعله يُعد من أبرز الفقهاء والمتكلمين في عصره قبل تحوله الشعري.
اتسمت مرحلة “العالم والفقيه” في حياة الرومي بالالتزام الصارم بالظواهر الشرعية والنزعة العقلانية، حيث كان يمتلك مكتبة ضخمة ويجادل بالبراهين الفقهية، لكنه كان يشعر في أعماقه بجفاف في الروح لم تملأه الكتب. يظهر هذا الجانب الفقهي بوضوح في كتابه النثري “فيه ما فيه” (مجالس السبعة)، حيث نجده يشرح الآيات القرآنية بأسلوب الأصوليين، ويحرص على تعليم مبادئ الشريعة للعامة. ومع ذلك، كان يُدرك أن للعلم حدوداً، ففي المثنوي ينتقد “العلم الحرفي” الجامد قائلاً: -(العلمُ حجابٌ والحُبُ سُلّم… علمُ هذا السَّحرِ ليس له عمل)-، مُشيراً إلى أن العلم الذي لا يقترن بذوق المعرفة يبقى عاجزاً عن تحقيق الغاية القصوى من الوجود.
لقد كان الرومي في هذه المرحلة يمثل نموذج “العالم الرباني” التقليدي الذي يمتلك سلطان المعرفة والوقار الاجتماعي، لكنه كان يعيش في “قفص” النصوص المكتوبة. لقد كانت هيبته العلمية حاجزاً بينه وبين التجربة الحية، إلى أن جاء شمس التبريزي ليُزلزل هذا الوقار، وليُعلن أن العلم الذي يعتمد على الذاكرة والكتابة (“علم الورق”) لا يُقاس بـ”علم القلب”. يصف الرومي هذه الحالة من الاكتفاء بالظاهر مقارنة بالباطن في قوله: -(كنتُ خاملاً أروم العلوم… حتى طلعتَ يا شمسُ ولم يبقَ خمول)-، مما يثبت أن نقطة انطلاقه كانت من قمة العلم الظاهر ليسقط منها إلى قاع المحبة ليسمو نحو “العلم اللدنّي”.
1. الاستقرار في قونية
استقرت الأسرة أخيراً في قونية (عاصمة سلاجقة الروم) في عام 1228م تقريباً، بدعوة من السلطان السلجوقي علاء الدين كيقباد الأول. لقي بهاء الدين ولد ترحيباً حاراً وتقديراً كبيراً، حيث عُين مدرساً في المدرسة العالية هناك، وأطلق عليه لقب “سلطان العلماء”. تلقى الرومي تعليمه الأولي على يد والده، وبعد وفاة والده عام 1231م، خلفه في التدريس، رغم صغر سنه آنذاك (كان في الرابعة والعشرين تقريباً).
لكن الرومي لم يكتفِ بما تعلمه من والده؛ ففي عام 1232م، سافر إلى حلب ودمشق لإكمال تحصيله العلمي. درس هناك على يد كبار علماء العصر، مثل برهان الدين الترمذي، وهو العالم الذي سيكون له دور محوري لاحقاً في حياة الرومي كمرشد وموجه روحي قبل ظهور شمس التبريزي. في دمشق، حظي الرومي بمكانة علمية مرموقة، وبدأ يُعرف كفقيه ومتكلم بارع، ملتزماً بالشريعة في ظاهره، محافظاً على الهيبة العلمية والرسمية.
2. برهان الدين الترمذي.. المرشد الأول
بعد وفاة والده، ظل الرومي يشعر بفراغ روفي رغم مكانته العلمية. وجد ضالته في برهان الدين محمود الترمذي، الذي كان تلميذاً مخلصاً لوالده. تولى الترمذي توجيه الرومي في الطريق الصوفي، وألقى عليه الأسرار التي ورثها عن بهاء الدين.
يقول الرومي عن هذه الفترة وعن علاقته بالترمذي: “كنتُ مرآةً عند برهان، كان هو وجهي وأنا صورتي”. كان الترمذي يشدد على أهمية “الرياضة الروحية” و”مجاهدة النفس” و”الخلوة”. وقد مارس الرومي فترات انعزال وتأمل، مما بدأ يحول عقله من التفكير الفقهي التجريدي إلى التذوق المعنوي العميق. توفي الترمذي عام 1240م، تاركاً الرومي في حالة من الحزن والبحث عن مرشد جديد أو “قاسماً” يكمل له مسيرته. كانت هذه الفترة هي فترة الاحتضان للبيضة الذهبية التي ستفقس قريباً لتعطي عالماً جديداً كاملاً في شخصية الرومي.
شمس التبريزي.. الانفجار الكوني
1. اللقاء المصيري
إن الحدث الأبرز والأكثر دراماتيكية في تاريخ الأدب والتصوف هو لقاء جلال الدين الرومي بشمس الدين محمد التبريزي. في عام 1244م، وبينما كان الرومي يركب عبر سوق قونية برفاقة تلاميذه ومريديه، ظهر رجل غريب الأطوار، متصوفٌ هيّابه، يسأل عن “الشيخ الكبير”. تعجب الرومي من سؤاله، وأجابه بنبرة فخر وعلم: “هذا الذي ترى”، ولكي يختبره شمس، طرح عليه سؤالاً محيراً: “أبي أفضل أم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)؟”. كان السؤال فخاً منطقياً؛ فالإجابة التقليدية تجعل النبي أفضل بالطبع، لكن شمس كان يقصد شيئاً أعمق. ثم سأله: “ماذا يعني بايع يحيى زكريا وهو صغير؟”. وعندما أجاب الرومي، ضرب شمس صرة الرومي ضربةً شديدة، ورمى كتبه في نافورة المياه قائلاً: “أنت الذي تحيا بهذه الكتب، وسأحيا أنا بالقلب”.
هذه اللحظة تمثل “موت” العالم “جلال الدين” و”ولادة” العارف “مولانا”. ترك الرومي حياته السابقة، وهجر مدرسته ومجلس درسه، واختلى بشمس في خلوة دامت أربعين يوماً (في روايات أخرى ستة أشهر). تحول الرومي من عالم يُشرح للناس إلى مريدٍ يسمع وينصت. أصبح شمس هو “المعلم” (الاستاذ)، والرومي هو “التلميذ” (المرید).
في عام 642هـ/1244م، وقع الحدث الأبرز في تاريخ التصوف الإسلامي بقدوم شمس الدين محمد التبريزي إلى قونية، ليحدث انقلاباً جذرياً في حياة الرومي ينقله من “العالم الجامد” إلى “العاشق الذائب”. لم يكن شمس عالماً تقليدياً يملك المكانة الاجتماعية، بل كان درويشاً متقلب الأحوال، لا يعرف الاستقرار، يحمل روحاً نارية ترفض قيود الفقه الموروث. تشير المصادر إلى أن لقاءهما بسوق “جمالية” كان ساخناً؛ إذ سأل شمس الرومي أمام حاشيته: “من الأكبر، البايزيد البسطامي أم النبي محمد؟”، ليختبر عمق فهم الرومي، فكانت إجابة الرومي بداية انهيار العالم القديم أمام جبروت العشق الجديد. وصف الرومي لاحقاً هذه الحالة المُفاجئة بقوله: -(كنتُ خاملاً أرومُ العلوم… حتى طلعتَ يا شمسُ ولم يبق خمول)-، معتبراً شمس النار التي أحالت المعرفة النظرية إلى حقيقة مذوقة.
