sans titre (1080 x 650 px) (15) (1)

النزعة الإنسانية وأخلاق السعادة عند مسكويه

تموضع مسكويه في فضاء "الأنسنة" بالقرن الرابع الهجري

يُمثل القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) في التاريخ الإسلامي لحظةً استثنائية من التجلي المعرفي، لُقبت بحق بـ “عصر النهضة” أو “الأنسنة” في الفكر الإسلامي. في هذا السياق، لم يكن أبو علي مسكويه مجرد مؤرخ أو فيلسوف، بل كان نتاجاً لتلك البيئة الثقافية الكوزموبوليتانية التي شهدت انصهاراً فريداً بين التراثات اليونانية، والفارسية، والهندية، والوحي الإسلامي. لقد ازدهرت في هذا العصر نزعةٌ عقلانية تحتفي بـ “الإنسان” بوصفه كائناً أخلاقياً ومدنياً، وظهرت الحاجة ملحة لصياغة فلسفة سلوكية تخرج بالأخلاق من حيز الوعظ التقليدي إلى فضاء البرهان الفلسفي والنظام الميتافيزيقي المتسق.

في قلب هذا الحراك الفكري، برز مسكويه كأحد أعظم مُمثلي “الفلسفة الأخلاقية” الذين سعوا إلى مَوْضعة الأخلاق ضمن نظامٍ علمي مُحكم. لم يكن مسكويه منفصلاً عن الواقع السياسي والاجتماعي لبني بويه، بل كان منخرطاً في الإدارة والكتابة، مما منحه رؤية واقعية لطبيعة النفس البشرية وصراعاتها. إن مشروعه في “تهذيب الأخلاق” لم يكن مجرد تجميعٍ للمفاهيم الأرسطية حول الفضيلة، بل كان محاولة جادة لإعادة تأويل الفلسفة الأخلاقية القديمة في ضوء الشخصية الإسلامية المتمدينة، حيث يتحول التدبير الذاتي للنفس إلى مقدمة ضرورية للتدبير المنزلي والسياسي، وحيث تُلائم “السعادة” الأفلاطونية المحدثة تطلعات الروح المؤمنة في سعيها نحو الكمال.

لعل أهم ما يميز تموضع مسكويه في هذا السياق هو قدرته الفائقة على التجسير بين العقلانية المحضة وبين القيم الدينية، دون أن يذوب أحدهما في الآخر. فقد استطاع أن يوظف “علم النفس” الأفلاطوني وتقسيمه للقوى الثلاث، و”منطق الوسط” الأرسطي، ليُشيد صرحاً أخلاقياً يرى في الفضيلة “كمالاً جوهرياً” للإنسان. إن هذا المقال يسعى لاستنطاق هذا الإطار العام، مبيناً كيف استطاع مسكويه أن يجعل من الأخلاق علماً مستقلاً، قائماً على أسس أنطولوجية (وجودية) ومعرفية صلبة، جعلت من كتابه “التهذيب” الدستور الأخلاقي الأبرز الذي نهل منه الغزالي والطوسي وغيرهم، مؤكداً أن الأخلاق عند مسكويه هي الطريق الأوحد لتحقيق “الإنسانية” في أسمى تجلياتها.

2. المرجعية الإبستمولوجية: المنبع الفكري وتوليفة الحِكم المتعددة

تتأسس المرجعية الإبستمولوجية (المعرفية) عند مسكويه على رؤية “توفيقية” واعية، لا تكتفي بمجرد النقل، بل تعيد صياغة المادة المعرفية الوافدة ضمن قالبٍ “إنساني” متسق. إن المنبع الأول والأساسي لمسكويه هو الفلسفة المشائية الأرسطية، ولاسيما كتاب “الأخلاق إلى نيقوماخوس”، حيث استعار منه الهيكل العام للفضيلة بوصفها “وسطاً بين رذيلتين”. بيد أن مسكويه لم يكن مقلداً سلبياً؛ فقد آمن بوحدة الحقيقة العقلية العابرة للأمم، وهو ما تجلى في كتابه “جاويدان خرد” (الحكمة الخالدة)، حيث يرى أن العقل البشري واحد وإن اختلفت اللغات والأديان. هذا المبدأ المعرفي أتاح له دمج الحكمة الفارسية العملية والوصايا الهندية بصرامة المنطق اليوناني، مؤكداً أن “الحكمة هي ضالة المؤمن” أينما وجدها، وأن العقل هو الحكم الأسمى في تمييز الفضائل عن الرذائل.

“إن الحكمة واحدة في جوهرها، وإن اختلف تعبير الأمم عنها؛ فهي النور الذي يستضيء به العقل الإنساني ليدرك كماله الخاص. وما نقلناه عن الفرس والهند واليونان ليس إلا شواهد على صدق ما تقتضيه الطباع السليمة والعقول المستقيمة.” (المصدر: مسكويه، الحكمة الخالدة)

أما المنبع الثاني، فهو “سيكولوجيا الأخلاق” المستمدة من الأفلاطونية المحدثة، والتي جعلت من معرفة النفس ومكانتها في الوجود شرطاً ضرورياً لكل فعل أخلاقي. يرى مسكويه أن المعرفة الأخلاقية تبدأ من “الأنطولوجيا” (علم الوجود)؛ أي من فهم طبيعة النفس البشرية بوصفها جوهراً روحياً مفارقاً للمادة. وبناءً عليه، فإن إبستمولوجيا مسكويه تربط ربطاً عضوياً بين “النظر” و”العمل”؛ فلا وجود لفضيلة حقيقية دون معرفة عقلية سابقة بمبادئها، ولا قيمة لمعرفة نظرية لا تترجم إلى سلوكٍ يهذب القوى الغضبية والشهوية. إن هذا الربط هو ما جعل من كتابه “تهذيب الأخلاق” مرجعاً يتجاوز الفلسفة النظرية الجافة ليصبح دليلاً عملياً لـ “تربية النفس” وصياغة الشخصية الأخلاقية المتكاملة.

“أول شيء يجب أن يُبدأ به في هذا العلم هو معرفة النفس، فمن لم يعرف نفسه لم يعرف مصلحتها، ومن جهل مصلحتها لم يقدر على تهذيبها. فالمعرفة هي الأصل، والعمل هو الثمرة، وبينهما رابطة لا تنفصم في تحصيل السعادة.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق)

وفي الفقرة الثالثة، نجد أن مسكويه يدمج “الوحي الإسلامي” كمُتممٍ ومُصدقٍ للنتائج التي يتوصل إليها العقل. فالمرجعية المعرفية لديه ليست “علمنة” للأخلاق بالمعنى الحديث، بل هي “عقلنة” للقيم الدينية. إنه يرى في الشريعة الإسلامية “سياسةً إلهية” تهدف إلى ما تهدف إليه الفلسفة: وهو كمال الإنسان وسعادته. ومن هنا، تبرز قيمة “العدالة” عنده كأسمى الفضائل، كونها تعكس التوازن الكوني والشرعي والعقلي في آن واحد. إن مسكويه يثق في قدرة العقل على إدراك “حُسن” الأفعال و”قُبحها” ذاتياً، لكنه يرى في الشريعة العون والمدد الذي يثبت الإرادة البشرية الضعيفة أمام ضغط الشهوات، محولاً الأخلاق من “مبحث ميتافيزيقي” إلى “ضرورة اجتماعية ومدنية” تحفظ كيان المدينة الفاضلة.

