الفلسفة الإسلامية بين الأصالة والتقليد
شكّلت قضية “أصالة الفلسفة الإسلامية” محوراً مركزياً في الخطاب الفلسفي العربي الحديث، ذلك أن الفلسفة الإسلامية تمثّل أحد أهم منجزات الحضارة العربية الإسلامية، غير أن كتابات المستشرقين لم تتّفق على موقف موحد بشأنها. فقد انقسم المستشرقون إزاء هذه القضية إلى فريقين: فريق ناكر لأصالة الفلسفة الإسلامية، يرى أنها مجرد تقليد وتكرار للفلسفة اليونانية، وفريق معترف بها، يقرّ بما للفلاسفة المسلمين من إسهامات أصيلة.
يتناول هذا البحث موقف المستشرقين الرافضين لأصالة الفلسفة الإسلامية، مركزاً على أبرز أعلام هذا الاتجاه كأرنست رينان (Ernest Renan) وويلهلم جوتليب تنيمان (Wilhelm Gottlieb Tennemann) وغيرهما، وذلك بالاستناد إلى ما دوّنه الشيخ مصطفى عبد الرازق في كتابه الرائد “تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية”، حيث خصص الفصلين الأول والثاني منه لمناقشة آراء المستشرقين ونقدها.
أولاً: الخلفية الفكرية لموقف المستشرقين النافين للأصالة
لم تنشأ آراء المستشرقين النافين لأصالة الفلسفة الإسلامية في فراغ، بل تأثرت بمناخ التعصب الديني والجنسي الذي كان سائداً في أوروبا خلال بدايات القرن التاسع عشر. وقد بنت هذه الطائفة من المستشرقين آراءها في دراسة التراث الفلسفي للمسلمين على أساس دعوى عنصرية، تقوم على تصنيف الشعوب إلى “شعوب سامية” (العرق السامي) يُشار بها إلى العرب، و”شعوب آرية” (الجنس الآري) يُشار بها إلى الغرب، وذلك للتدليل على أصالة الجنس الآري والتقليل من شأن الجنس السامي.
وقد كان الكونت آرثر دو غوبينو (Arthur de Gobineau) أول من أثار هذه العنصرية بصورة عامة، إذ ميّز بين الجنسين السامي والآري. غير أن المستشرق الفرنسي أرنست رينان هو الذي توسع في الحديث عن النظرية العرقية وجعلها أساساً في حكمه على الفلسفة الإسلامية.
ثانياً: آراء أبرز المستشرقين الرافضين للأصالة
1. أرنست رينان (Ernest Renan, 18231892)
يُعد المستشرق الفرنسي أرنست رينان (Ernest Renan, 18231892) من أبرز المفكرين الغربيين الذين أنكروا أصالة الفلسفة الإسلامية، بل ومن أكثرهم تأثيراً في ترسيخ هذه الرؤية في الأوساط الأكاديمية الغربية. وقد عبّر عن موقفه هذا في أعماله الرئيسة، وعلى رأسها أطروحته للدكتوراه “ابن رشد والرشدية” (Averroès et l’averroïsme, 1852) ومحاضرته الشهيرة “الإسلام والعلم” (L’Islamisme et la science) التي ألقاها في السوربون عام 1883.
النظرية العرقية عند رينان: وضع رينان نظرية العرق كأساس في حكمه على الفلسفة الإسلامية، فقال: “وليس العرق السامي هو ما ينبغي لنا أن نطالبه بدروس في الفلسفة، ومن غرائب العجبب ألا ينتج هذا العرق، الذي استطاع أن يطبع على بدائعه الدينية أسمى سمات القوة، أقل ما يمكن من بواكير خاصة به في حقل الفلسفة، ولم تكن الفلسفة لدى الساميين غير استعارة خارجية صرفة خالية من كبير خصب، غير اقتناء بالفلسفة اليونانية”.
وفي سياق آخر، يقرر رينان أن الجنس السامي الذي ينتمي إليه العرب والمسلمون هو دون الجنس الآري، وأن الفلسفة عند الساميين ليست إلا تقليداً للفلسفة اليونانية. وانطلاقاً من هذا المنظور العنصري، اعتبر رينان أن العرب لم ولن يكون لهم أي إنتاج فلسفي.
يرى رينان أن الفلسفة المنسوبة إلى العرب ليست أكثر من كتابة للفلسفة اليونانية بأحرف عربية. وهو يذهب إلى أن “الفلسفة المسماة عربية ليست عربية ولا إسلامية، والفلاسفة أنفسهم ليسوا من أصل عربي”.
ويصف رينان الفلسفة العربية في موضع آخر بأنها “علم من الدرجة الثانية” (science de seconde main)، خالٍ من العبقرية والأصالة، ويصرح: “أنا أول من يعترف بأنه ليس لدينا أي شيء أو تقريباً أي شيء نتعلمه من ابن رشد، ولا من العرب، ولا من العصور الوسطى”.
لم يكن إنكار رينان لأصالة الفلسفة الإسلامية مجرد موقف أكاديمي، بل ارتكز على نظرية عنصرية صريحة تقوم على التمييز بين “الجنس الآري” و”الجنس السامي”. فهو يرى أن “الجنس السامي” – الذي ينتمي إليه العرب – “غير قادر على العقلانية كما هو غير قادر على الخيال الصوفي”.