اتسمت المرحلة التالية بـ”الانسحاب الكلي” من المجتمع؛ حيث تخلى الرومي عن منصبه التدريسي ومكانته العلمية، واختلى بشمس في غرفة ضيقة لأشهر طويلة (ذكر بعض المؤرخين أنها ستة أشهر)، تاركاً تلاميذه وأهله في حيرة ويتم. في هذه الخلوة، لم يكن الرومي يتعلم علوماً جديدة، بل كان يُذاب في بوتقة المحبة، متجاوزاً مرتبة “العقل” إلى “القلب”. لقد أصبح شمس هو “الأنا” العليا للرومي، حتى إن الرومي صرح بانتمائه الكامل لهذا المجهول قائلاً: -(أنا صفرٌ ومِصدري واحد… شمسُ الدين تبريزي منشئ ذاتي)-، مما دل على أن الرومي وجد في شمس المرآة التي تعكس جوهره الإلهي، فصار التلميذ هو المعشوق والأستاذ هو الوسيلة.
أدى هذا الارتباط الحصري إلى غليان اجتماعي وضغوط من قبل تلاميذ الرومي وأقاربه، وربما أدى ذلك إلى اختفاء شمس التبريزي المفاجئ عام 644هـ/1246م (الأرجح أنه قُتل دسيسة). كان هذا الغياب صدمة عنيفة هزت كيان الرومي، لكنها كانت الولادة الحقيقية لشاعريته؛ إذ تحول حزنه العميق إلى طاقة إبداعية هائلة استخدمها لاستدعاء شمس من البعد. يظهر هذا الشوق المرير في نصوص الديوان الكبير حيث يصرخ الرومي: -(شمسُ تبريزي أين أنت؟… جمالك جعل عيون البصيرة تدمي)-، فالفقدان لم يكن لصديق، بل لـ”روح الروح” و”القرين” الذي فقده الرومي في ظلمات هذا العالم.
كانت ثمرة هذا المنعطف الحزين ميلاد “ديوان شمس التبريزي”، حيث قرر الرومي أن يوقع قصائده باسم شمس وليس باسمه، معلناً استحالة فصل شخصيته عن شخصية مرشده. صار شمس رمزاً للحقيقة الإلهية التي تتجلى وتختفي، وبقي الرومي خادماً لهذا السر إلى آخر أيامه. يخاطب الرومي شمس في قصائده وكأنه حاضر، قائلاً: -(أنا الترابُ وأنتَ الريح… أينما تذهب أحمل اسمك)-، مؤكداً أن هذا اللقاء العابر كان كافياً ليقلب موازين حياته ويحول “مولانا الفقيه” إلى “مولانا العارف بالله”، ليصبح تاريخه مقسوماً إلى ما قبل شمس وما بعده.
شمس التبريزي.. الانفجار الكوني
يمثل لقاء جلال الدين الرومي بشمس الدين التبريزي لحظة “القطيعة المعرفية” الكبرى في مسيرة الرومي، حيث انتقل من مرحلة “العلم المستعار” (المكتسب من الكتب والشيوخ) إلى مرحلة “الذوق المباشر” والكشف الرباني. لم يكن الرومي قبل هذا اللقاء سوى عالم فقيه يملك “صكوكاً” علمية مرموقة، لكنه كان يعيش في حالة من “الظمأ الروحي” المخفي خلف أبهة التدريس؛ إذ تشير المصادر التاريخية مثل “مناقب العارفين” للأفلاكي إلى أن الرومي كان يشعر بثقل المعرفة النظرية التي لم تحوّلها النار إلى طاقة روحية حية. وقد وصف الرومي حالته تلك في ديوانه الكبير معلناً تفاهة علمه القديم مقارنة بنور المعشوق قائلاً:
-(كنتُ خاملاً أروم العلوم-… -حتى طلعتَ يا شمسُ فلم يبقَ خمول)-
فشمس لم يكن مجرد صوفي زائر، بل كان “النيازك” الذي اخترق غلاف الأكاديمية الجامدة ليحيل الرماد إلى جمر، محولاً “سلطان العلماء” إلى تلميذ يلهث أمام باب الحقيقة.
تتجلى عمقية هذه العلاقة في “الحادثة الترمزية” الشهيرة التي وقعت فور اللقاء، والتي تمثل طريقة شمس في تفكيك هيبة النص المكتوب لصالح النص المكتوب في القلب. يروي المؤرخون أن شمس التبريزي سأل الرومي أمام تلاميذه: “من الأكبر، البايزيد البسطامي أم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)؟” وبينما كان الجواب المتوقع للفقيه هو تفضيل النبي بلا شك، فإن شمس كان يقصد من وراء سؤاله استفزاز “العقل النظري” عند الرومي ليبرز “العقل الوجودي”. وفي الموقف الأكثر دراماتيكية، ألقى شمس بكتب الرومي في نافورة المياه، وعندما استنكر الرومي ذلك، أخرجها شمس جافة وقال: “هكذا أنا معك، أنا أغرق علمك الظاهر لأعيده لك روحاً حية”. يعكس هذا المشهد فلسفة الرومي اللاحقة التي مفادها أن العلم إن لم يُحرق بنار المحبة ويُعصر كالعنب ليصير خمراً، فإنه يظل ماءً مالحاً لا يروي ظمأ الروح، وهو ما صاغه الرومي لاحقاً في قوله: -(العلمُ حجابٌ والحُبُ سُلّمٌ)-.
اتسمت المرحلة التالية من العلاقة بـ”الانكماش الكوني” والانسحاب من الاجتماع، وهو ما أحدث شرخاً في البنية الاجتماعية المحيطة بالرومي، حيث رأى تلاميذه وأقاربه (وعلى رأسهم ابنه سلطان ولد) في هذا الارتباط خروجاً عن المروءة والوقار. دخل الاثنان في خلوة استمرت لأشهر (يذكر بعض الباحثين أنها ستة أشهر، وآخرون أنها أربعون يوماً)، تخللتها حوارات صوفية عميقة وصلت إلى مرتبة “الصمت” والتجاوز عن اللغة. في هذه الأثناء، تلاشت شخصية “الجامع” و”المفتي” لصالح “العاشق المجنون”. وقد وصف الرومي هذه الحالة من الاندماج الكامل والانصهار في وجود الشمس في أبياتٍ تتجاوز فيها الأنا إلى مستوى الفناء المطلق، معلناً أن شمس ليس مجرد شخص بل هو “الروح” و”السر”:
-(أنا دُخانٌ وأنت ناري-… -أنا ترابٌ وأنتَ الريح)-
وهذا التحول في الهوية كان مؤشراً على أن الرومي لم يجد في شمس مجرد صديق، بل وجد فيه “المرآة” التي تعكس صفات الحق، مما جعل مجتمع قونية يعاني من “فقدان” عالمهم الذي صار غريباً عنهم.
أفضى “الغياب” أو “الاختفاء” المفاجئ لشمس التبريزي (سواء كان قتلاً أو اختفاءً طوعياً) إلى تحول جوهري في الإبداع الرومي، حيث تحول الحزن إلى “وقود” شعري هائل، وولد “الديوان الكبير” كوثيقة لليتم الروحي. لم يكن اختفاء شمس نهاية، بل كان “ولادة” الرومي كشاعر كوني؛ إذ أن الرومي لم يعد يبحث عن شمس في الخارج، بل اكتشف أن شمساً قد استقر في باطنه. ومن هذا المنطلق، نجد أن الرومي يوقع كثيراً من قصائده باسم “شمس” أو “خاموش”، مؤكداً وحدة الوجود بينهما. يصف الرومي هذا الألم المفرح الذي ولّدده الفراق في قوله المعبر:
-(من حينِ فارقني شمسُ التبريزي-… -صرتُ فقيراً وصار القلبُ غنياً)-
لقد كان الفراق العنيف هو العنصر الكيميائي الأخير اللازم لتحويل المعرفة الصوفية التجريدية إلى شعر عالمي يخاطب القلوب مباشرة، مما يجعل من فترة شمس ليست مجرد فقرة في سيرة حياة، بل هي “المحور” الذي دارت حوله رحية الوجود الرومي بأسرها.
