نشأة علم الكلام (الإشكاليات الكلامية)

المفهوم الإبستمولوجي والحدودي لصناعة الكلام

التحديد المفهومي الميزي بين الفقه، والكلام، والفلسفة النظرية

المعنية بالأصول النظرية. فبينما يبحث الفقيه في مكلفات السلوك اليومي، ينصرف المتكلم إلى التأسيس البرهاني لبنية العقيدة. وقد رصد الأديب والفيلسوف أبو حيان التوحيدي هذا التمايز الإبستمولوجي الصارم بقوله:

“وأما الفقه فإنه يدور بين الحلال والحرام ، والمحظور والمباح ، والفرض والنافلة ، والمستحب والمحثوث عليه ، وبين الاعتبار في علل الأحكام والقضايا … وأما علم الكلام ؛ فإنه باب من الاعتبار يدور النظر فيه على محض التوحيد والتكفير ، والتجويز والتحسين والتقبيح والإحالة والتصحيح والإيجاب والتجويز والإقتدار والتعديل …” (مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مؤسسة هنداوي، 2021، ص 238)

ويتجلى لدى الفيلسوف أبي نصر الفارابي الشغف بتقديم حد منطقي لوظيفة المتكلم داخل الأمة، حيث يتولى الدفاع عن النص الشرعي بالبراهين والأقاويل المقنعة. يقول الفارابي:

“صناعة الكلام وهي الصناعة التي يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة ، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل .” (مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مؤسسة هنداوي، 2021، ص 235)

ومع تطور الأنساق الفكرية، استقر مفهوم علم الكلام لدى المتأخرين؛ فقد عرفه العضد الإيجي في المواقف بقوله:

“والكلام علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه .” (مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مؤسسة هنداوي، 2021، ص 241)

أما العلامة عبد الرحمن بن خلدون فقد حدد الغاية المنهجية المتمثلة في رد البدع وحماية النسق الإيماني قائلاً:

“علم الكلام هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية ، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة .” (مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مؤسسة هنداوي، 2021، ص 241)

التفسيرات الفيلولوجية والمنهجية لسبب التسمية بـ «علم الكلام»

على جذرين رئيسيين: السبب المفهومي المباشر (مسألة كلام الله) كونها أول معركة ميتافيزيقية أثارت المجتمع، والسبب المنهجي والمعارضة اللغوية للمنطق اليوناني.

وفي بيان هذا التمايز اللغوي والمنهجي، ينقل الدكتور غلام حسين إبراهيمي ديناني تعليل الإمام الشهرستاني قائلاً:

“فيرى الشهرستاني بأن شيوخ المعتزلة حينما تعرفوا على أراء فلاسفة اليونان عن طريق الترجمة ، خلطوا بعض المناهج الفلسفية بمناهجهم ، فنجم عن ذلك الخلط والامتزاج ، فن دعوه بـ «علم الكلام» . وعزا الشهرستاني تسمية علم الكلام بهذا الاسم إلى سببين : الأول : كان كلام الله تعالى ، هو القضية الأولى التي بحثها هذا العلم وتقاتلوا عليها . الثاني : حينما أراد المتكلمون التصدي للفلاسفة ، رأوا أن الفلاسفة قد أطلقوا على جزء من علومهم اسم «المنطق» ، مما حفزهم على تسمية علمهم بـ «الكلام» ، كي يعبروا بذلك عن معارضتهم لهم ، حيث إن لفظة «الكلام» مرادفة للفظة «المنطق» .” (غلام حسين إبراهيمي ديناني، حركة الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي، دار الهادي، الطبعة الأولى، 2000، ج 1، ص 131)

الغاية المعرفية والدفاعية لعلم الكلام في المنظومة الإسلامية

تحدد الغاية العليا للدرس الكلامي في إرساء الأطر البرهانية التي تعصم الإيمان التقليدي من الشكوك والبدع المستحدثة، ونقل العقيدة من مرتبة التسليم الساذج إلى رتبة اليقين البرهاني القائم على الحجة والدليل. يوضح حجة الإسلام أبو حامد الغزالي هذا الدور الدفاعي للنشأة الكلامية بقوله:

“فأنشأ الله طائفة المتكلمين ، وحرك دواعيَهم لنصرة السنة بكلام مرتب يكشف عن تلبيسات أهل البدعة المحدثة خالف السنة المأثورة ، فمنه نشأ علم الكلام وأهله .” (مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مؤسسة هنداوي، 2021، ص 239)

الظروف والسياقات التاريخية لنشأة الفاعلية الكلامية

العامل الداخلي: حدث الفتنة الكبرى والتحول من السجال السياسي إلى التأصيل العقائدي

لم تكن نشأة علم الكلام طافرةً أو معزولة عن التطور الاجتماعي والسياسي لجامعة المسلمين؛ بل كانت الاستجابة الفكرية الحتمية لحدث «الفتنة الكبرى» وما تلاها من واقعة التحكيم في صفين. فالمسائل السياسية المتعلقة بالحكم، والإمامة، وشرعية السلطة سرعان ما ارتقى بها العقل الإسلامي لتتحول إلى أمهات المسائل الميتافيزيقية. ويؤكد الدكتور محمد علي أبو ريان هذا الارتقاء المنهجي بقوله:

“وأما اختلافات الفرق الكلامية من جبرية وقدرية ومشبهمة ، ومعتزلة وأشعرية فهي صور من صور الجدل حول العقائد ، ومن ثم فإن هذه الفرق الكلامية تعتبر فرقا دينية أصولية .” (محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، 1986، ص 119)

نشأة الفرق الأولى (الخوارج والمرجئة) وإشكالية مرتكب الكبيرة

تجسد أول انقسام كلامي حاد عند ظهور فرقة الخوارج عقب موقعة صفين، حيث طرحوا أول إشكالية كلامية عملية وسياسية حول «مرتكب الكبيرة». وفي رصد هذه الانطلاقة الميدانية للكلام يورد المحقق عبد الرحمن بدوي:

“إنما نشأ حينما اشتد النزاع واشتدت الخصومة بين متكلمي الخوارج ومتكلمي أهل السنة ، حول مسألة مرتكب الكبيرة ، من جراء الثورات الخطيرة التي قام بها الخوارج . ذلك النزاع الذي لم يكن حالة المذنب في الحياة الآخرة فحسب ، بل كانت له نتائج حيوية خطيرة من الوجبتين العملية والسياسية … فمن يرتكب ذنبا ( أي كبيرة من الكبائر ) يعتبر مرتدا وكافرا .” (عبد الرحمن بدوي، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، دار القلم، 1980، ص 180)

للاطلاع على ملف الكاتب الأكاديمي:

ORCID iD icon https://orcid.org/0009-0009-2016-0523
الحكمة الإلهية