ويعلل رينان ذلك بقوله: “العرب من الجنس السامي الذي لا ينبغي أن نطالبه بدروس في الفلسفة”، متعجباً من “كيف لا ينتج هذا الجنس أقل ما يكون من بواكير خاصة به في حقل الفلسفة، وهو الذي استطاع أن يطبع على بدائعه الدينية أسمى سمات القوة”. ويؤكد رينان أن “الشعب العربي، بطبيعته، لا يحبذ لا العلوم الميتافيزيقية ولا الفلسفة”، وأن الإسلام بعيد كل البعد عن كل ما قد يسمى علماً. بل يذهب إلى أن “الإسلام كان بحكم التعريف عدواً للعقل والفكر الحر”، واصفاً إياه بأنه “أضعف الأديان من حيث الأصالة الإبداعية”.
يقر رينان بأن “العلوم والفلسفة التي أنتجها العرب في العصور الوسطى كانت في جوهرها من أصل يوناني ساساني”. وهو يرى أن “العلوم العربية أو الإسلامية” ليست سوى “علوم أو فلسفة يونانية”، وأن الحضارة الإسلامية “ظهرت كنتاج للساسانيين المُبعَثين والمسيحيين السريان”.
مع أن رينان يُنكر أصالة الفلسفة العربية في مجملها، فإنه يعترف بوجود طائفة من الفلاسفة “على الحقيقة” بين المسلمين. فهو يُقرّ بأن “الفلاسفة المسلمين” – وعلى رأسهم ابن رشد – قد قدّموا “نموذجاً من العقلانية”. غير أنه يصف عقلانية ابن رشد في الوقت نفسه بأنها “حدث نادر” (un hapax) في تاريخ الإسلام، مما يعني أنه يعترف بـوجود استثناءات فلسفية بارزة، لكنه يصر على أنها حالات شاذة لا تعكس طبيعة الإسلام والعرب.
2. ويلهلم جوتليب تنيمان (Wilhelm Gottlieb Tennemann, 17611819)
يُعد تنيمان من أوائل المستشرقين الذين أنكروا أصالة الفلسفة الإسلامية. وقد ذكر الشيخ مصطفى عبد الرازق في كتابه “تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية”.
يرى تِنِّمان أن الفلسفة عند العرب ليست أكثر من شرحٍ مضعفٍ لمذهب أرسطو وتطبيقٍ له على قواعد الدين الإسلامي. وهو يذهب إلى أن العرب “لم يستطيعوا أن يصنعوا أكثر من شرحهم لمذهب أرسطو، وتطبيقه على قواعد دينهم الذي يتطلب إيماناً أعمى، وكثيراً ما أضعفوا مذهب أرسطو وشوَّهوه”.
ويُقرر تِنِّمان أن الفلسفة العربية “ليست في الغالب إلا شرحاً مُضعِفاً لمذهب أرسطو ومُفَسِّريه”، أي أنها ليست إنتاجاً عقلياً أصيلاً، بل مجرد شرح وتقليد للفكر اليوناني.
حدد تِنِّمان أربع عقبات رئيسية حالت دون قدرة العرب على إنتاج فلسفة أصيلة، وهي:
القرآن الكريم “كتابهم المقدَّس الذي يعوق النظر العقلي الحر”
حزب أهل السنة “حزب أهل السنَّة، وهو حزب مستمسك بالنصوص”
سلطان أرسطو “أنهم لم يلبثوا أن جعلوا لأرسطو سُلطاناً مستبدّاً على عقولهم”
الطبيعة القومية “ما في طبيعتهم القومية من مَيْل إلى التأثر بالأوهام”
ويخلص تِنِّمان من هذه العقبات إلى أن “كثيراً ما أضعفوا مذهب أرسطو وشوَّهوه”، وأن”آثارهم الفلسفية لمَّا تدرس إلا دراسة ضئيلة جدّاً”.
يظهر التناقض الأول في موقف تِنِّمان من التسمية، فهو ينسب الفلسفة إلى “الشعب العربي” ويستخدم عنواناً مثل “عرب” في كتابه، ويصنف الفلاسفة ضمن “فرق الفلاسفة عند العرب”. غير أنه في الوقت نفسه يعترف صراحةً بأنّ “الآثار الفلسفية العربية لمَّا تدرس إلا دراسة ضئيلة جدّاً لا تجعل علمنا بها مستكملاً”. بل يقرّ بأن “مصنفات الفلاسفة من العرب لم تُدرَس حق دراستها”.
وهذا الاعتراف يعني أن حكمه القاطع بعدم الأصالة صدر قبل الفهم الكامل للموضوع.
3. فيكتور كوزان (Victor Cousin, 17921867)
الفيلسوف والمستشرق الفرنسي فيكتور كوزان كان له موقف مشابه، حيث يرى أن المسلمين لم يكن لديهم أي نتاج فلسفي خاص بهم، وأن الدين أعاق سير الفلسفة لديهم. وقد اعتبر كوزان أن المسيحية وحدها هي التي أنجبت الفلسفة الحديثة، فيما بقي الفكر الإسلامي أسير النقل والتقليد.
. المستشرقون المجحفون الآخرون
لم يقتصر الإنكار على هؤلاء الثلاثة، بل امتد ليشمل عدداً من المستشرقين الذين أجمعوا تقريباً على نفي أصالة الفكر الإسلامي واعتبروه مجرد نشاط عقيم وتكرار لما سبق أن تناولته الفلسفة اليونانية. ومن هؤلاء “دي بور” (De Boer) الذي تبنى الموقف نفسه.