2. طبيعة العلاقة والغيرة الاجتماعية
أثارت هذه العلاقة الحميمة والشديدة الدهشة والغيرة بين تلاميذ الرومي السابقين، وبين أهله، وعلى رأسهم ابنه سلطان ولد. لم يكونوا يفهمون كيف يهجر هذا العالم الجليل مجلسه ويحتمي بشيخٍ متجولٍ رثّ الثياب يصرح بأقوال صوفية شططية قد تُفهم على أنها خروج على الشريعة في ظاهرها. اشتدت الغيرة، وتأججت العداية ضد شمس.
تحمل الرومي الكثير من الأذى في سبيل الحفاظ على رفيق دربه، لكن الضغط الاجتماعي وصل إلى ذروته. قرر شمس التبريزي أن يختفي فجأة، وهو “غياب” أو “وفاة” (اختلف المؤرخون: هل قُتل أم غادر قونية واختفى طوعاً؟) ليترك الرومي في حالة من اليتم الروحي المروع.
3. ولادة الشاعر والناعي
كان لاختفاء شمس الأثر المدمر على نفسية الرومي، لكنه في الوقت نفسه كان الولادة الحقيقية للشاعر. تحول حزنه إلى طاقة إبداعية هائلة. بدأ يكتب قصائد ناعيٍ ومراثي بحق شمس، يندب فيها فراق “روح روحه”. هذه القصائد جمعت لاحقاً في ديوان ضخم عُرف بـ”ديوان شمس التبريزي” أو “الكبير” (ديوانِ شمسِ تبريز).
في هذا الديوان، نرى الرومي يتحدث بلسان شمس، وكأن شمس لا يزال حياً فيه. اختفى اسم “جلال الدين” من التوقيع تقريباً، وحل محله “شمس” أو “خاموش” (الصامت). يعكس هذا الديوان حالة “الوجد” والجنون الصوفي (الجنون الإلهي)، والتحطيم التام للأنا البشرية. لغته فيها ثورية، مكسرة للقواعد، متجاوزة للمنطق المأهود، تعبر عن وحدة الوجود بفجاجة وعنف عاطفي نادر.
جلال الدين الرومي: الخلافة والسلوان
ألقى اختفاء شمس التبريزي المفاجئ بظلاله الثقيلة على نفسية الرومي، فدخل في مرحلة من “التيه الروحي” واليتم القاسي، حيث كان يبحث عن حبيبه في الأسواق والشوارع، تاركاً منزله ومجلس العلم. في هذه الفترة العصيبة، لم يجد الرومي عزاءً في الكتب أو المنطق، بل كان يعيش حالة من الجنون المقدس، يصرخ في قصائده نادباً حظه: -“شمسُ تبريزي غاب عني، وغاب معه القمر والشمس من سمائي”-. هذا الغياب خلق فراغاً هائلاً في كيانه الروحي، جعله يبحث عن “مرآة” أخرى يعكس فيها وجه الحقيقة، وكان هذا البحث عن البديل هو بداية مرحلة الخلافة والسلوان، حيث أدرك الرومي أن روح شمس لا تزال حية ولكنها تتجلى في أوانٍ مختلفة.
جاء “السلوان” الأول للرومي عبر شخصية “صلاح الدين زركوب”، وهو صائغ ذهب بسيط لم يتلقَ علوماً سامية، لكنه كان يمتلك قلباً نقياً وصدقاً لا تشوبه شائبة. لقد مال الرومي قلبه لزركوب ميلاناً شديداً، وجعله نائبه ورفيقه، بل كان يقبّل يديه ويرفعه فوق كثير من العلماء، مما أثار استنكار الحاشية وأبنائه. رأى الرومي في زركوب تجسيداً للتواضع والحكمة العملية، فقال فيه مرة معبراً عن عمق بصيرته: -“صلاح الدين مِسكُ، وفيه مِسك كل مريد”-، أي أنه طيب عطر كالمسك، وإن كان عمله الدنيوي صياغة الذهب، إلا أن عمله الروحي كان صياغة القلوب. كانت صحبة زركوب بمثابة الدواء المر الذي عالج جرح الرومي بعد فراق شمس، إذ علمه أن الحقيقة لا تظهر فقط في صور العظماء، بل في عباد الله الصالحين من عامة الناس.
بعد وفاة صلاح الدين زركوب عام 658هـ/1258م (التي تزامنت مع سقوط بغداد)، اشتد حزن الرومي مجدداً، لكن القدر هيأ له “حسام الدين چلبي”، تلميذه الوفي والخبير بالعلوم الشرعية، ليكون الخليفة الروحي الحقيقي الذي يحمل تراثه الفكري. كان لحسام الدين دور حاسم في استقرار الرومي، فلم يكتفِ بالخدمة والمرافقة، بل كان “المحفز” الإبداعي الذي دفع الرومي لتدوين حكمته الشعرية في ديوان شامل. يروى أن حسام الدين اقترح على الرومي أن يكتب قصصاً حكمية على غرار “سنائي” و”عطار”، فاستجاب الرومي وأملى البيت الأول من تحفته الخالدة: -“اسمع من الناي حكايةً كيف تصدى”-، مُبشراً بولادة عمل سيكون عزاءً للأمة و”مثنوياً معنوياً” يغني عن سائر الكتب.
تُعتبر كتابة “المثنوي المعنوي” ذروة مرحلة الخلافة والسلوان في حياة الرومي؛ فقد وجد في هذا العمل ملاذاً روحياً وعملاً دائماً يخلد ذكرى شمس وحكمة زركوب وأدب حسام الدين. صبّ الرومي في المثنوي كل تجاربه الصوفية وفلسفته في الحب والوحدة، واصفاً إياه بأنه -“كتاب دواوين الأرواح”-، وأنه -“هو المائدة المنزلة من السماء”-. من خلال أسلوب القصص الرمزي، تحول وجد الرومي الشخصي المؤلم إلى حكمة كونية شاملة، فأصبح المثنوي هو “الخليفة” الأبدي للرومي، والمرجع الذي يرجع إليه المريدون من بعده، مُثبتاً أن الفن والشعر عند الرومي كانا الوسيلة الأسمى لتحويل الألم إلى أمل، والفناء إلى بقاء.
في أواخر حياته، رسم الرومي ملامح الخلافة المؤسساتية من خلال إسناد زعامة الطريقة المولوية لحسام الدين چلبي، ثم لابنه “سلطان ولد” من بعده، مما ضمن استمرارية هذا التراث. لم يترك الرومي خلافة مبنية على المال أو الجاه، بل أسس لميراث روحي قائم على “الأدب” و”الخدمة”. وقد أوصى الرومي تلاميذه بالتمسك بحسن الخلق والتجرد، قائلاً في وصاياه: -“كونوا في العالم كأمواج البحر، كالشجر في الربيع”-، مؤكداً أن الخليفة الحقيقي هو من يظل دائماً في حالة تجدد وترحال نحو الحق، وأن السلوان الحقيقي لا يأتي من شخوص، بل من الاتصال الدائم بالنور الإلهي الذي فياض في كل العصور.
2. المثنوي المعنوي و حسام الدين چلبي
بعد وفاة زركوب، اصطحب الرومي تلميذه النجيب حسام الدين چلبي (تلميذ والده أيضاً) كرفيق ومساعد. كان حسام الدين هو الواسطة التي دفعت الرومي لتدوين حكمته وأشعاره المنثورة في عمل شعري ضخم ومنظم.