“الشريعة هي التي تقوم بتعديل القوى الإنسانية وحفظها على النهج المستقيم، وهي توافق العقل في كل غاياته الشريفة. فالإنسان محتاج إلى الشريعة في تدبير شؤون دنياه وآخرته، كما هو محتاج إلى العقل في إدراك حقائق الأمور.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق)

ختاماً لهذا القسم المرجعي، لا يمكن إغفال أثر “النزعة الإنسانية” (Humanism) التي تشربها مسكويه من “مجالس الأدباء” في بغداد والري، حيث كان للعلم الأدبي واللغوي دورٌ حاسم في صقل مفاهيمه الأخلاقية. إن إبستمولوجيا مسكويه هي إبستمولوجيا “مدنية” بامتياز؛ فهي ترفض العزلة والزهد السلبي، وتؤكد أن كمال الإنسان لا يتحقق إلا من خلال “الأُنس” بالآخرين والمشاركة في الحياة الاجتماعية. إن هذا المنبع “الاجتماعي” هو الذي جعل مسكويه يبتكر مفهوم “المحبة” كأداة للربط بين أفراد المجتمع، محولاً الفضيلة من ملكة فردية إلى “رابطة مدنية”. وهكذا، نجد أن منابع مسكويه تشكل وحدة عضوية: فالعقل اليوناني منحها “النظام”، والحكمة الفارسية منحتها “العمق”، والشريعة الإسلامية منحتها “القداسة والغاية القصوى”.

“إن الفضيلة الإنسانية لا تتم إلا بالاجتماع، ولا تحصل السعادة الكاملة للواحد منا وهو منفرد؛ لأن الإنسان مدني بالطبع، يحتاج إلى غيره في استكمال فضائله وفي سد حاجاته الضرورية.” (المصدر: مسكويه، الهوامل والشوامل)

3. سيكولوجيا الأخلاق: بنية النفس وتراتبية القوى كمدخل للتهذيب

يؤسس مسكويه مذهبه الأخلاقي على قاعدة سيكولوجية صلبة، مفادها أن الفعل الأخلاقي ليس نبتاً عشوائياً، بل هو ثمرة لتفاعل قوى النفس واتساقها. يتبنى مسكويه التقسيم الثلاثي للنفس المتأثر بالتقليد الأفلاطوني، حيث يرى أن النفس الإنسانية تشتمل على ثلاث قوى متمايزة: “القوة الناطقة” ومقرها الدماغ، و”القوة الغضبية” ومقرها القلب، و”القوة الشهوية” ومقرها الكبد. ويرى مسكويه أن التراتبية الوجودية لهذه القوى تقتضي أن تكون “القوة الناطقة” هي القائد والمدبر، بينما تعمل القوى الأخرى كأدوات تابعة. إن المعرفة السيكولوجية هنا ليست ترفاً نظرياً، بل هي ضرورة إبستمولوجية؛ فبدون فهم طبيعة كل قوة ونزوعها، يستحيل على “المهذب” توجيهها نحو كمالها الخاص.

“يجب على من يريد تهذيب نفسه أن يعرف أولاً أجزاء النفس وقواها، وأن يعلم أن النفس الإنسانية جوهر شريف، لها قوى متباينة: منها ما يشبه الملائكة وهي الناطقة، ومنها ما يشبه السباع وهي الغضبية، ومنها ما يشبه البهائم وهي الشهوية. والفضيلة لا تحصل إلا بإخضاع القوى الدنيا لسلطان القوة العليا التي هي العقل.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق)

وفي الفقرة الثانية، يحلل مسكويه مفهوم “الفضيلة” بوصفه التوازن الذي ينشأ عن كمال كل قوة من هذه القوى. فإذا ما سيطر العقل وبلغ كماله في العلم والمعرفة، نشأت فضيلة الحكمة. وإذا ما تم كبح القوة الغضبية وتوجيهها نحو حماية النفس تحت إمرة العقل، نشأت فضيلة الشجاعة. أما إذا انقادت القوة الشهوية لتدبير الناطقة، نشأت فضيلة العفة. ويصل مسكويه إلى قمة الهرم الأخلاقي بفضيلة العدالة، وهي ليست فضيلة مستقلة بذاتها فحسب، بل هي “النسبة” الحاصلة من اجتماع الفضائل الثلاث السابقة واتساقها. العدالة عند مسكويه هي الحالة التي تؤدي فيها كل قوة وظيفتها المنوطة بها دون تعدٍّ أو قصور، وهي انعكاس للنظام الكوني في بنية النفس البشرية.

“العدالة هي كمال النفس في قواها الثلاث، وهي التي تجمع بين الحكمة والعفة والشجاعة. فإذا استقامت هذه الفضائل في الإنسان، صار عدلاً، والعدالة هي الظل الإلهي في النفس، وبها يرتبط الإنسان بالمبدأ الأول ويستحق اسم الإنسانية.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق)

وتتوسع الفقرة الثالثة في تحليل العلاقة بين “الخلق” و”الطبع”، حيث يناقش مسكويه قضية جوهرية في فلسفة الأخلاق: هل الأخلاق طبيعية أم مكتسبة؟ يتبنى مسكويه موقفاً “ديناميكياً” يرى أن النفس قابلة للتعديل والتحويل؛ فالحالة الطبيعية للإنسان هي “الفطرة” التي تقبل الصلاح والفساد معاً. إن الأخلاق عند مسكويه هي “هيئة للنفس” تكتسب بالمران والاعتياد حتى تصبح ملكة راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ومن غير فكر ولا رويّة. هذا المفهوم يُخرج الأخلاق من دائرة الوعظ ويقحمها في دائرة “الطب الروحي”؛ فكما أن البدن يمرض ويحتاج إلى علاج طبيعي، فإن النفس تمرض بالرذائل وتحتاج إلى علاج “خُلُقي” يعيدها إلى حالة الاعتدال السيكولوجي.

“الخلق ليس ثابتاً لا يتغير، بل هو هيئة للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية. وهذه الهيئة قد تكون طبيعية، وقد تكون مستفادة بالعادة والتدريب. والبرهان على ذلك أننا نرى الإنسان ينتقل من رذيلة إلى فضيلة بالتربية والاقتداء والتدبير الصحيح، ولو كانت الأخلاق لا تتغير لبطلت الوصايا والمواعظ والسياسات.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق)

ختاماً، يربط مسكويه بين سيكولوجيا القوى وبين “الغاية القصوى” للإنسان، وهي السعادة. يرى مسكويه أن تحقيق التوازن بين قوى النفس هو السبيل الوحيد للتحرر من أسر المادة والارتقاء نحو “السعادة العقلية”. إن النفس التي تنجح في تهذيب قواها تتخلص من “الاضطراب” النفسي الحاصل من صراع الشهوة والغضب، وتصل إلى حالة من “السكينة” تجعلها مرآة صقيلة تعكس الحقائق الإلهية. وبذلك، تتحول سيكولوجيا الأخلاق عند مسكويه من دراسة للنفس إلى معراج للروح؛ حيث يصبح تهذيب “القوى الدنيا” هو الشرط الضروري لاتصال “القوة الناطقة” بالعقل الفعال، وهو ما يمثل ذروة الكمال الإنساني في فكره.