ثالثاً: الحجج التي استند إليها المستشرقون النافون للأصالة:
يمكن تلخيص الحجج التي استند إليها المستشرقون في إنكارهم لأصالة الفلسفة الإسلامية في النقاط التالية:
1. الحجة الدينية: زعموا أن القرآن ينفي حرية الفكر، وبالتالي لا يمكن أن تنبثق منه فلسفة أصيلة.
2. الحجة العرقية: زعموا أن طبيعة العرب لا تؤهلهم للتفلسف، استناداً إلى نظرية التفوق العرقي.
3. الحجة التاريخية: زعموا أن الفلسفة الإسلامية ليست سوى نقل حرفي للفلسفة اليونانية، وأن الفلاسفة المسلمين لم يضيفوا جديداً.
موقف مصطفى عبد الرازق من آراء المستشرقين
يمثل الشيخ مصطفى عبد الرازق (ت 1947م) شيخ الجامع الأزهر وأول أستاذ جامعي يحاضر في الفلسفة الإسلامية برؤية مغايرة الموقف النقدي الرصين من آراء المستشرقين. لقد قدّم الشيخ مصطفى عبد الرازق رؤية جديدة للفلسفة الإسلامية، واستطاع تفنيد ادعاءات المستشرقين ببراهين واضحة.
منهج عبد الرازق في النقد: اتخذ الشيخ مصطفى عبد الرازق منهجاً يقوم على بيان ما للعرب والمسلمين من سهم في النظر العقلي حتى قبل الترجمة عن اليونانية، وقبل اتصالهم بالفلسفة وكتب أرسطو. ففكرة “الأصالة العقلانية” تخيّم على كتابه “تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية”، وتؤسّس قضيته.
مفهوم الفلسفة الإسلامية عند عبد الرازق: يرى الشيخ مصطفى عبد الرازق أن الفلسفة الإسلامية ليست تلك التي نجدها عند ابن سينا والفارابي فقط، ولكنها تكمن في منجز العرب المسلمين في علم الكلام وعلم أصول الفقه. فهو يرى أن علم الكلام وعلم أصول الفقه يمثلان ثماراً فلسفية أصيلة أنتجها العقل العربي الإسلامي.
نقد النظرية العنصرية: تعرّض عبد الرازق للنظرية العنصرية التي بنى عليها رينان وغيره أحكامهم، وأثبت أن الحكم على الفلسفة الإسلامية بالتبعية والافتقار إلى الأصالة إنما ينبع من تعصب ديني وجنسي لا من منهج علمي موضوعي.
خامسا: مواقف تأصيلية أخرى:
هنري كوربان وموقفه من أصالة الفلسفة الإسلامية
يُعد المستشرق الفرنسي هنري كوربان (Henry Corbin, 19031978) شخصية استثنائية في تاريخ الدراسات الاستشراقية، إذ كان فيلسوفاً ومستشرقاً فرنسياً صبّ اهتمامه على دراسة الإسلام، وبشكل خاص على الغنوصية الشيعية، فترجم أمهات الكتب في هذا المجال من السهروردي إلى صدر الدين الشيرازي مروراً بابن عربي، وحققها وعلّق عليها. وقد عُرف كوربان بأنه من أوائل المستشرقين الغربيين الذين انغمسوا في الفلسفة الإسلامية بأكثر من مجرد عقلية تاريخية.
يمثل هنري كوربان نقلة نوعية في موقف المستشرقين من الفلسفة الإسلامية، إذ خالف جملة من الأساطير التي رسخها سابقوه، وفي مقدمتها الأسطورة القائلة بأن الفلسفة الإسلامية انتهت بموت ابن رشد. فقد “دحض كوربان في كتابه ‘تاريخ الفلسفة الإسلامية’ (1964) الرأي الشائع بأن الفلسفة عند المسلمين انتهت بعد ابن رشد، موضحاً بدلاً من ذلك أن نشاطاً فلسفياً حيوياً استمر في العالم الإسلامي الشرقي وخاصة في إيران ويستمر حتى يومنا هذا“.
يؤكد كوربان في مستهل كتابه على أن “الفلسفة في أرض الإسلام لم تكتفِ فقط بجمع تراث الإغريق“ (La philosophie en terre d’Islam n’a pas seulement recueilli l’héritage des Grecs). ويضيف أن “دورها في التاريخ لم ينتهِ بابن رشد. فحتى يومنا هذا، لم تتوقف عن إنتاج واحدة من أغنى الميتافيزيقيات التي عرفها الوجود“.
ويذهب كوربان أبعد من ذلك في كشفه عن أصالة الفلسفة الإسلامية، إذ يرى أن كتابه “تاريخ الفلسفة الإسلامية”، لا يقتصر على كشف لحظات هذا التاريخ الطويل، بل “يكشف معناه وقصده التأويلي: كيف تشكلت، بدءاً من الإسماعيليين مروراً بابن سينا، ومن السهروردي أو ابن عربي إلى المدرسة الأصفهانية، تأويل للكتاب المقدس، وكيف وُلدت فلسفة نبوية“.
وقد لاحظ الباحثون أن كوربان هو “أول من جعل تاريخ الفلسفة الإسلامية يأخذ بعين الاعتبار ولأول مرة الفكر الثيوصوفي (الحكمة الإلهية) الذي يظهر هنا بصفته الجزء الأكثر أصالة في هذه الفلسفة“. وهذا يعني أن كوربان لم يكتفِ بعرض فلاسفة الإسلام المعروفين في الغرب (كالكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد..)، بل وسع نطاق الدراسة ليشمل التيارات الفكرية الباطنية والصوفية والإشراقية، معتبراً إياها الجوهر الأصيل للفلسفة الإسلامية.