يحكى أن حسام الدين أشار على الرومي أن يكتب قصصاً حكمية على غرار “سنائي” أو “عطار”، فأخرج الرومي ورقة من جيبه وبدأ يُملي البيت الأول:
اسمع من الناي حكايةً كيف تصدى
وهكذا بدأ تأليف تحفته العظيمة “المثنوي المعنوي” (مثنوي معنوي)، الذي وصفه الرومي بأنه “كسر القيود” و”مصحف الصوفية”.
يُعد المثنوي دائرة معارف صوفية وشعرية. لا يتقيد الرومي فيه بالقوافي التقليدية، بل يستخدم نظام “المثنوي” (بيتين يتشاركان في القافية) لينسج خيالاً خصباً يجمع بين القصص القرآنية، والحكايات التوراتية، والأمثال الشعبية، والأساطير الفارسية، والفلسفة اليونانية، والنكت الشعبية، ليستخلص منها دروساً في الأخلاق والفلسفة الروحية. استغرق تأليفه سنوات طويلة، واستمر حتى آخر أيام حياته، بل إنه تركه غير منتهٍ عند البيت:
عندما تنتهي حياة الرومي، ينتهي المثنوي.
احتراق الرومي وثورة الشعر في حياته
مثّل لقاء شمس التبريزي “الشرارة” التي أشعلت نار الاحتراق الداخلي في روح الرومي، محولاً إياه من عالم يكتب بالنثر والحجة إلى شاعر يكتب بالدموع والنار. لم يكن الشعر عند الرومي هدفاً فنياً أو بيانياً، بل كان ضرورة وجودية لتفريغ طاقة روحية جارفة لم تعد تحتملها قوالب العلم التقليدي. لقد أحرق هذا العشق كل كتبه السابقة في نظرته، معلناً نهاية عصر “العقل الجاف” وبداية عصر “القلب المشتعلة”. ويصف هذا الاحتراق التحولي بقوله: -“كنتُ خاملاً أروم العلوم… حتى طلعتَ يا شمسُ ولم يبق خمول”-، مؤكداً أن النار المحرقة للعلم القديم هي نفسها التي أضاءت مسار الشعر الجديد، وجعلت الكلمات تطفو على سطحه كشرر لا ينطفئ.
تجلى هذا الاحتراق في “ديوان شمس التبريزي” كثورة لغوية وهوجاء على قواعد الشعر الفارسي الرصينة، حيث خرج الرومي عن المألوف في الوزن والقافية والصياغة، ليعبر عن حالات “الجنون الإلهي” و”السكر الروحي”. إن قصائده في هذا الديوان ليست نصوصاً منقحة، بل صرخات مفرطة من حرارة القلب، مليئة بالتناقضات الظاهرة التي تحمل في باطنها وحدة مطلقة. لقد ثار الرومي على البلاغة التقليدية لصالح “بلاغة الروح”، مُعلناً في نصوصه: -“أناُ لستُ هذا الجسدَ أنا، أنا الروحُ الحرة… وأنا لستُ بلسانٍ وشفهٍ، أنا معنى اللغة”-، مما جعل شعره ثورة على “الظاهر” لصالح “الباطن”.
أصبح “الاحتراق” هو المفهوم المركزي في فلسفة الرومي الشعرية، فالشعر عنده ليس وصفاً للجمال، بل هو ألم الذوبان في المحبوب، والنار هي الأداة الوحيدة التي تمحو الأنا (Nafs) وتوصل إلى الذات الإلهية. ويرمز الرومي لنفسه بأنه شمعة تحترق لتضيء، أو ناي يُحرق وينزع منه “قصبه” ليصدر نغمة الشوق الحزينة. يصرخ في وجوه الحاشية والعقلاء: -“أنا نارٌ وأحرقُ… أنا نورٌ وألمع”-، فثورته الشعرية لم تكن سوى انعكاس لهذه النار المستعرة التي تأبى الانطفاء أو الانضباط بقوانين البشر، مُفضلة الفناء في الحق على البقاء بالصور.
إذا كان الديوان الكبير هو صرخة الاحتراق العفوية، فإن “المثنوي المعنوي” كان تنظيم هذه النار في “مصباح” يضيء الدرب للسالكين، محققاً ثورة في “أدب التربية”. لقد حول الرومي في المثنوي القصص الدينية والأساطير القديمة إلى وسائل للكشف الروحي، مخالفاً بذلك أسلوب الوعظ التقليدي الجامد. وصف الرومي عمله هذا بأنه “كسر الأقفال” عن القلوب، وافتتحه بالآية الشهيرة: -“اسمع من الناي حكايةً كيف تصدى”-، حيث الناي يرمز للروح المحروقة المشتاقة إلى أصلها، مما يجعل المثنوي وثيقة لثورة الشعر من مجرد ترف فني إلى أداة للوجود والحياة.
إن فاعلية ثورة الشعر عند الرومي تكمن في عفويتها وتلقائيتها المطلقة، فلم يكن يكتب القصيدة جالساً في مكتبه، بل كان يمليها أثناء الدوران في السماع، أو أثناء المشي في الطرقات، مستسلماً للإلهام الفوري. هذا “التدفق” الشعري الذي لا يعرف التوقف أو التعديل هو أعلى درجات الثورة على “المؤلف المتكلف”؛ فالرومي كان يشعر بأنه “مجرّب قلم” لقوى عليا. يُروى أنه كان يكتب بسرعة جنونية وكأن روحاً أجنبية تملي عليه، قائلاً: -“عندما يفتح الله باب الشعر على عبده، لا يستطيع أن يغلقه حتى يفرغ ما في جعبته”-. هكذا تحول الشعر عند الرومي من حرفة إلى “طقس احتراق” دائم.
الإنتاج الأدبي لمولانا الرومي
يُمثّل الإنتاج الأدبي لجلال الدين الرومي قمة التراث الصوفي الفارسي، إذ تنوع ما بين الشعر الغزلي العاطفي (الديوان الكبير)، والشعر التعليمي القصصي (المثنوي)، والنثر الفلسفي العميق (فيه ما فيه)، بالإضافة إلى المراسلات السياسية والاجتماعية. لم يكن الأدب عند الرومي هدفاً فنياً صرفاً، بل كان وسيلة لتوثيق تجارب الكشف الروحي وتدوين “مصحف الصوفية” بلغة إنسانية سامية تخاطب العقول والقلوب معاً. يتميز هذا الإنتاج بلغة شاعرية فذة تتجاوز المفاهيم المجردة إلى الصور المحسوسة، مما جعل أعماله مرجعاً أساسياً للباحثين والمريدين على مر القرون، وقد وصف الرومي قيمة الكلمة الصادقة بقوله: -«نطق کیمیاست و سکوت دریاست»-، مشيراً إلى أن كلماته تحوي أسراراً عميقة لا تُستنزف بالقراءة السطحية.
يحتل “ديوان شمس التبريزي” (الكتاب) المكانة الأولى في التعبير عن الحالة الوجدية العاصفة للرومي، حيث يجمع آلاف الأبيات من الغزليات والرباعيات التي كُتبت بأسلوب التدفق العفوي بين عامي 1244 و1247م. يتسم هذا الديوان بثورية اللغة وتجاوزه للقوافي التقليدية ليعبر عن “الجنون الإلهي” والسكر الروحي، مُعلِناً توبة صاحبه من علم الكتب الجامد إلى عشق الحق الحي. في هذا الديوان، يُهمل الرومي نسبته لنفسه ليوقع باسم “شمس”، دلالة على فنائه فيه، ومُعلناً في إحدى مقطعاته الخالدة: -«عشق آتشی است که شعلهور شد–/ سوزان شد و برفت و ما سوختیم»-، مما يكشف أن هذا الشعر هو صوت الجمر المتقد تحت رماد القوالب الأدبية.