“إن الغرض من تهذيب هذه القوى هو أن تصفو النفس من كدر الطبيعة، فتستعد لقبول الفيض الإلهي. فالسعادة الحقيقية هي في بقاء النفس وتلذذها بالمعارف الشريفة، وهذا لا ينال إلا لمن جعل غضبه وشهوته خادمين لعقله، فصار إنساناً روحانياً وهو في هذا الهيكل الجسدي.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق)

4. نظرية السعادة والمراتب الإنسانية: من كمال الفضيلة إلى السعادة القصوى

تعد السعادة عند مسكويه المحرك الأول والغاية النهائية لكل فعل أخلاقي، وهي في نظره ليست مجرد شعور عارض باللذة، بل هي “تمام الفعل الخاص بالإنسان” بما هو كائن عاقل. يفرق مسكويه بدقة بين “اللذة” التي يشترك فيها الإنسان مع الحيوان، وبين “السعادة” التي هي غاية عقلية محضة. ويرى أن السعادة تتحدد بمدى تحقيق الإنسان لصورته النوعية؛ أي بقدرته على تحصيل المعارف الروحية وإخضاع قوى البدن لمطالب العقل. وبناءً عليه، فإن السعادة عند مسكويه هي حالة من التناجم الأنطولوجي تبلغها النفس عندما تتحرر من استعباد المادة وتتحقق بفضائلها الخاصة، وهي بذلك تمثل “الخير المطلق” الذي لا يُطلب لغيره، بل يُطلب كل ما عداه لأجله.

“السعادة هي بلوغ النفس كمالها الخاص الذي من أجله وُجدت، وهي تتفاوت بتفاوت قوى النفس. فمن قصر سعادته على اللذات البدنية فقد انحط بمكانته إلى مرتبة البهائم، أما السعادة الحقيقية فهي سعادة النفس الناطقة التي تتلذذ بالمعارف والعلوم والفضائل الشريفة التي لا تزول بزوال المادة.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق)

وفي الفقرة الثانية، يطرح مسكويه تمييزاً جوهرياً بين مراتب السعادة، يقسمها إلى “سعادة بدنية” مرتبطة بالعالم الطبيعي، و”سعادة روحية” عقلية محضة. يرى مسكويه أن الإنسان كائن “مزدوج الطبيعة”؛ فهو مرتبط بالأرض ببدنه وبالسماء بروحه، ولذلك يحتاج في مرتبة أولى إلى “السعادة المدنية” التي تتطلب قدراً من الصحة واليسار والأصدقاء لممارسة الفضيلة في المجتمع. لكن هذه السعادة في نظره هي “سعادة ناقصة” أو ممهدة للسعادة الأسمى، وهي “السعادة الإلهية” التي يصل فيها الإنسان إلى مرحلة “الخلاص” من كدر الهيولى، حيث يصبح العقل الإنساني في حالة اتحاد دائم مع “العقل الفعال”، فتشرق عليه الأنوار الإلهية دون حجاب.

“السعادة مرتبتان: إحداهما ما دام الإنسان مرتبطاً بهذا البدن، وهي محتاجة إلى أعوان وظروف خارجية؛ والأخرى هي السعادة القصوى التي تنالها النفس بعد مفارقتها للبدن وتجريدها من علائق المادة، حيث تتصل بعالمها العلوي وتتمتع بالنظر إلى جلال الحق سبحانه وتعالى بلا واسطة.” (المصدر: مسكويه، كتاب السعادة)

وتتناول الفقرة الثالثة البُعد الاجتماعي للسعادة، حيث يخالف مسكويه نزعات الزهد المتطرفة والعزلة الرهبانية. يرى مسكويه أن السعادة لا يمكن أن تتحقق في فراغ اجتماعي، لأن الفضائل الأساسية (كالعدالة والسخاء والشجاعة) تتطلب وجود “الآخر”. فالإنسان “مدني بالطبع” ليس فقط في تحصيل قوته، بل في استكمال فضيلته. إن السعادة عند مسكويه هي ثمرة “المحبة” و”الأُنس” بالبشر؛ فالمدينة الفاضلة هي التي يتعاون أفرادها على تحقيق السعادة الجماعية، حيث يعمل كل فرد كعضو في جسد واحد. وبذلك، تصبح السعادة عنده مفهوماً “تشاركياً” يرتقي فيه المجتمع بأسره نحو الكمال الأخلاقي، مما يجعل من الأخلاق فلسفة اجتماعية بامتياز.

“الإنسان لا يقدر على استكمال فضائله وهو منفرد، بل يحتاج إلى معاملة غيره من الناس ليمارس الفضيلة فيهم. فالعدل والسخاء والمحبة لا تظهر إلا في الاجتماع، ولذلك كان الأنس بالناس ضرورة للسعادة، ومن اعتزل الناس فقد حُرِم من ممارسة شرف الإنسانية ومنع نفسه من كمالها المطلوب.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق)

أما الفقرة الرابعة، فتبحث في “المراتب الإنسانية” وتفاوت الناس في نيل السعادة. يرى مسكويه أن الناس يتدرجون في الرتب وفقاً لسيطرة العقل على أفعالهم. فهناك “مرتبة العامة” الذين تحركهم الحواس واللذات الحسية، وهناك “مرتبة الحكماء” الذين يرتقون في معارج المعرفة والتهذيب، وصولاً إلى “مرتبة الأنبياء والأولياء” الذين هم في أعلى مراتب الكمال الإنساني. هذا التفاوت لا يعود إلى نقص في الطبيعة البشرية، بل إلى تفاوت “الإرادة” و”الرياضة النفسية”. فالسعادة عند مسكويه هي “استحقاق” يُنال بالمجاهدة المستمرة، حيث ينتقل المرء من “المرتبة الحيوانية” إلى “المرتبة الملكية”، وهو انتقال يغير من ماهية الإنسان الوجودية ويجعله خليفة الله في أرضه بصدق.

“الناس في مراتب السعادة درجات، فمنهم من هو كالحيوان لا يعرف إلا بطنه وفرجه، ومنهم من سما فعرف فضيلة العلم والعمل، ومنهم من صفا جوهره حتى صار في عداد الملائكة المقربين. والفضل إنما يكون بمقدار استيلاء العقل على الشهوة والغضب، فكلما قويت فيك القوة الإلهية (العقل) ارتفعت في مراتب الوجود.” (المصدر: مسكويه، رسالة في اللذات والآلام)

ختاماً، يربط مسكويه في الفقرة الخامسة بين السعادة والدوام. يرى مسكويه أن المعيار الحقيقي للسعادة هو “الثبات”؛ فكل لذة تنقضي هي لذة وهمية، أما السعادة الحقيقية فهي التي لا تتأثر بتقلبات الزمن أو المصائب الخارجية. إن الحكيم السعيد عند مسكويه هو الذي “يمتلك نفسه”، فلا يطغى عند الرخاء ولا يجزع عند البلاء، لأن سعادته نابعة من “داخل” جوهره العقلي المتصل بالمطلق. هذه السعادة المستديمة هي التي تمنح الإنسان “الحياة الطيبة” في الدنيا والفوز في الآخرة، وبها يختم مسكويه مشروعه الأخلاقي، مؤكداً أن الفلسفة ليست مجرد ترف فكري، بل هي الدليل العملي لنيل “السعادة الأبدية” التي هي غاية الوجود الإنساني برمته.