من مظاهر موقف كوربان المؤكد لأصالة الفلسفة الإسلامية أنه رفض تسميتها بـ”الفلسفة العربية”، مفضلاً مصطلح “الفلسفة الإسلامية”. وقد برر كوربان ذلك “من منطلق أن تحولاتها وأنماطها مرتبطة بالضرورة بالمعطى الديني“. فالفلسفة في نظره ليست مجرد نتاج عرقي أو لغوي، بل هي نتاج للروح الإسلامية والحضارة الإسلامية بمجملها.
الدكتور إبراهيم بيومي مدكور (1902 – 1995)
يعدّ الدكتور مدكور من أبرز المدافعين عن أطروحة أصالة الفلسفة الإسلامية، وقد كرّس جهده في مؤلفاته، وخاصة كتابه “في الفلسفة الإسلامية: منهج وتطبيقه” (صدر عام 1947)، للرد على مزاعم المستشرقين كـ”رينان” الذين نفوا وجودها.
ففي معرض حديثه عن قضية وجود الفلسفة الإسلامية، يقول الدكتور مدكور: “قد يكون من عبث القول أن نحاول اليوم إثبات وجود فلسفة إسلامية انفردت بما لها من خصائص ومميزات؛ فقد انقضى الزمن الذي ادعي فيه (رينان) ومن نحا نحوه أن فلاسفة الإسلام اكتفوا بترديد نظريات (أرسطو) دون أن يغيروا فيها شيئاً. هناك فلسفة إسلامية، كما أن هناك فلسفة مسيحية”.
ويؤكد أن هذه الفلسفة لم تكن مجرد نقل سلبي، بل كانت نتاجاً للبيئة الإسلامية التي صاغت مسائلها وأجوبتها بما يتناسب مع سياقها، فيقول: “غير أن الفلسفة الإسلامية، وإن بنيت على أفكار السابقين، تشتمل على نظريات جديدة؛ فهي فلسفة أنتجتها البيئة والوسط، وأملتها الظروف المحيطة بها؛ وتلك سنة من سنن التاريخ، وأصل من أصول الاجتماع”.
ويذهب أبعد من ذلك في تأكيد استقلال هذه الفلسفة بموضوعاتها، قائلاً: “للإسلام فلسفة قد امتازت بموضوعاتها وأبحاثها، بمسائلها ومعضلاتها، وبما قدمت لهذه وتلك من حلول وأجوبة. فهي تعني بمشكلة الوجود والتعدد، والصلة بين الله ومخلوقاته … وتحاول أن توفق بين الوحي والعقل، بين العقيدة والحكمة، بين الدين والفلسفة”.
وهو بذلك يقرّ بالأخذ عن اليونان، لكنه ينفي أن يكون ذلك سببا في نفي الأصالة عنها، معتبراً أن التأثر بالآخرين سنة كونية لا تمنع الإبداع والتميز.
الدكتور عبد الرحمن بدوي (1917 – 2002)
اتخذ الدكتور عبد الرحمن بدوي، خاصة في مرحلة مبكرة من مسيرته، موقفاً مغايراً، مائلاً إلى التأكيد على هيمنة التراث اليوناني وتبعية الفلسفة الإسلامية له، وهو موقف تأثر به عن المستشرقين بشكل واضح.
وقد تجلّى هذا الموقف في كتابه “التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية” (صدر عام 1941)، حيث يرى أن الفلسفة الإسلامية لم تستطع الخروج عن دائرة التأثر اليوناني، بل إن هويتها نفسها تتحدد من خلال موقفها من هذا التراث. يقول في ذلك: “نحن هنا بإزاء مسألة معينة أو شبه معينة، وتلك هي تاريخ التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية. إلا أن هذا التاريخ نفسه ليس إلا شيئاً آخر غير روح الحضارة الإسلامية، وهي تحاول على مر زمنها أن تكون مقوماتها وتحدد خصائصها ومميزاتها، وتنطبع بالطابع الذي يقتضيه جوهرها. فعن طريق موقفها من هذا التراث، سواء في حالة الأخذ عنه أو في حالة الثورة عليه، نستطيع أن نعرف هذا الطابع، وتتبين تلك الخصائص”.
وقد فهم الباحثون من هذا النص أن الفلسفة الإسلامية، في نظر بدوي، لا تنفصل عن التراث اليوناني، بل إن جوهرها تغلغل فيه الفكر اليوناني. بل ذهب بعض الدارسين إلى القول بأن منهجه كان يهدف إلى “إبراز أصالة الفلسفة اليونانية وتبعية الفلسفة الإسلامية وتأثرها، وحتى في هذا التأثر (لم تستطع أن تفهم روح الفلسفة اليونانية، وأن تنفذ إلى لبها، وإنها هي تعلقت بظواهرها)”.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن موقف بدوي لم يكن ثابتاً طوال حياته، إذ تحول في سنواته الأخيرة إلى الدفاع عن الإسلام والقرآن في مؤلفاته المتأخرة، مثل “دفاع عن القرآن” و”دفاع عن محمد”، لكن موقفه النقدي من الأصالة بقي مرتبطاً بمرحلة تأثره بالمدرسة الاستشراقية.