يُعد “المثنوي المعنوي” التحفة الكبرى للرومي وأعظم شعر تعليمي في التاريخ، إذ بلغت أبياته نحو 25 ألف بيت مقسمة على ستة دفاتر، صاغها الرومي على مدار سنوات ليكون “دستوراً” للمريدين و”مصحفاً” فارسياً. يمتاز المثنوي بأسلوب “التركيب” الذي يبدأ بقصة بسيطة لينتهي بحقيقة روحية عميقة، جامعاً بين الحكمة والقصص القرآنية والمثل الشعبي. وصف الرومي عمله هذا بأنه -«أساسُ أساسِ دينِ أهلِ التحقيق»-، وافتتحه بالآية الشهيرة: -«اسمع من الناي حكايةً كيف تصدى–/ عشق شکار کند و ما مکر باز کنیم»-، حيث الناي رمز للروح المحروقة التي تشتكي فراق أصلها الإلهي.
يتجلى العمق الفكري للرومي في كتابه النثري “فيه ما فيه” (مجالس السبعة)، الذي يضم خُطبَه ومواعظه التي ألقاها في مجالسه العامة، ويمثل الجانب التعليمي المباشر لفلسفته. يتناول الكتاب مواضيع دقيقة في التفسير والفلسفة الأخلاقية والتصوف، بأسلوب مبسط يخاطب العقل، وفي الوقت نفسه يلامس القلب، ويُظهر الرومي فيه قدرته على الجمع بين الشريعة والحقيقة. ويُبرز الرومي في هذا الكتاب قيمة الإنسان الكامل وحرية الروح قائلاً: -«مرغ روح سر بریده از دام بلاست–/ دام بلاست دنیا و روح ما آزاد»-، مؤكداً أن حقيقة الإنسان ليست هذا الجسد المأسور بل الروح الحرة الطائرة.
تكمل “المكاتبات” (الرسائل) صورة الإنتاج الأدبي للرومي، إذ تحتوي على نحو 145 رسالة موجهة إلى السلاطين والعلماء والأمراء، تظهر الجانب السياسي والاجتماعي لشخصيته وبراعته في الفقه والسياسة الشرعية. تتسم هذه الرسائل بلغة فصيحة رصينة تختلف تماماً عن لغة الشعر الهائج، مما يثبت تعددية مواهب الرومي وقدرته على التأقلم مع مقتضيات الحكم والإدارة. يمثل هذا الإنتاج الأدبي المتنوع (الشعر والنثر) وثيقة تاريخية وروحية شاملة، جعلت من الرومي ظاهرة ثقافية لا تتكرر، حيث يقول في وصف سعادته بالمعرفة: -«چون حکمت آمد زمن بنده رست یارب عجب که کس نشناسد»
آراء الرومي الصوفية واعتقاداته
تتمحور فلسفة الرومي الصوفية حول مفهوم “المحبة الإلهية” (العشق) بوصفها المحرك الوحيد للوجود، متجاوزاً بذلك مقامات “الخوف” و”الرجاء” التقليدية في التصوف السني. يرى الرومي أن العلاقة مع الله ليست علاقة سيادة وتملك، بل هي علاقة “عشق” وذوبان. يقول في ديوانه الكبير مُلخصاً هذا المنهج: -(دينُ عشاقه عشقٌ وخوفٌ نه… عشق وخوف هست دين ما را همه)-، أي أن دين العشاق هو العشق لا الخوف، فالمحبة عنده ليست مجرد وسيلة للوصول، بل هي الغاية والنهاية، وهي النار التي تحرق “الأنا” وتنقي القلب من الشوائب لتشرق شمس الحقيقة فيه.
يُعدّ “الفناء” (Fana) في الذات الإلهية الركيزة الثانية في فكر الرومي، حيث يؤكد ضرورة محو صفات النفس البشرية لتتجلى صفات الحق سبحانه وتعالى. هذا المفهوم لا يعني الفناء الصوفي الذي يلغي الوجود الفردي، بل هو “فناء الإرادة” أمام إرادة المحبوب. يصور الرومي هذا المطلب بوضوح في قوله: -(موت کنید تا زنده شوید)- (متُ لكي تحيا)، داعياً السالك إلى الموت الاختياري للأهواء قبل الموت الجسدي، ليُولد من جديد بروح مُتجددة متصلة بالينبوع الأزلي.
ينتقد الرومي “العقل النظري” (العقل الأرسطي) واصفاً إياه بأنه “أعرج” وعاجز عن بلوغ حقائق الملكوت، معلِياً من شأن “القلب” أو “العقل اللدنّي” الذي يدرك الأشياء بالإلهام والذوق. يرى أن العقل يتعامل مع الظواهر والحدود، بينما القلب يسبح في بحر اللانهائية. يقول في نقد العقل الجامد: -(عقل را لنگ است و عشق بالپر… عقل را پیش است و عشق تا ابد)- (العقل أعرج والعشق ذو جناح، العقل له بداية والعشق بلا نهاية)، مؤكداً أن المعرفة الروحية تتجاوز المنطق الصارم.
وصلت تجربة الرومي في “وحدة الوجود” (أو وحدة الشهود) إلى ذروتها في التعبير عن التلاشي بين العاشق والمعشوق. لا يرى الرومي فصلاً حقيقياً بين الخالق والمخلوق في مقام التجلي، فيقول مخاطباً الحق: -(من توئم و تو من منی… من غم Prosperity و تو غم من)- (أنا أنت وأنت أنا، أنا حيرتي وأنت حيرتي). هذا النص يُظهر أن الوحدة في نظره ليست نظرية فلسفية مجردة، بل هي حالة ذوبان عملي يختفي فيها الفاعل ويبقى الفعل الإلهي.
يؤكد الرومي في تعاليمه على أهمية وجود “المرشد” أو “الشيخ” كشرط أساسي للسلوك، معتبراً أن العارف لا يمكنه السير في الطريق وحده خوفاً من غرور النفس. المرشد هو “المرآة” التي تعكس للسالك عيوبه وتساعده على تخطي عقباته. يقول في أهمية الصحبة الصالحة: -(خانه خود ویران کن و خانه دیگر کن… مرشد را در نظر گیر)- (هدم بيتك وبن بيتاً آخر، وخذ المرشد نصب عينيك)، مشيراً إلى ضرورة الهدم المستمر للذات تحت إشراف مرشد حي.
يُشكّل “السماع” والموسيقى والرقص الصوفي ركناً عملياً في تصوف الرومي، معتبراً أن الموسيقى هي “مفتاح القلوب” التي تفتح الأقفال المغلقة أمام الروح. يرى أن الأنغام الحزينة والفرحة تُذكر الروح بأصلها السماوي وتوقظها من سبات الغفلة. يصف الرومي الحالة التي يُحدثها السماع: -(بر سر بازارها گریه کن… که این غم رسیدن است به در)- (ابكِ في الأسواق، فإن هذا الحزن هو وصولك إلى الباب)، معتبراً أن الحركة والدوران في السماع محاكاة لدوران الكواكب في فلك المحبة.
تتميز عقيدة الرومي بروح “التسامح الديني” والنظرة الكونية التي ترى النور الإلهي متسرباً في جميع الأديان والرسالات. لا يُقيم الرومي وزناً للتمايزات المذهبية والشكلية، بل يركز على “الجوهر” المشترك. يقول مقولته الشهيرة في الجامعين بين الأديان: -(چراغها رنگین است ولی نور یکسان)- (المصابيح ملونة، لكن النور واحد)، مؤكداً أن الشرائع مختلفة الظواهر متحدة الأسرار، وأن الله يُعبد في كل مكان.