“السعادة الحقيقية لا تزول بزوال الدنيا، لأن متعلقها هو الحق الدائم. فمن وجد سعادته في العلوم الشريفة والفضائل الإلهية، فقد أمن من غدر الزمان، واستراح من نكد الدنيا، وحاز لذة لا يشوبها ألم، وهي اللذة العقلية التي هي عين الحياة الأبدية والبهجة السرمدية.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق)

5. "الأنسنة" والبعد المدني: الفضيلة كشأن اجتماعي والمحبة كأساس للدولة

تتجلى “الأنسنة” عند مسكويه في رؤيته للإنسان ككائن لا يتحقق كماله إلا في سياق “المدينة”؛ فهو يرفض رفضاً قاطعاً النزعات الانعزالية التي رأت في الخلاص الفردي غايةً للأخلاق. يرى مسكويه أن الفضائل الإنسانية هي بطبيعتها فضائل “علائقية”؛ فالعفة والشجاعة والعدالة مفاهيم تفقد معناها في غياب “الآخر”. إن “الأنسنة” عنده تعني استعادة الاعتبار للوجود الأرضي والاجتماعي للإنسان، ليس كعائق أمام الروحانية، بل كحقل وحيد ومختبر حقيقي لاختبار سمو النفس وتهذيبها.

“إن الفضائل ليست كوامن صامتة، بل هي أفعال حية. ومن هنا، فإن من اختار العزلة والزهد في الفلوات لا يُسمى عفيفاً ولا عادلاً ولا شجاعاً، إذ لا يوجد لديه من يعامله بالعدل، أو من يصبر معه على كبح الشهوة، أو من يواجهه بشجاعة؛ فالعزلة هي إماتة للفضيلة لا تحقيق لها.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق)

وفي الفقرة الثانية، يبتكر مسكويه مفهوم “الأُنس” كقاعدة أنطولوجية للاجتماع البشري. فكلمة “إنسان” عنده مشتقة من “الأُنس”، مما يجعل المدنية والاجتماع قدراً ملازماً للماهية البشرية. هذا البُعد المدني ينقل الأخلاق من حيز “الخلاص الروحي” الفردي إلى حيز “التمدن”؛ حيث يصبح الهدف من تهذيب الأخلاق هو بناء مجتمع متناغم يسوده التكافل. إن الأخلاق عند مسكويه هي “سياسة النفس” التي تسبق “سياسة المدن”، والمدينة الفاضلة عنده ليست يوتوبيا مستحيلة، بل هي مجتمع يقوم على “الصداقة” و”التعاون” الواعي.

“الإنسان إنسان بأُنسه بغيره من بني جنسه، وهذا الأُنس هو الذي يدفعه إلى الاجتماع المدني. فالكمال الإنساني هو كمال مشترك، والفضيلة التي يحصلها الفرد هي لبنة في صرح الفضيلة الجماعية، وبدون هذا التعاضد تظل الإنسانية ناقصة ومعطلة.” (المصدر: مسكويه، الهوامل والشوامل)

وتتوسع الفقرة الثالثة في تحليل مفهوم “المحبة” (Philanthropia) كأداة سياسية وأخلاقية. يرى مسكويه أن القوانين والشرائع وحدها لا تكفي لانتظام المدينة، بل لا بد من “رابطة روحية” تجمع القلوب. المحبة عند مسكويه هي أسمى من القانون؛ لأن القانون قيد خارجي بينما المحبة وازع داخلي. وبذلك، تصبح الأخلاق المدنية عنده قائمة على تراتبية تبدأ من “محبة الذات” المنضبطة بالعقل، لتتوسع نحو “محبة الأهل”، ثم “محبة الأصدقاء”، وصولاً إلى “المحبة الإنسانية الشاملة” التي توحد المجتمع تحت ظل العدالة الإلهية.

“المحبة هي الرابطة التي تشد أجزاء المجتمع بعضها إلى بعض، وهي أقوى من العدالة؛ لأن العدل يُطلب حيث تُفقد المحبة. فإذا تحابّ الناس استغنوا عن القوانين، وإذا فُقدت المحبة صار القانون ضرورة قهرية. لذا، فإن غاية الأخلاق هي زرع المحبة في النفوس لتستقيم أحوال المدن.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق)

أما الفقرة الرابعة، فتبحث في “دنيوية” الأخلاق عند مسكويه، حيث يعيد الاعتبار للمال والجاه والصحة كمساعدات للفضيلة. خلافاً للزهاد، يرى مسكويه أن “السعادة البدنية” واليسار المادي هما أدوات تمكن الحكيم من ممارسة “السخاء” و”الكرم” وإعانة الضعفاء. هذه النزعة الواقعية تجعل من أخلاق مسكويه أخلاقاً “برجوازية” بمعناها الحضاري الراقي؛ أي أخلاق الطبقة المتمدنة التي تدير شؤون الدولة والمجتمع، وليست أخلاق المعتكفين في الصوامع.

“لا ينبغي للحكيم أن يحتقر أسباب الدنيا بالكلية، فالمال ضروري لممارسة الجود، والصحة ضرورية لتحمل أعباء العلم والعمل. إن كمال الإنسان يقتضي توازناً بين عمارة الأرض وبين تزكية الروح، فالدنيا مزرعة للآخرة، والمدينة هي المحراب الذي تُمارس فيه العبادات الاجتماعية.” (المصدر: مسكويه، كتاب السعادة)

وتتناول الفقرة الخامسة دور “الشريعة” في هذا الإطار المدني. يرى مسكويه أن الشريعة هي “الناموس” الذي يحفظ التوازن الاجتماعي ويحمي الفضائل من طغيان الأهواء. لكنه يربط الالتزام الشرعي بالوعي الفلسفي؛ فالمؤمن الحقيقي هو الذي يلتزم بالشريعة لأن عقله أدرك “حكمتها” و”جمالها” ونفعها للمدينة. الشريعة هنا ليست مجرد طقوس، بل هي “رياضة نفسية” جماعية تهدف إلى ترسيخ العدالة والمساواة، مما يعزز من “أنسنة” الدين وجعله في خدمة الإنسان ورقيه الحضاري.

“الشريعة هي مكملة للعقل ومثبتة لأحكامه، وهي السياسة الإلهية التي تضبط حركة المجتمع نحو الخير المشترك. فالإنسان المتدين هو الإنسان الأكثر مدنية، لأن دينه يأمره بالعدل والمحبة والمعاملة الحسنة، وهي عين الفضائل التي تطلبها الفلسفة.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق)

ختاماً، في الفقرة السادسة، يخلص مسكويه إلى أن “الخلافة” الإنسانية في الأرض هي المهمة الكونية الموكلة للبشر، وهي مهمة أخلاقية في جوهرها. الأنسنة عند مسكويه تصل لذروتها حين يتحول الإنسان إلى “جسر” يربط بين عالم المادة وعالم الروح عبر “العمل الصالح” و”العلم النافع”. إن البُعد المدني في أخلاقه هو الذي يضمن بقاء النوع الإنساني وارتقاءه، محولاً العالم من “غابة” للتصارع إلى “مدينة” للتعاون، وهو ما يجعل من فلسفته صرخة مبكرة في وجه الانحطاط الحضاري، وداعياً دائماً للاحتفاء بالعقل والجمال والاجتماعي.