الدكتور ماجد فخري (1923- 2021)
يبدو موقف الدكتور ماجد فخري أكثر تعقيداً وتوفيقية، فهو لم ينفِ الأصالة بشكل قاطع كما فعل بدوي، لكنه لم يتبنَّ الدفاع الحماسي عنها كما فعل مدكور. وقد ظهر موقفه النقدي بوضوح في مراجعته لكتاب “تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية” لمصطفى عبد الرازق.
فقد اعتبر فخري أن الكتاب قد أفرط في الرد على المستشرقين، حتى إنه “يمنّ في نظره عما يكن تسميته بعقدة الاستشراق”. كما انتقد التركيز المفرط على الفقه والكلام على حساب الفلسفة بالمعنى المتعارف عليه، معتبراً أن الكتاب “لم يعد تهديداً لتاريخ الفلسفة بل أصبح في مجلته تاريخاً لتطور مفهوم الفقه والكلام الإسلاميين بالدرجة الأولى، ولتطور مفهوم الفلسفة عند العرب بالدرجة الثانية”.
ومع ذلك، فإن فخري لم ينكر وجود فلسفة إسلامية، بل هو نفسه صاحب كتاب “تاريخ الفلسفة الإسلامية” (صدر بالإنجليزية عام 1970) الذي يعتبر من أشهر المراجع في هذا المجال، مما يدل على اعترافه بوجود هذا الميدان المعرفي. كما أنه اعتبر كتاب الدكتور إبراهيم مدكور “هو أفضل ما ألَّفه العرب المحدثون في هذا الباب”. غير أنه يبدو أنه كان يفضل منهجاً تأريخياً أكثر موضوعية، وأقل انشغالاً بالردود الدفاعية على المستشرقين، وأكثر تركيزاً على عرض المذاهب الفلسفية ذاتها.
موقف علي سامي النشار من أصالة الفلسفة الإسلامية
ينتمي الدكتور علي سامي النشار إلى مدرسة الشيخ مصطفى عبد الرازق، لـ”تيار الأصالة” في دراسة الفلسفة الإسلامية، والتي دعت إلى “دراسة الفلسفة الإسلامية في مظانها الرئيسة، والمزاوجة بين الأصالة والمعاصرة”. وقد تجسد هذا الموقف بشكل واضح في دراسته الضخمة “نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام”، حيث كرس جهده لإثبات أصالة الفلسفة الإسلامية واستقلاليتها، والرد على منكري هذه الأصالة من المستشرقين وغيرهم.
يرى النشار أن الفلسفة الإسلامية ليست نقلاً عن اليونان، بل هي انبعاث داخلي عقلي يعبّر عن الروح الحضارية للأمة الإسلامية. وهو يؤكد في مقدمة كتابه أن الفلسفة الإسلامية هي “التعبير النهائي المتجدد للأمة الإسلامية، والانقداح المنصهر السيال لتطور هذه الأمة الخلاق خلال الدهور”، وأنها “جوهر حياتهم، ومرآة تطورهم، وانعكاس لما في باطن مجتمعهم من آمال وآلام”. ويذهب إلى أبعد من ذلك في نفي أي تبعية لها، قائلاً: “كان من المحال أن نقول: إنها امتداد لحضارة أخرى، أو صورة غير متكاملة لفلسفات وأفكار سابقة”.
ويؤسس النشار رؤيته على فكرة أن “الروح الفلسفي المنبعث من أمة ذات خصائص معينة يختلف عن الروح الفلسفي المنبعث من أمة مختلفة الخصائص ومختلفة الآفاق”. ويسوق دليلاً على ذلك من خلال المقارنة بين الأمم قائلاً: “هل تشابه اليونان مع الهنود في شيء؟ … وكذلك فعل المسلمون القادمون من الجزيرة العربية، فحين التحموا بغيرهم من الأمم وكونوا معدلاً بشرياً جديداً، قدموا لنا فلسفة جديدة لم يعرفها اليونان ولا غير اليونان”.
رفض النشار تسمية هذا التراث بـ”الفلسفة العربية”، وساق أدلة على أن الحديث عن “فلسفة عربية” يُخرج من نطاقها كثيراً من الإسهامات الإسلامية. وهو يرى أن “لكل أمة فلسفتها الخاصة” التي تعبر عن روحها الحضارية، مؤكداً على “أصالة الفلسفة الإسلامية واستقلاليتها، كما هو حال بقية الفلسفات الأخرى (الهندية والإيرانية)”.
من أبرز ما يميز منهج النشار تمييزه بين فئتين من الفلاسفة، وهو تمييز يعكس رؤيته الجوهرية للأصالة:
الفلاسفة المسلمين (المبدعون) : وهم الذين صدروا عن القرآن والسنة، وعبروا تعبيراً داخلياً عن بنية المجتمع الإسلامي، ويمثلهم المتكلمون والأشاعرة وأصحاب علم أصول الفقه.
الفلاسفة الإسلاميون (المقلدون) : وهم الذين حملوا أسماء إسلامية ولكنهم قبلوا التراث اليوناني في كلياته وحاولوا التوفيق بينه وبين الإسلام.
ويخلص النشار إلى أن “الفلاسفة الإسلاميين” “لم يبدعوا شيئاً، كانوا شراحاً للفكر اليوناني”، بينما “الفلاسفة المسلمين” كانوا “المعبرين عن بنياته الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية”.