في ختام رؤيته للوجود، يؤكد الرومي أن القبر ليس نهاية الإنسان، بل هو “رحم” ثانٍ للولادة الروحية الأبدية. الحياة الدنيا في نظره مجرد حلم قصير أو “زرع” يحصد الإنسان ثماره في العالم الآخر. يخاطب الرومي الإنسان قائلاً: -(از قبر خویش برون آیی باز… زنده گردی چو روز از وی ساز)- (ستخرج من قبرك مرة أخرى، وستحيا حياةً عظيمة)، مبشراً بانتصار الروح على المادة، وأن النهاية الحقيقية ليست الفناء، بل البقاء الأبدي في جوار المحبوب الأعظم.
تأسيس الطريقة المولوية
يُعدّ “سلطان ولد”، الابن الأكبر للرومي، المؤسس الحقيقي والمنظم الأول للطريقة المولوية (Mawlawiyya) كطريقة صوفية مؤسساتية بعد وفاة والده عام 672هـ. فبينما كان الرومي يتحرك بدافع الوجدان العفوي، قام سلطان ولد بتنظيم جمهور المريدين وتلاميذ والده في هيكلية هرمية واضحة، وجعل من قونية مركزاً للإشارة، مشيداً التكية (الخانقاه) بجوار الضريح الأخضر لتكون محطة للانطلاق. لقد وضع سلطان ولد الأسس التي تنظم “الخلافة” وجعلها وراثية في أسرته (الآل چلبي)، ونظم السرداب والضرياح، مُعتبراً أن الطريقة هي الوعاء الحافظ لسر العشق الرومي، حيث يقول في سياق دعوته للالتزام بمنهج والده: -«از سرِ مولانا مستان گشتن به»- (من اللازم التمسك بسر مولانا).
يُشكّل طقس “السماع” (Sema) والرقص الصوفي الدوّار العمود الفقري لهذه الطريقة، مستوحىً من الحالات الوجدية التي كانت تطرأ على الرومي عند سماع الموسيقى والشعر. قام المولويون اللاحقون بترميز هذه الحركات وتنظيمها في طقس مؤسسي؛ حيث يرمز الدوران المستمر للدرويش حول نفسه وحول المكان إلى كروية الكون وحركة الكواكب، ويرمز رفع اليد اليمنى لاستقبال الفيض الإلهي وخفض اليسرى لتوزيعه على الأرض. يصف الرومي جوهر هذا السماع الذي أصبح شعار الطريقة في ديوانه قائلاً: -«دوش آمدی و دوش رفتن نماند–/ ما هم خوشتر از آن درد و دمن بودیم»-، مشيراً إلى أن السماع هو تجاوز للزمن وغيبوبة في المحبوب.
تعتمد الطريقة المولوية في منهجها التربوي على مفهومي “العشق” و”الخدمة”، حيث يخضع المريد لمراحل صارمة من الرياضة الروحية أهمها فترة “التشيله” (الأربعينية) وهي عبارة عن اعتزال لمدة أربعين يوماً للتأمل وخدمة الفقراء داخل التكية. يُعتبر “المثنوي المعنوي” و”ديوان شمس التبريزي” هما المرجعان الرئيسيان للتعليم في هذه الطريقة، حيث يُحفظان ويُشرحان باعتبارهما “قرآن الصوفية”. يؤكد الرومي في تعاليمه التي تبنتها الطريقة على أن الغاية ليست الرقص بحد ذاته، بل الذوبان، قائلاً: -«مرغ روح سر بریده از دام بلاست–/ دام بلاست دنیا و روح ما آزاد»-، مُعلماً أن الروح حرة ولا تنقاد إلا للحق.
شهدت الطريقة المولوية توسعاً جغرافياً وسياسياً واسعاً خلال العصرين السلجوقي والعثماني، حيث انتشرت تكاياها (الخانقاوات) في مدن حلب، دمشق، القاهرة، وبلغراد، لتصبح مركزاً للإشارة الدينية والثقافية. حظيت الطريقة برعاية السلاطين العثمانيين، وأصبح “المولوي” شخصية مرموقة في المجتمع تجمع بين العلم والأدب والتصوف، وترأس الأسرة “الچلبيية” هذه الزوايا لقرون طويلة. تُظهر الوثائق التاريخية أن المولوية لعبت دوراً مهماً في نشر الثقافة الفارسية والتربوية في الأناضول، وكانت بمثابة “جسر” يربط بين الشرق والغرب الإسلامي.
رغم حل الطرق الصوفية في تركيا الحديثة عام 1925م، إلا أن الطريقة المولوية نجت بصفتها “تراثاً ثقافياً” وفناً روحانياً، حيث أقرت منظمة اليونسكو طقس “سماع المولوية” عام 2008 كتراث ثقافي غير مادي للإنسانية. تتجلى عالمية هذه الطريقة في رسالة التسامح التي يحملها شعارها المشهور المنسوب للرومي والذي تردده التكايا حتى اليوم: -«بیا بیا هر که هستی، کافر، زردشت، یا بت پرست.. موقد نیست موقد یأس»- (تعال، تعال من كنتِ كافراً أو مجوسياً أو وثنياً… موقدنا هذا ليس موقد اليأس)، مما يؤكد أن الرومي أسس طريقةً لا تعرف الحدود الجغرافية أو المذهبية الضيقة.
الوفاة والإرث
في يوم الأحد الموافق 17 ديسمبر 1273م (5 جمادى الآخرة 672هـ)، فاضت روح مولانا جلال الدين الرومي إلى بارئها بعد مرض قصير لم يُضعف جسده بقدر ما أعلن عن استعداده للرحيل النهائي. لقد استقبل الرومي الموت ليس ككارثة بل كـ”عرس” (Urs) فرح به، معلناً عن شوقه للقاء الحق بعد سبعة وستين عاماً قضاها في الترحال الروحي. يُروى أنه قبل وفاته بقليل، بينما كان أهل بيته يبكون، قال لهم قولته الخالدة التي تلخص فلسفته في الموت والحياة: -“لا تَبكِ على فقدي، فاليوم هو يوم عرسي، ويوم خروجي من السجن”-، مؤكداً أن الموت ما هو إلا تحرر من قيود الجسد والعودة إلى الأصل الإلهي الذي ولدت منه الروح.
اتسمت جنازة الرومي بحدث تاريخي نادر لم تشهد له قونية مثيلاً، حيث خرج خلف جنازته موكبٌ مهيب ضم المسلمين، والمسيحيين، واليهود، واليونان، وكل أطياف المجتمع، باكين ومودعين “قيسهم” و”سلطانهم”. لقد تحولت جنازته إلى مهرجانٍ للتسامح الإنساني أثبت عمق رسالته التي تجاوزت القوالب الطائفية، وطبّق عملياً قوله: -“لم أخلق لليهودية ولا للنصرانية ولا للدين المجوسي… أنا نَفَخُ من روح الحق”-. هذا الحضور الجامع لكل الأديان كان الشاهد الأبرز على أن إرث الرومي لم يكن ملكاً لطائفة معينة، بل كان ميراثاً للإنسانية جمعاء، مما جعل قبره مزاراً مقدساً لكل الباحثين عن الحقيقة.
دُفن الرومي في قونية بجوار قبر والده بهاء الدين، وشُيّد فوق ضريحه “القبة الخضراء” (Kubbe-i Hadra) التي أصبحت منارة للروحانيين. آلت الخلافة الروحية والإشراف على الطريقة المولوية من بعده إلى ابنه البكر “سلطان ولد”، الذي قام بدورٍ محوري في حفظ تراث والده وتدوين سيرته في كتاب “ولدنامه”، مؤسساً بذلك هيكلية الطريقة التي استمرت لقرون. لم يكن هذا الانتقال مجرد نقل لمنصب زعامي، بل كان استمراراً لتيان النور الذي انبجس من قلب الرومي، حيث اعتبر أتباع الطريقة أن الروح لا تموت بل تنتقل، متخذين من قبره محوراً لدورانهم الروحي وصلاتهم.