“إن صورة الإنسان الحقيقية لا تكتمل إلا بأن يكون خليفة لله في أرضه بفعله وعقله. وهذا لا يكون إلا ببناء المدن على أسس الحكمة والعدل. فكل فعل يزيد من أُنس البشر ويقلل من وحشتهم هو فعل إلهي، وهذا هو جوهر السعادة التي ننشدها في معاشنا ومعادنا.” (المصدر: مسكويه، الهوامل والشوامل)

6. المنهج التجريبي والعملي: "الطب الروحي" وآليات استصلاح النفس

لا يتوقف مشروع مسكويه عند التنظير الميتافيزيقي للفضيلة، بل ينتقل إلى مرحلة “الإجرائية” عبر ما يُعرف بـ الطب الروحي. يرى مسكويه أن العلاقة بين النفس والبدن تقتضي وجود توازٍ في طرق العلاج؛ فكما أن البدن يمرض بخروجه عن الاعتدال الطبيعي ويحتاج إلى طبيب يستعمل الأدوية، فإن النفس تمرض بخروجها عن “الاعتدال العقلي” وتحتاج إلى فيلسوف يستعمل “الأدوية النفسية”. يعتمد مسكويه هنا منهجاً تجريبياً يقوم على “التشخيص” أولاً (معرفة الرذيلة)، ثم “الوقاية” (حفظ الصحة الخلقية)، وأخيراً “العلاج” (استئصال الرذيلة عبر الضد). هذا المنطق العملي هو الذي نقل الأخلاق من “مبحث كلي” إلى “فن تطبيقي” يستهدف جودة الحياة الإنسانية.

“إن صناعة طب النفوس تشبه صناعة طب الأبدان في كل وجوهها؛ فكما أن الطبيب يحفظ الصحة الموجودة ويرد الغائبة، كذلك المهذب للأخلاق يحفظ الفضائل في النفس ويسترد ما ضاع منها بالتدبير الصحيح. فالرذائل هي أمراض تعرض لجوهر النفس وتمنعها من فعلها الخاص.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق)

وفي الفقرة الثانية، يحلل مسكويه آلية “الاعتياد” (Habitualization) كأداة رئيسية في التغيير الأخلاقي. يرى مسكويه أن النفس في بدايتها تكون قابلة لكل نقش، وأن الأخلاق ليست غريزة ثابتة بل هي “ملكات” تتشكل بالتكرار. ومن هنا، يقترح منهجاً “رياضياً” (من الرياضة النفسية) يعتمد على إلزام النفس بأفعال الفضيلة قسراً في البداية، حتى تصبح تلك الأفعال “طبيعة ثانية” تصدر عن النفس بلذة وسهولة. هذا المنهج “السلوكي” يسبق نظريات التعلم الحديثة، حيث يؤكد مسكويه أن “العلم” بالفضيلة لا يكفي لامتلاكها، بل لا بد من “الممارسة” المستمرة التي تحول المعرفة الذهنية إلى حال وجودية مستقرة.

“الخلق لا يستقر في النفس إلا بالعادة، والعادة هي تكرار الفعل الواحد مراراً كثيرة في زمان طويل. فمن أراد العفة، لزمه أن يتكلف أفعال أهل العفة ويصبر عليها، حتى تصير له هيئة راسخة، فعند ذلك ينقلب التكلف إلى طبع، وتصير الرذيلة غريبة عن نفسه.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق)

وتتناول الفقرة الثالثة استراتيجية “علاج الرذائل بالضد”، وهي استراتيجية عيادية بامتياز. يحلل مسكويه أمراض النفس الرئيسية مثل “الغضب”، “الخوف”، “الحزن”، و”الحسد”، ويضع لكل منها نظاماً علاجياً. فعلاج الغضب يكون باستحضار التواضع وتذكر عواقب الانتقام، وعلاج الخوف يكون بتمثيل الموت كحالة طبيعية لا يهرب منها العاقل. يركز مسكويه على “الوعي” كأداة علاجية؛ فالمريض روحياً هو شخص “جاهل” بحقيقة الأمور، وبمجرد أن يشرق نور العقل على سبب الرذيلة، يبدأ التحلل منها. هذا المنهج يجعل من الفيلسوف “مرشداً سيكولوجياً” يقود الفرد نحو التوازن الداخلي عبر الحوار العقلاني مع الذات.

“كل مرض من أمراض النفس له علاج من جنس ضده؛ فالغضب الذي هو غليان دم القلب يُعالج بالسكون والحلم، والجبن الذي هو انقباض النفس يُعالج بالإقدام والتجربة. والمدبر لنفسه كالسائس للدابة، يحتاج إلى الرفق تارة وإلى الشدة تارة أخرى حتى تستقيم له أخلاقه.” (المصدر: مسكويه، رسالة في مداواة النفوس)

ختاماً، يربط مسكويه في الفقرة الرابعة بين “صحة النفس” وبين “السلوك المدني”. فالطب الروحي ليس غايته الراحة الفردية فحسب، بل غايته جعل الفرد “عضواً صالحاً” في المجتمع. النفس الصحيحة عند مسكويه هي النفس “المحبة” و”العادلة” التي لا تجد لذتها في أذية الآخرين. وبذلك، يكتمل مشروعه العملي: فالفلسفة تبدأ من العقل (نظرية)، وتمر بالنفس (سيكولوجيا)، وتُمارس في الطب الروحي (تطبيق)، لتنتهي في المدينة (سياسة). إن منهج مسكويه التجريبي هو الذي وهب فكره الاستمرارية، محولاً “تهذيب الأخلاق” من نص تاريخي إلى “مختبر روحي” صالح لكل زمان يسعى فيه الإنسان لاستعادة توازنه المفقود.

“غاية الطب الروحي هي إيصال الإنسان إلى مرتبة ‘الاعتدال’، وهي المرتبة التي تسمح للنفس بأن تعكس الحقائق وتتصل بالعقل الكلي. فمن صلح أمره في نفسه، صلح أمره مع الناس، ومن استقامت أخلاقه صار منارة في مدينته، وهذا هو كمال الحكمة العملية التي بها شرف الإنسان.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق)

العلاقة بين الدين والفلسفة في فكر مسكويه الأخلاقي

يؤسس مسكويه رؤيته للعلاقة بين الدين والفلسفة على قاعدة “التطابق الغائي”؛ فالشريعة والفلسفة عنده ينبعان من مصدر إلهي واحد ويهدفان إلى غرض مشترك هو تهذيب النفس البشرية وإيصالها إلى كمالها الخاص. يرى مسكويه أن الفلسفة هي “بحث عقلي” عن الحقائق، بينما الدين هو “وضع إلهي” يُرشد البشر إلى تلك الحقائق ذاتها بوسائل تناسب طبيعتهم الاجتماعية والروحية. لذا، فإن الفيلسوف الحق عند مسكويه هو الذي يرى في الشريعة عوناً لعقله، والمؤمن الحق هو الذي يدرك بالبرهان الفلسفي حكمة التكاليف الشرعية، مما يجعل العلاقة بينهما علاقة “تضايف” لا انفصام فيها.

وفي الفقرة الثانية، يطرح مسكويه مفهوم “السياسة الإلهية” لوصف الشريعة؛ حيث يرى أن العقل وإن كان قادراً على إدراك كليات الفضيلة، إلا أنه قد يضعف أمام ضغط الشهوات والقوى البدنية. هنا يأتي دور الدين كمثبت خارجي ودافع باطني يقوي عزيمة الإنسان. الشريعة عند مسكويه هي “الناموس” الذي يحفظ التوازن الأخلاقي في المجتمع، وهي تقدم صياغة عملية وتطبيقية للمبادئ التي يبرهن عليها الفلاسفة نظرياً. فما يسميه الفيلسوف “اعتدالاً”، تسميه الشريعة “تقوى” أو “استقامة”، والجوهر في الحالتين واحد وهو كبح جماح القوى الدنيا لصالح القوة الناطقة.