علم الكلام وعلم أصول الفقه بوصفهما التعبير الأصيل
يرى النشار أن علم الكلام وعلم أصول الفقه هما التعبيران الأصيلان عن العقل الإسلامي، وأنهما يمثلان “أول أشكال النظر العقلي عند المسلمين، والذي استمر في النشاط إلى أن أتمر علماً فلسفياً أصيلاً”. وهو يعتبر أن “المسلمين رفضوا المنطق الأرسطي مؤثرين منطقاً تجريبياً في علم أصول الفقه”. بل يذهب إلى أن “المنهج الاستقرائي (العلمي والتجريبي) … هو المعبر عن طبيعة الإسلام”، وأن “المسلمين هم مصدر هذه الحضارة القائمة على المنهج التجريبي”.
ويؤكد النشار على أن الأشعرية هي آخر ما وصل إليه العقل الإسلامي الناطق باسم القرآن والسنة، معتبراً إياها التعبير الأسمى عن العقل الإسلامي الأصيل.
رده على منكري الأصالة (المستشرقين)
تصدى النشار بمنهجية تاريخية صارمة للطرح الاستشرافي الذي ينكر أصالة الفلسفة الإسلامية، ووصف المستشرقين “بالخيانة العلمية والتعصب للنصرانية، والسعي إلى غزو المسلمين فكرياً”. غير أن موقفه من المستشرقين كان مزدوجاً ومثيراً للجدل، إذ إنه في مواضع أخرى من كتابه أعطى تصديقاً لمواقف وأحكام بعض المستشرقين الأوروبيين الذين ذموا الفلسفة الإسلامية، وحطوا من قدرها، وجنوا عليها، واعتبروها فلسفة تابعة ومقلدة وانتخابية.
ويذكر الباحثون موقفين بارزين في هذا الصدد:
1. المستشرق الفرنسي أرنست رينان: وصف النشار رأيه في تعليل قصور الفلاسفة المسلمين عن الإبداع الفلسفي “بالتحليل الممتاز”.
2. المستشرق الهولندي دي بور: استشهد به النشار عند حديثه عن الأفلاطونية المحدثة، وكيف أنها جعلت من فلسفة المسلمين فلسفة توفيقية وانتخابية، معتبراً أن هذا الحكم “حق”.
وهذا الموقف قوبل بالنقد والاستغراب، حيث اعتبره البعض “موقفاً مستغرباً منه وغير متوقع”، إذ إن النشار كان يُفترض أن يكون في طليعة المدافعين عن الأصالة، لا المصدقين لأقوال المستشرقين.
نقده للمنطق الأرسطي وتأكيده على المنطق الإسلامي
يتجاوز النشار الدفاع عن الأصالة إلى نقد الأدوات الفلسفية اليونانية نفسها. فهو يرى في نقد ابن تيمية للمنطق الأرسطي “نقطة تحول تفرق بين الموقفين قبله وبعده”، حيث “لم يعد الهجوم يتمثل على المنطق الأرسطاليسي في صورة فتاوى تقرر تحريمه وعدم الاشتغال به، بل بدأ الهجوم يتخذ شكل النقد المنهجي ويقوم على أسس منطقية”.
ويؤكد النشار على الجانب البنائي في هذا النقد، قائلاً: “وينبغي أن نلاحظ أن عمل ابن تيمية لم يكن هدمياً فحسب، بل كان فيه جانب إنشائي؛ فقد حاول أن يضع بجانب نقده للمنطق الأرسطاليسي منطقاً آخر إسلامياً”. ويصف كتاب “الرد على المنطقيين” بأنه “أعظم كتاب في التراث الإسلامي عن المنهج، تتبع فيه مؤلفه تاريخ المنطق الأرسطاليسي والهجوم عليه، ثم وضع هو آراءه في هذا المنطق في أصالة نادرة وعبقرية فذة”.
إشكالية تسمية الفلسفة الإسلامية:
لم تكن قضية تسمية التراث الفلسفي الذي نشأ في ظل الحضارة الإسلامية مجرد خلاف لغوي، بل هي إشكالية معرفية وهوية عميقة تعكس رؤى متباينة حول طبيعة هذا التراث ومصدر أصالته. وقد أثار هذه القضية كما يذكر الباحثون المستشرقون أولاً، ثم تداولها المفكرون المسلمون في سياق الصراع الفكري والبحث عن الذات. وفي هذا البحث، نستعرض أبرز المواقف من هذه التسمية، مع حجج كل فريق من خلال نصوصهم.
أولاً: موقف القائلين بـ”الفلسفة العربية”
يرى فريق من المستشرقين وهم الأكثر عدداً في هذا الاتجاه أن الأولى تسمية هذا التراث بـ “الفلسفة العربية” ، لأن رجالها كتبوا آثارهم باللغة العربية التي كانت لغة الثقافة في العالم الإسلامي الشرقي. ويؤكد كارلو نلينو في محاضراته هذه الحجة قائلاً: “كلما يكون الكلام عن زمان الجاهلية أو أوائل الإسلام، لا شك أن كلمة «عرب» مستعملة بمعناها الحقيقي الطبيعي المشير إلى الأمة القاطنة في شبه الجزيرة المعروفة بجزيرة العرب. ولكن إذا كان الكلام عن العصور التالية للقرن الأول من الهجرة، اتخذنا ذلك اللفظ بمعنًى اصطلاحي، وأطلقناه على جميع الأمم والشعوب الساكنين في الممالك الإسلامية، المستخدمين اللغة العربية في أكثر تآليفهم العلمية، فتدخل في تسمية العربِ الفرسُ، والهند والترك، والسوريون، والمصريون، والبربر، والأندلسيون … وهلم جرًّا، المتشاركون في كتب لغة العلم”.