يُشكل الإنتاج الأدبي للرومي، وعلى رأسه “المثنوي المعنوي” و”ديوان شمس التبريزي”، الحجر الأساسي في إرثه الخالد الذي لم يتآكل بمرور الزمن. وصف الرومي كتابه المثنوي بأنه -“هو أصلُ أصولِ أصول الدين”-، واصفاً إياه بأنه “مصحف الصوفية” وما زال يُعتبر إلى اليوم أحد أعظم النصوص الصوفية في التاريخ الإسلامي. لقد حافظت هذه النصوص على حيوية الفكر الرومي، حيث حفظت أبياته الـ (40,000 تقريباً) خلاصة الحكمة الإنسانية، محوّلةً تجربة رجل واحد في القرن السابع الهجري إلى مرجعية كونية تُرجمت إلى لغات العالم الحية، مما جعل صوته مسموعاً في كل زمان ومكان.
في العصر الحديث، تجاوز إرث الرومي الحدود الدينية والجغرافية ليتحول إلى ظاهرة ثقافية عالمية، حيث يُصنّف اليوم كأشهر شاعر في الولايات المتحدة وأوروبا. إن رسالته القائمة على “الوحدة عبر المحبة” ونبذ التعصب تجد صدى عميقاً في النفس البشرية المعاصرة المتعبة من الصراعات. لقد عكس دعوته الخالدة في قوله: -“تعال، تعال، من كنتِ كافرةً، أو وثنيةً، أو زندقيةً، تعال… بيتُنا بيتُ اليأس، ليس فيه مكانٌ للآمال”-، روحاً تسعى لاختراق الحدود المذهية، مؤكدة أن الإرث الحقيقي للرومي ليس في بناء القباب فوق قبوره، بل في بناء جسور المحبة بين قلوب البشر.
جلال الدين الرومي وتأثيره العالمي
تجاوز تأثير جلال الدين الرومي حدود الزمان والمكان واللغة، ليتحول من شاعر صوفي فارسي في القرن السابع الهجري إلى ظاهرة ثقافية عالمية تُرجمت أعمالها إلى لغات العالم الحية. يُعزى هذا الانتشار الواسع إلى “الكونية” (Universality) في رسالته، حيث غلب الرومي على الشعائر الدينية الصارمة لغة “القلب” التي يتقنها البشر جميعاً بغض النظر عن معتقداتهم. لم يكن الرومي يتحدث للفقهاء وحدهم، بل كان يخاطب “الإنان” الجامحة في كل نفس بشرية. إن قدرته على صياغة المعاناة الإنسانية والشوق الأبدي في صور شعرية بديعة جعلت قصائده قابلة للترجمة والتأقلم مع مختلف الثقافات، مما جعل الغرب يرى فيه “أباً روحياً” قبل أن يكون رمزاً دينياً شرقياً.
شهد القرنان العشرون والحادي والعشرون “مولانا-صنعياً” (Rumi-mania) غير مسبوق في الغرب، وتحديداً في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تُصنّف ترجمات أعماله (لاسيما ترجمات كولمان باركس الحرة) ضمن الكتب الأكثر مبيعاً باستمرار، متفوقة على كبار الشعراء الكلاسيكيين. لقد أصبح الرومي بالنسبة للقارئ الغربي “شاعر العشق والسكينة” في عالم مادي متوتر، حيث تُستخدم أبياته في التأملات وعلاج النفس. يعكس هذا الترحيب الغربي بوحدة الوجود عند الرومي رغبة إنسانية عميقة للهروب من المادية، وهو ما يظهر في استلهام شخصيات ثقافية وغنائية عالمية لفكره.
لعب الرومي دوراً محورياً في حوار الأديان والثقافات في العصر الحديث، حيث أصبح أيقونة للتسامح الديني تتجاوز حدود الإسلام التقليدي. يُستشهد بمقولاته في المحافل المسيحية واليهودية والبوذية لبيان وحدة الجوهر الروحي للإنسان. إن نظريته القائلة بأن “الأنوار متحدة وإن كانت المصابيح مختلفة”، كما عبّر في نصه الشهير: -«چراغها رنگین است ولی نور یکسان»-، تجعله المرجع الأبرز للجمع بين التعددية الدينية والوحدة الروحية، مما جعل صورته ملاذاً للباحثين عن السلام في عالم ممزق بالطائفية.
لا يمكن فصل التأثير العالمي للرومي عن الطابع الجمالي لطريقته المولوية، لا سيما طقس “السماع” والرقص الدوّار، الذي أدرجته منظمة اليونسكو عام 2008 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية. لقد تحولت حلقات الذكر المولوية في قونية وغيرها إلى مزارات سياحية وروحية تجذب آلاف الزوار من كافة أنحاء العالم سنوياً، متجاوزة بذلك وظيفتها الدينية لتصبح فناً راقياً يُعبّر عن الجمال الروحي. أصبح الدرويش المولوي علامة مسجلة للتصوف الإسلامي في الوعي الجمعي العالمي، ممثلاً صورة الإسلام المعتدل والمحب للسلام.
في الأدب العالمي الحديث، أثرى الرومي حركة ما بعد الحداثة والشعر الحر، إذ وجد الشعراء الغربيون في لغته المفككة والمتجاوزة للمنطق ضالتهم للهروب من الصرامة البلاغية. ألهمت قصص الرموز في “المثنوي” كتاباً ومفكرين غربيين مثل د. تيموثي فراي وجون بالدوين، اللذين وجدوا في نصوص الرومي عمقاً نفسياً (يونغياً) يربط بين الوعي الفردي واللاوعي الجمعي. إن نصوصه مثل -«من سمع من الناي حكاية كيف تصدى»- أصبحت مفتاحاً لفهم الألم والغربة النفسية في الأدب الحديث.
ختاماً، يبقى إرث الرومي العالمي شهادةً حية على أن “اللغة العاطفية” أقوى من “لغة السلاح” والسياسة. في عصر تشهد فيه الحضارات صداماً، يمدّ الرومي البشرية بجسر من المحبة يذكرنا بأن الأصل واحد. دعوته الخالدة التي ما فتئت تتردد: -«بیا بیا هر که هستی… عارف و کافر و بتپرست و هر که هستی»- (تعال، تعال من كنتِ عارفاً أو كافراً أو وثنياً)، تُجسد الخلاصة الأخلاقية لتأثيره: القبول المطلق للآخر، والذوبان في حب لا يعرف التفرقة، مما يجعله صوتاً لا يغيب أبداً من مسرح التاريخ الإنساني.
مؤلفات مولانا جلال الدين الرومي
أولاً: المؤلفات الشعرية
-1. المثنوي المعنوي (مثنوي معنوي)-
– يُعد أعظم أعماله وأشهرها، ويُلقب بـ “قرآن الفرس”.
– يتكون من ستة دفاتر (كتب) تضم حوالي 25,700 بيت شعري.
– كتبه بأسلوب القصص الرمزي والحكم، ليكون دستوراً للطريقة المولوية ومنهاجاً للسلوك الصوفي.
– بدأه بقوله الشهير: -«اسمع من الناي حكايةً كيف تصدى»-.
-2. ديوان شمس التبريزي (الكتاب الكبير)–
– هو مجموعة قصائد الغزل والرباعيات التي نظمها الرومي بعد لقائه بشمس التبريزي وعبّر فيها عن وجده العاطفي والروحي.