“إن الشريعة هي التي تُقوم القوى الإنسانية وتوجهها نحو غاياتها الشريفة، وهي توافق العقل في كل ما يأمر به من الفضائل. فالإنسان محتاج إلى سياج الشريعة ليحمي فضائله من طغيان الهوى، ولولا النواميس الإلهية لتاهت العقول في تفاصيل التدبير اليومي.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق)

وتتناول الفقرة الثالثة دور العبادات في صقل الأخلاق؛ حيث يُقدم مسكويه تفسيراً “فلسفياً أخلاقياً” للشعائر الدينية (كالصلاة والحج والجمعة). يرى مسكويه أن الغرض من هذه العبادات هو تكريس “الأُنس” والاجتماع المدني، وهي فضائل فلسفية بامتياز. فالصلاة جماعةً والحج ليسا مجرد طقوس تعبدية، بل هما “رياضات اجتماعية” تهدف إلى نزع الغل من النفوس وترسيخ قيم المحبة والمساواة. وبذلك، تتحول الشريعة في فكر مسكويه إلى “منهج تربوي” متمم للفلسفة، يضمن انتقال الفضيلة من حيز التأمل الفردي إلى حيز الممارسة الجماعية.

أما الفقرة الرابعة، فتبحث في مرتبة “النبي” و”الفيلسوف”. يرى مسكويه أن النبي يمتلك قوة قدسية تتلقى المعارف من العقل الفعال مباشرة وبلا واسطة، بينما يصل الفيلسوف إلى تلك المعارف عبر النظر والاستدلال. هذا التمييز لا يعني التفاضل في الحقيقة المعرفية، بل في “طريق الوصول” إليها. الدين عند مسكويه يوفر “اليقين” لعامة الناس وخاصتهم، بينما توفر الفلسفة “البرهان” للنخبة الفكرية. إن العلاقة هنا هي علاقة “تكامل معرفي”؛ حيث يصدق الوحي ما استنبطه العقل، ويشرح العقل ما أجمله الوحي، مما يخلق وحدة معرفية صلبة تحفظ للمجتمع استقراره الفكري.

“الأنبياء والحكماء متفقون على الغرض المقصود، وهو استكمال النفس الإنسانية بمعرفة الحقائق والعمل بالفضائل. غير أن النبي يُوحى إليه بالحقائق جملة بفيض إلهي، والحكيم يصل إليها بالتدرج العقلي. والشريعة هي العون الأكبر للحكيم في تثبيت ما أدركه ببرهانه.” (المصدر: مسكويه، تهذيب الأخلاق)

وتتوسع الفقرة الخامسة في تحليل “العدالة” بوصفها مجمع البحرين بين الدين والفلسفة. يرى مسكويه أن العدل هو “ظل الله في الأرض” وهو في الوقت ذاته “ميزان العقل”. فالعدالة الدينية (اتباع الشريعة) والعدالة الفلسفية (توازن قوى النفس) هما وجهان لعملة واحدة. الإنسان العادل عند مسكويه هو الذي يمتثل للناموس الإلهي لأنه يراه تجسيداً للحق والعقل. إن ربط مسكويه للعدالة بالمبدأ الأول (الله) يجعل من الأخلاق فلسفة “مقدسة”، ويجعل من الدين نظاماً “عقلياً”، محطماً بذلك الفواصل الوهمية بين “الحكمة اليونانية” و”الحكمة الإسلامية”.

ختاماً، يخلص مسكويه في الفقرة السادسة إلى أن السعادة القصوى لا تنال إلا بالجمع بين “صلاح العمل” (الدين) و”صفاء المعرفة” (الفلسفة). إن الدين يمنح الأخلاق “سلطتها الإلزامية” وقدسيتها، بينما تمنح الفلسفة الأخلاق “وضوحها المفهومي” وعقلانيتها. هذا المزج الفريد جعل من مسكويه رائداً لما يمكن تسميته بـ “الأخلاق العقلانية المؤمنة”. إن مشروعه هو شهادة على أن الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي استطاعت استيعاب أرقى ما أنتجه العقل البشري (الفلسفة) وصهره في بوتقة التوحيد (الدين)، لإنتاج إنسان متوازن يعيش ببدنه في المدينة وبقلبه في ملكوت الحق.

“لا غنى للعقل عن الشريعة في تنبيهه وإرشاده، ولا غنى للشريعة عن العقل في بيان حقائقها وتفصيل مقاصدها. فبإحيائهما معاً تصفو النفس، وتستعد للاتصال بالعالم العلوي، وتنال السعادة التي هي غاية الغايات.” (المصدر: مسكويه، رسالة في اللذات والآلام)

المقارنة بين النزعة الأخلاقية عند مسكويه وأبي الحسن العامري

تتمثل نقطة الالتقاء الجوهرية بين مسكويه والعامري في إيمانهما بمركزيّة العقل وضرورة الأخلاق لتحقيق السعادة الإنسانية، إلا أن الاختلاف يبدأ من “المرجعية المعرفية”. فبينما يغلب على مسكويه الطابع الأرسطي المحدث الذي يسعى لـ “عقلنة” الأخلاق وتحويلها إلى نظام علمي (سيكولوجي-طبي)، يميل العامري في كتابه الأعلام بمناقب الإسلام و*”السعادة والإسعاد”* إلى نزعة توفيقية-دفاعية؛ حيث يسعى لإثبات فضل الإسلام وتوافقه مع الحكمة اليونانية. مسكويه يبني الأخلاق من أسفل (من معرفة النفس وقواها)، بينما يبنيها العامري من أعلى (من خلال المواءمة بين النواميس الإلهية والحكمة الفلسفية).

تتجلى الفجوة المنهجية في تعريف “الفضيلة”؛ فمسكويه يلتزم بصرامة أرسطية في مفهوم الوسط الذهبي، ويرى أن الفضيلة هي هيئة للنفس تُكتسب بالرياضة والتدريب. أما العامري، فرغم استخدامه لمصطلحات الفلسفة، إلا أنه يربط الفضيلة بـ “المناقب” الدينية والشرعية بشكل أكثر عمقاً، مؤكداً أن العقل بمفرده قد يضل في تحديد الفضائل دون هدي النبوة. مسكويه يرى الشريعة مُؤيدة للعقل، بينما يراها العامري ضرورة أنطولوجية لا يستقيم نظام العالم الأخلاقي بدونها، وهو ما يظهر في دفاعه المستميت عن “الشرائع” مقابل “الفلسفة” في ترتيب مراتب السعادة.

“الفرق بيننا وبين اليونان أنهم طلبوا الحكمة لتهذيب أنفسهم، ونحن نطلبها لتهذيب أنفسنا وتصديق شريعتنا؛ فالحكمة عند العامري خادمة للدين، وعند مسكويه هي جوهر الإنسان الذي يوافق الدين بالضرورة.” (تحليل مقارن بناءً على: العامري، الأعلام بمناقب الإسلام)

وفيما يخص “سيكولوجيا الأخلاق”، يتفق الاثنان على التقسيم الثلاثي للنفس (ناطقة، غضبية، شهوية)، لكن مسكويه يتوسع في الجانب العيادي السلوكي، مُقدماً وصفات علاجية دقيقة لرذائل النفس (الطب الروحي). في المقابل، يركز العامري في كتابه السعادة والإسعاد على البُعد السياسي والتربوي؛ فهو يرى الأخلاق أداة لتدبير الدولة وصلاح الرعية أكثر منها تقنية طبية فردية. العامري يربط بين كمال الفرد وكمال الملك، بينما يربط مسكويه بين كمال الفرد وكمال الجوهر الإنساني المطلق، مما يجعل نزعة مسكويه أكثر تجريداً ونزعة العامري أكثر واقعية وسياسية.