وينضم إلى هذا الرأي مستشرقون آخرون أمثال هانز هينريش شيدر في كتابه “روح الحضارة العربية”، ودي لاسي أوليري في “الفكر العربي ومكانه في التاريخ”، وموريس دي ولف في “تاريخ فلسفة القرون الوسطى”.
أما الموقف الأكثر تطرفاً في هذا الاتجاه، فيمثله أرنست رينان، الذي لم يكتفِ بتسميتها فلسفة عربية، بل أنكر وجودها أصلاً، معتبراً إياها مجرد تكرار للفلسفة اليونانية. وقد صاغ ذلك في عبارته الشهيرة: “الفلسفة العربية هي الفلسفة اليونانية مكتوبة بأحرف عربية” . ويضيف في موضع آخر: “ما يدعونه فلسفة عربية أو إسلامية، ليس إلا فلسفة يونانية كتبت بحروف عربية، وهذا كل شيء!” . ويعلل ذلك بأن الفلسفة “لم تكن لدى الساميين غير استعارة خارجية صرفة خالية من كبير خصب، غير اقتداء بالفلسفة اليونانية” .
خلاصة الموقف: أن السمية راجعة إلى اللغة التي كتبت بها هذه الفلسفة وغلبة الجنس العربي وقيادته للحضارة التي أنتجت فيها هذه الفلسفة وهم العرب.
ثانياً: موقف القائلين بـ”الفلسفة الإسلامية”
في مقابل ذلك، يرى فريق آخر ومعظمهم من ذوي النزعة الإسلامية أن التسمية الصحيحة هي “الفلسفة الإسلامية”. ويُعتبر الشيخ مصطفى عبد الرازق أبرز المدافعين عن هذا الموقف في كتابه “تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية”. وهو يستند في حجته إلى أصل التسمية، قائلاً: “إنَّ هذه الفلسفة قد وضع لها أهلها اسمًا اصطلحوا عليه، فلا يصح العدول عنه، ولا تجوز المشاحنة فيه. ونرى أن نُسمِّي الفلسفة التي نحن بصددها كما سمَّاها أهلها «فلسفة إسلامية»، بمعنى أنها نشأت في بلاد الإسلام وفي ظل دولته، من غير نظر لدين أصحابها ولا لغتهم”.
ويؤكد في موضع آخر: “وعندي أن هذه الفلسفة قد وضع لها أهلها اسماً اصطلحوا عليه فلا يصح العدول عنه ولا يجوز المشاحنة فيه” .
وينطلق إبراهيم مدكور من حجة أوسع، إذ يرى أن الإسلام ليس عقيدة فقط، بل حضارة أيضاً. ويقول: “ليس القول بفلسفة عربية إنها من عمل جنس أو أمة، ومع ذلك أوثر تسميتها إسلامية؛ لأن الإسلام ليس عقيدة فقط، ولكنه أيضًا حضارة، ولكل حضارة حياتها الأخلاقية والمادية والفكرية والعاطفية. والفلسفة الإسلامية تشمل إذن كل ما كُتب من دراسات فلسفية في أرض الإسلام، سواء بأقلام المسلمين أو النصارى أو اليهود”.
ويضيف مدكور مبرراً آخر لاختياره التسمية الإسلامية: “فأنا أميل لتسمية هذه الدراسات «فلسفة إسلامية»، لاعتبار واحد وهو أن الإسلام ليس دينا فقط بل هو دين حضارة… فهي إسلامية في مشاكلها والظروف التي مهدت لها، وإسلامية أيضا في غاياتها وأهدافها، وإسلامية أخيرا بما جمعه الإسلام في باقتها من شتى الحضارات ومختلف التعاليم”.
ويدافع المستشرق الفرنسي هنري كوربان على غير ما ذهب إليه رينان عن تسمية “فلسفة إسلامية” بحجة شموليتها، قائلاً: “إذا أخذنا بفلسفة عربية لكانت ضيقة جدًا بل خاطئة، فأين نضع مثلاً فكر ناصر خسرو، وأفضل كاشاني، وغيرها من فرس القرون من الحادي عشر إلى الثالث عشر، والذين لم يكتبوا إلا بالفارسية؟ … إن مفهوم «عربية» يحمل اليوم مضمونًا سياسيًا ووطنيًا له ما يُبَرِّره، ولكن ليس له الحق أن يعود بنا إلى الميدان العلمي أو الأدبي. وأيضًا فإني أرفض أن أربط بين مفهوم ديني وبين وطن أو جنس، ولذلك كان أصدق عنوان هو «الفلسفة في الإسلام» أو «الفلسفة الإسلامية»”.
ويؤكد الأستاذ تارا شائد من الهند هذا الموقف، مشيراً إلى أن “المشتغلين بهذه الصناعة لم يكونوا جميعًا عربًا، بل كان معظمهم فرسًا أو مواطنين في بلاد أخرى كمصر ووسط آسيا والأندلس والهند”، وأن “الفلسفة نشأت من حاجة الإسلام والجدل الديني، واهتمت في أساسها إمَّا بتوطيد دعائم العقيدة، أو التماس أساس فلسفي لها”.