– يسمى “ديوان شمس” تكريماً لمرشده، حيث كان الرومي يوقع الكثير من قصائده باسم شمس.
– يحتوي على حوالي 40,000 بيت شعري (في بعض الطبعات)، ويتميز باللغة الشديدة الانفعال والتصوف الباطني العميق.
– يتضمن الغزليات، والقطع، والرباعيات الشهيرة.
-3. الرباعيات (رباعيات مولانا)–
– على الرغم من أن الرباعيات مدمجة غالباً في الديوان الكبير، إلا أنها تُنظر أحياناً كعمل مستقل بسبب شهرة أبياتها القصيرة والحكيمة.
– تتناول موضوعات العشق الإلهي، وزوال الدنيا، والقصص الرمزية القصيرة.
ثانياً: المؤلفات النثرية
-4. فيه ما فيه (فيه ما فيه)–
– هو الكتاب النثري الأكبر للرومي، ويحتوي على 71 محاضرة أو خطبة ألقاها في مجالسه العامة.
– يتناول تفسير آيات قرآنية، وشروحاً لأحاديث نبوية، ومواعظ أخلاقية، وقصصاً من سيرة الأنبياء والصالحين، بأسلوب مبسط ومباشر يخاطب عامة الناس.
– سُمي بـ “فيه ما فيه” إشارة إلى أنه يحتوي على كل ما يحتاجه المسلم في دينه ودنياه، أو لعدم ترتيبه الفهرسي المنهجي في البداية.
-5. مجالس السبعة (مجالس سبعه)–
– سبع خطب طويلة ألقاها الرومي في مناسبات دينية خاصة، وهي مكتوبة بلغة عربية فصحى مختلطة بالفارسية (أو بفارسية رصينة متأثرة بالعربية)، وتتسم بطابع فقهي وعقدي رصين.
– تختلف أسلوباً عن “فيه ما فيه” لأنها موجهة للخاصة والعلماء، حيث يتناول فيها مسائل العقيدة والتصوف بعمق فلسفي.
-6. الرسائل
– مجموعة رسائله الرسمية والشخصية التي كتبها إلى السلاطين، والأمراء، والوزراء، والأصدقاء، وتلاميذه.
– تتضمن 145 رسالة (أو 147 حسب بعض الروايات).
– تكشف هذه الرسائل عن الجانب السياسي والاجتماعي للرومي، حيث نراه ينصح الحكام بالعدل، ويدافع عن مريديه، ويكتب بلغة أدبية راقية جداً تدل على مكانته العلمية.
ثالثاً: مؤلفات صغرى ورسائل
- رسالة النيازنامه (رسالة في الحاجة)–
– رسالة قصيرة (نسبياً) كتبها الرومي باللغة الفارسية رداً على سؤال لشخص اسمه “حسن بن محمد” حول حقيقة الحاجة والفقر، وأهمية العمل والخدمة للمريد الصوفي.
هذه المؤلفات مجتمعة تشكل “المجموعة الكاملة” لتراث مولانا جلال الدين الرومي، والتي تم حفظها ونسخها وتدوينها بواسطة تلميذه حسام الدين چلبي وابنه سلطان ولد بعد وفاته.
كتاب الرسائل
يحتوي هذا الكتاب على الرسائل التي كتبها الرومي إلى السلاطين، الأمراء، العلماء، وأصدقائه. تظهر هذه الرسائل جانباً آخر من شخصية الرومي: “الإنسان المدافع عن الحقوق” و”المرشد الاجتماعي”. نرى فيه يدافع عن تلاميذه، ويشفع للناس، ويقدم النصائح السياسية للحكام، مظهراً فقهاً دقيقاً وسياسة حكيمة.
ضريح الأخضر والمولوية: كعبة العشاق
دُفن الرومي في قونية، وشُيّد فوق قبره ضريح الأخضر (Kubbe-i Hadra) الذي أصبح مزاراً للعالم أجمع. تولى ابنه سلطان ولد قيادة الطريقة المولوية من بعده، وقام بتدوين سيرة والده وتأسيس الطريقة كمؤسسة رسمية. انتشرت الطريقة المولوية في الأناضول وسوريا ومصر، واشتهرت بحلقات السماع والدوران، وما تزال تحافظ على طقوسها كجزء من التراث الإنساني العالمي المسجل في اليونسكو.
قراءة معاصرة لرومي.. الصوفية الإنسانية
1. تجاوز الحدود الدينية والقومية
ما يميز الرومي عن غيره من المتصوفة هو قدرته الهائلة على التحدث إلى الإنسان بغض النظر عن هويته. اليوم، يُترجم الرومي في الغرب أكثر من أي شاعر آخر، وتصدر كتبه قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في أمريكا وأوروبا. لا يُعزى ذلك فقط لجمال شعره، بل لرسالته التي تركز على “السلام الداخلي”، و”تقبل الآخر”، و”التجاوز عن الذات”.
في عالم ممزق بالحروب العرقية والدينية، يأتي الرومي ليقول: “جئت من لا شيء، وأرجع إلى لا شيء. لا تبحث عني في هذا المكان أو ذاك، أنا في كل مكان”، و “المساجد والكنائس والمعابد هي واحدة، والمحبة هي الجوهر”.
2. الرومي والحداثة
يرى العديد من المفكرين المعاصرين أن الرومي يمثل نموذج “الإنسان الكامل” (الإنسان الكوني). إنه لم يكن متزمتاً ولا ملحداً، بل وجد “الوسطية الذهبية” بين النص والروح، بين العقل والقلب، بين الفرد والمجتمع. دعوته للتخلص من الأنانية (Ego) تجد صدى كبيراً في علم النفس الحديث وفلسفة الاستنارة الحالية. إنه يشخصد مرض العصر الحديث (فراغ الروح وغربة الذات) ويقدم العلاج بنفس الدواء الذي قدمه قبل ثمانية قرون: المحبة والوعي بالحاضر والسماع الداخلي.
خاتمة
إن سيرة جلال الدين الرومي ليست مجرد قصة نجاح لرجل دين أو شاعر، بل هي ملحمة الروح البشرية في بحثها عن اليقين. من هارب من التتار في بلخ، إلى أستاذ فخم في قونية، إلى عاشق متهور في محراب شمس، إلى حكيم رزين في المثنوي.
لقد استطاع الرومي أن ينتقل من “الدين” كنظام من الطقوس والقوانين، إلى “الإيمان” كتجربة حية ونبض حيوي. لقد أعطى للغة الفارسية مكانة لا تضاهى، وللإنسانية ملاذاً آمناً في قصائده. إن رسالته الخالدة مفادها أن الحقيقة ليست ملكاً لطائفة أو جماعة، بل هي “هدية” لمن قتل أناه وعاش بقلبه.
يظل الرومي، بشعره وفكره وسيرته، صوتاً عالياً يطغى على ضجيج الحياة الدنيا، يذكرنا بأننا “سفراء في هذا العالم، وأن وطننا الحقيقي ليس هنا”. وفي زمن التشتت، يظل مولانا هو القطب الذي تجتمع عنده دوائر العشق، والنور الذي لا ينطفئ.
مصادر ومراجع
- مناقب العارفين، شمس الدين أحمد الأفلاكي.
- المثنوي المعنوي، جلال الدين الرومي (ترجمات وتحقيقات متعددة).
- حياة شمس تبريزي، تحقيق وتعليق د. عبد الحليم محمود.
- مولانا الرومي: الصوفية والشعر، د. محمد مصطفى حجازي.
- The Sufi Path of Love: The Spiritual Teachings of Rumi, William C. Chittick.
- Rumi: Past and Present, East and West, Franklin D. Lewis.