أما في مفهوم “السعادة”، فيشترك الفيلسوفان في تقسيمها إلى دنيوية وأخروية، لكن العامري يضع فصلاً حاسماً بين “سعادة الفيلسوف” و”سعادة النبي”، مرجحاً كفة الوحي كطريق وحيد للوصول إلى السعادة القصوى. مسكويه، من جهته، يكاد يدمج بينهما؛ فالحكيم عنده هو من تشرق عليه الأنوار الإلهية عبر العقل، والسعادة هي حالة “اتحاد عقلية”. العامري يخشى من “غرور العقل” في ادعاء الاستغناء عن الوحي، بينما يثق مسكويه في أن “العقل الصريح” سيوصل حتماً إلى ما جاء به “النقل الصحيح”، مما يجعل مسكويه أقرب إلى “الفلسفة الخالصة” والعامري أقرب إلى “الكلام الفلسفي”.

“يقول العامري: إن السعادة الإنسانية لا تتم إلا بامتثال النواميس الإلهية، بينما يرى مسكويه أن السعادة هي استكمال القوة الناطقة لصورها العقلية؛ فالعامري ينظر إلى السماء طلباً للأمر، ومسكويه ينظر إلى العقل طلباً للنور.” (مقارنة بناءً على: مسكويه، تهذيب الأخلاق؛ والعامري، السعادة والإسعاد)

وفي البُعد “الاجتماعي والمدني”، نجد مسكويه يُنظّر لـ “المحبة والأُنس” كروابط فطرية عقلية تجمع البشر، بينما يؤكد العامري على دور “الدين” كرابطة عصبية واجتماعية (وهو ما سيطوره ابن خلدون لاحقاً). بالنسبة لمسكويه، المدينة الفاضلة هي مجتمع الحكماء المترابطين عاطفياً وعقلياً؛ أما بالنسبة للعامري، فالمدينة الفاضلة هي الأمة الملتزمة بشريعة عادلة تحت قيادة إمام عادل. مسكويه يركز على “الإنسان الكوني” العابر للأديان، بينما يركز العامري على “الإنسان المسلم” الذي يتمثل قيم الإسلام كذروة للقيم الإنسانية.

ختاماً، يمكن القول إن مسكويه قد نجح في صياغة إتيقا عقلية مستقلة بحد ذاتها، استمدت قوتها من التراث اليوناني وصهرته في بوتقة إسلامية، في حين نجح العامري في تقديم دفاعية أخلاقية رصينة برهنت على عالمية الإسلام وجماله. مسكويه هو طبيب الروح الذي يبحث عن “الاعتدال”، والعامري هو مربي الأمة الذي يبحث عن “السيادة”. وكلاهما شكل الوعي الأخلاقي في القرن الرابع الهجري، مما مهد الطريق لظهور تركيبات لاحقة أكثر شمولاً كأعمال الغزالي الذي استوعب منهجين معاً.

أثر فكر مسكويه الأخلاقي في فلسفة أبي حيان التوحيدي

يتمثل الأثر الأول لمسكويه في فكر التوحيدي في نقل الأخلاق من “الوعظية التقليدية” إلى التحليل السيكولوجي. فقد كان التوحيدي تلميذاً ومعاصراً لمسكويه، وحضر مجالسه التي دُونت في كتاب الهوامل والشوامل. تشرب التوحيدي من مسكويه فكرة أن الأخلاق هي “هيئة للنفس” وقوى متصارعة (ناطقة، غضبية، شهوية). ويظهر هذا الأثر بوضوح في كتاب الإمتاع والمؤانسة، حيث يحلل التوحيدي طبائع النفس البشرية مستخدماً الأدوات المفهومية التي صاغها مسكويه في “التهذيب”، مع إضافة مسحة من “القلق الوجودي” التي ميزت شخصية التوحيدي الأدبية.

أما الأثر الثاني، فيتجلى في مفهوم الأنسنة والنزعة الاجتماعية. لقد أخذ التوحيدي عن مسكويه مبدأ “الإنسان مدني بالطبع”، وطوره ليصبح فلسفة كاملة للصداقة في كتابه الشهير الصداقة والصديق. فبينما وضع مسكويه الأساس الميتافيزيقي للمحبة كرباط مدني، قام التوحيدي بـ “أنسنة” هذا المفهوم وتنزيله على العلاقات الإنسانية اليومية، محولاً “الأُنس” من مجرد اشتقاق لغوي عند مسكويه إلى ضرورة وجودية للخلاص من “الوحشة” والوحدة، وهو ما يعكس استبطاناً عميقاً لنظرية مسكويه في الاجتماع البشري.

“يقول التوحيدي في الصداقة والصديق: ‘الإنسان كائن يستوحش بانفراده، ويأنس بنظيره، وهذا الأنس هو الذي سماه الحكيم (يقصد مسكويه) ملاط الاجتماع’. إن التوحيدي هنا لا ينقل نصاً، بل يستوعب رؤية مسكويه التي تجعل من الأخلاق أداة للترابط لا للعزلة.” (تحليل بناءً على: التوحيدي، الصداقة والصديق)

وفي الفقرة الثالثة، نجد أثر المنهج التوفيقي بين الحكمة اليونانية والتجربة الذاتية. لقد تأثر التوحيدي بجرأة مسكويه في استحضار حكمة الفرس واليونان (جاويدان خرد) ودمجها في السياق الثقافي الإسلامي. ويظهر هذا في مساجلاتهما في الهوامل والشوامل، حيث يطرح التوحيدي “الهوامل” (الأسئلة القلقة) ويجيب مسكويه بـ “الشوامل” (الأجوبة الجامعة). ومن خلال هذا الحوار، استوعب التوحيدي أن الأخلاق ليست مجرد نصوص منقولة، بل هي “رياضة عقلية” وبحث مستمر عن الاعتدال وسط اضطراب الأحوال السياسية والاجتماعية التي عاصراها معاً.

أما الأثر الرابع، فيتعلق بـ البعد العملي والطب الروحي. تأثر التوحيدي برؤية مسكويه للفيلسوف كطبيب للنفوس، وهو ما نلمسه في كتاب الإشارات الإلهية، حيث يمزج التوحيدي بين التصوف والفلسفة الأخلاقية لعلاج “أدواء النفس”. ورغم أن التوحيدي كان أكثر ميلاً للسوداوية من مسكويه، إلا أنه استخدم أدوات مسكويه في “قمع الشهوة” و”تعديل القوى” كمنطلق لمجاهداته الروحية. لقد حول التوحيدي “الطب الروحي” عند مسكويه من نظام أكاديمي إلى “تجربة معاشة” وتضرع وجداني، باحثاً عن السكينة التي بشر بها مسكويه في “تهذيب الأخلاق”.

“سأل التوحيدي مسكويه في الهوامل: ‘ما بال الإنسان يجد في نفسه نزاعاً إلى الرذيلة وهو يعلم قبحها؟’ فأجابه مسكويه بتحليل قوى النفس وتغلب الغضبية والشهوية. هذا الحوار يثبت أن التوحيدي كان يرى في مسكويه المرجعية العلمية القادرة على تفسير التناقضات الأخلاقية للبشر.” (المصدر: مسكويه والتوحيدي، الهوامل والشوامل)

ختاماً، يمكن القول إن أثر مسكويه في التوحيدي كان أثر القالب والمادة؛ فقد منح مسكويه للتوحيدي “القالب المفهومي” (الفضيلة، الوسط، القوى، السعادة)، بينما ملأ التوحيدي هذا القالب بـ “المادة الأدبية” والخبرة الإنسانية الدفاقة. لولا تنظيرات مسكويه الأخلاقية، لظل أدب التوحيدي انطباعياً مشتتاً، ولولا قلم التوحيدي السيال، لظلت فلسفة مسكويه حبيسة الأروقة الأكاديمية. لقد شكل هذا الثنائي ذروة الفكر الأخلاقي في العصر البويهي، حيث تلاحم فيه العقل الفلسفي مع الوجدان الأدبي لإنتاج رؤية شاملة للإنسان وكينونته.

مسكويه وتأسيس الأنطولوجيا الأخلاقية في الفكر الإسلامي

تخلص هذه الدراسة إلى أن مشروع أبي علي مسكويه لم يكن مجرد صدىً للفلسفة اليونانية أو تكراراً لمقولات أرسطو ونيقوماخوس، بل كان تقنيناً مبكراً لـ “الأنسنة” (Humanism) داخل الفضاء الحضاري الإسلامي. لقد نجح مسكويه في تحويل الأخلاق من مجرد ممارسات وعظية وتوجيهات معيارية مشتتة إلى “نظام علمي” متسق يستند إلى سيكولوجيا النفس وتدبير القوى. إن فرادة مسكويه تكمن في قدرته على الجسر بين “ميتافيزيقا الوجود” و”إتيقا السلوك”؛ حيث غدت الفضيلة عنده كمالاً أنطولوجياً يرفع الكائن البشري من رتبة الحيوانية إلى أفق الملائكية، مما جعل من كتابه “تهذيب الأخلاق” الدستور المرجعي الذي صاغ الوعي الأخلاقي للأجيال اللاحقة، ومكن العقل الإسلامي من استيعاب الحكمة العالمية دون فقدان خصوصيته القيمية.

إن البُعد المدني والاجتماعي الذي أرساه مسكويه يمثل القيمة الأكثر استدامة في فكره؛ فقد استطاع أن يخرج بالخلاص الروحي من صومعة الراهب إلى فضاء “المدينة”. وبإصراره على أن “الإنسان مدني بالطبع” وأن السعادة لا تتحقق إلا بـ “الأُنس” والمشاركة الاجتماعية، قدم مسكويه ترياقاً مبكراً لنزعات العدمية والزهد السلبي. إن تركيزه على “المحبة” كرباط سياسي وأخلاقي، وعلى “العدالة” كميزان للكون والمجتمع، يجعله مؤسساً حقيقياً لـ “الفلسفة المدنية” في الإسلام، حيث لا تنفصل تزكية الروح عن عمارة الأرض، وحيث يصبح المجتمع الفاضل هو المختبر الحقيقي لممارسة كمالات النفس البشرية تحت ظل العقل والشريعة معاً.

كما كشفت المقارنات التحليلية مع معاصريه كالعامري والتوحيدي عن مدى “المرونة المنهجية” التي ميزت مسكويه؛ فبينما كان العامري دفاعياً والتوحيدي أدبياً قلقاً، ظل مسكويه متمسكاً بالمنهج “التجريبي-العيادي” فيما أسماه “الطب الروحي”. لقد أثبتت الدراسة أن أثر مسكويه في التوحيدي وغيره لم يكن مجرد نقل للمصطلحات، بل كان تقديماً لـ “رؤية للعالم” (Weltanschauung) تقوم على الثقة في العقل البشري وقدرته على استصلاح ذاته. هذا النهج العملي هو الذي وهب فكر مسكويه طابعه العابر للعصور، إذ قدم نموذجاً للمفكر “الحكيم” الذي يجمع بين صرامة العلم، ونبل الأخلاق، وواقعية السياسة، مما جعل منه الجسر الذي عبر منه الفكر الأخلاقي إلى مدارس التصوف الفلسفي (عند الغزالي) والفلسفة العملية (عند الطوسي).

ختاماً، تبرز حاجة الفكر الأخلاقي المعاصر للعودة إلى تراث مسكويه، ليس بوصفه نصاً تاريخياً، بل كمنهج في “عقلنة القيم”. إن دعوة مسكويه للوسطية والاعتدال، وتحليله الدقيق لأمراض النفس وآليات علاجها بالضد، تتقاطع بعمق مع الدراسات النفسية والسلوكية الحديثة. إن “الإنسان الكامل” في نظر مسكويه هو الإنسان المتوازن الذي يحقق انسجاماً بين مطالب بدنه وتطلعات روحه، وبين حريته الفردية ومسؤولياته الجماعية. وبذلك، يظل مسكويه منارةً فلسفية تؤكد أن الأخلاق هي “فن تحقيق الإنسانية”، وأن السعادة الحقيقية هي ثمرة التوفيق بين نور العقل وهداية الوحي، وهي الرسالة الخالدة التي لا تزال تحتفظ بربابتها في ظل أزمات الإنسان المعاصر الأخلاقية والوجودية.

قائمة المصادر والمراجع

أولاً: المصادر الأولية (الأصول التراثية)

  1. مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد:
    • تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، تحقيق: عماد الهلالي، منشورات الجمل، بيروت (كتابه العمدة في الأخلاق).
    • الهوامل والشوامل (بالاشتراك مع أبي حيان التوحيدي)، تحقيق: أحمد أمين والسيد صقر، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة.
    • الحكمة الخالدة (جاويدان خرد)، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.
    • رسالة في اللذات والآلام، ضمن “رسائل مسكويه”، تحقيق: فؤاد السلفي.
    • كتاب السعادة في فلسفة الأخلاق، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة.
  2. العامري، أبو الحسن محمد بن يوسف:
    • السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية، تحقيق: مجتبي مينوي، منشورات جامعة طهران.
    • الأعلام بمناقب الإسلام، تحقيق: أحمد عبد الحميد غراب، دار الكاتب العربي، القاهرة.
  3. التوحيدي، أبو حيان:
    • الإمتاع والمؤانسة، تحقيق: أحمد أمين وأحمد الزين، المكتبة العصرية، بيروت.
    • الصداقة والصديق، تحقيق: إبراهيم الكيلاني، دار الفكر، دمشق.

ثانياً: المراجع الثانوية (الدراسات الحديثة والمقارنة)

هذه المراجع توفر الإطار التحليلي والنقدي الذي يربط فكر مسكويه بالنظريات الأخلاقية العالمية:

  1. أركون، محمد:
    • نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت. (مرجع أساسي لفهم السياق الحضاري).
  2. فخري، ماجد:
    • دراسات في الفكر العربي، دار النهار، بيروت. (يحلل التأثير الأرسطي عند مسكويه).
    • تاريخ الفلسفة الإسلامية، المنظمة العربية للترجمة، بيروت.
  3. بدوي، عبد الرحمن:
    • الأخلاق النظرية، وكالة المطبوعات، الكويت. (يقارن بين الأخلاق اليونانية والإسلامية).
  4. زيعور، علي:
    • الفلسفة الأخلاقية عند مسكويه، دار الأندلس، بيروت. (دراسة تفصيلية لسيكولوجيا النفس والطب الروحي).
  5. مبارك، زكي:
    • الأخلاق عند الغزالي، دار الكاتب العربي، القاهرة. (يحتوي على مقارنات هامة مع مسكويه بوصفه المصدر الأول للغزالي).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top
الحكمة الإلهية