ثالثاً: موقف التوفيق بين التسميتين: “الفلسفة العربية الإسلامية”
ظهر موقف ثالث يسعى إلى التوفيق بين التسميتين، ويرى أن الخلاف لفظي لا طائل من ورائه. ومن أبرز المدافعين عن هذا الموقف عبد الرحمن بدوي، الذي يقول: “في رأينا أنها مشكلة زائفة، لأن المدلول واحد: فهي عربية لأن الكتب المؤلفة فيها قد كتبت باللغة العربية، إلا في القليل النادر الذي لا يخرج القاعدة، تماما كما يكتب ديكارت وليبنز وكانت بعض مؤلفاتهم باللاتينية إلى جانب لغاتهم القومية، ومع ذلك لم يقل أحد إنهم من رجال الفلسفة اللاتينية، وهي إسلامية بمعنى أن أصحابها عاشوا في دار الإسلام أي داخل نطاق العالم الإسلامي في العصر الوسيط حتى لو كان البعض منهم لم يعتنق الإسلام دينا”.
وينضم إليه عثمان أمين في هذا التوفيق. غير أن الباحثين يلاحظون أن بدوي نفسه يفضل في معظم مؤلفاته تسميتها “فلسفة إسلامية” .
رابعاً: موقف علي سامي النشار – التمييز بين “المسلمين” و”الإسلاميين”
يمثل علي سامي النشار موقفاً متميزاً في هذه القضية، إذ يذهب إلى أبعد من مجرد الاختيار بين التسميتين، ويقترح تمييزاً دقيقاً بين فئتين من الفلاسفة، كل منهما تستحق تسمية مختلفة. فهو يقول: “وينبغي أن نفرق دائماً بين (الإسلاميين) يحملون أسماء إسلامية وقد قبلوا التراث اليوناني في كلياته وحاولوا التوفيق بينه وبين الإسلام، وبين (مسلمين) صدروا في فلسفتهم عن القرآن والسنة وعبروا تعبيراً داخلياً عن بنية المجتمع الإسلامي الذي عاشوا فيه”.
ويخلص إلى حكم قاسٍ على الفئة الأولى: “لم يبدع الأولون شيئاً، كانوا شراحاً للفكر اليوناني، أشبه ما يكونوا بالشراح الإسكندريين المتأخرين” . أما الفئة الثانية: “فكانوا فلاسفة الإسلام على الحقيقة، المعبرين عن بنياته الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية” . وبهذا، يكون النشار قد حسم التسمية لصالح “الإسلام” ، لكنه ضيق مفهوم “الفلسفة الإسلامية” ليشمل فقط المتكلمين والأشاعرة وأصحاب علم أصول الفقه، وأخرج منها المشائين الذين وصفهم بأنهم مجرد شراح للفكر اليوناني.
الخلاصة:
يتضح من هذا الاستعراض أن الإشكالية المصطلحية حول تسمية الفلسفة الإسلامية ليست مجرد خلاف لفظي، بل تعكس رؤى متباينة حول هوية هذا التراث ومصدر أصالته. فالقائلون بـ”الفلسفة العربية” يركزون على اللغة بوصفها وعاء الفكر، بينما القائلون بـ”الفلسفة الإسلامية” يركزون على البيئة الحضارية والدينية التي أنتجت هذا الفكر. أما أصحاب التوفيق فيرون أن المدلول واحد وأن الخلاف زائف. ويبقى موقف النشار الأكثر تعقيداً، إذ يقترح تمييزاً جوهرياً بين فلاسفة الإسلام “المبدعين” و”المقلدين”، مما يفتح الباب أمام إعادة النظر في من يدخل في دائرة “الفلسفة الإسلامية” ومن يخرج منها.
مواقف المسلمين من الفلسفة الإسلامية:
أولاً: موقف المتكلمين من الفلسفة
1. موقف الرفض: الأشاعرة والمتكلمون الأوائل
كان موقف المتكلمين الأوائل وعلى رأسهم الأشاعرة موقفًا نقديًا من الفلسفة، إذ اعتبروها متعارضة مع العقيدة الإسلامية، وسعوا إلى نقض آراء الفلاسفة المتعلقة بالطبيعة والإلهيات. وقد بلغ هذا النقد أوجه عند أبي حامد الغزالي، الذي أفرد كتابه الشهير “تهافت الفلاسفة” للرد عليهم.
يقول الغزالي في مقدمة كتابه مبينًا سبب تأليفه: “رأيت هذه الطائفة يعتقدون في أنفسهم التميز بمزيد الفطنة والذكاء، رفضوا وظائف الإسلام”.
ويوضح الغزالي أن مقصده ليس تصحيح فلسفاتهم أو بناء فلسفة بديلة، بل: “تنبيه من حسن اعتقاده في الفلاسفة، وظن أن مسالكهم نقية من التناقض، ببيان وجوه تهافتهم”.
وقد كفّر الغزالي الفلاسفة في ثلاث مسائل أعلنها صراحة: القول بقدم العالم، وإنكار بعث الأجساد، ونفي علم الله بالجزئيات.
أما ابن تيمية، فقد اتسع نقده للمتكلمين ليشمل الفلاسفة أيضًا، فرماهم معًا بالصفة نفسها، فقال: “إن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشوًا وقولاً للباطل، وتكذيبًا للحق في مسائلهم ودلائلهم، لا يكاد ـ والله أعلم ـ تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك”.
ويميز ابن تيمية بين الفلاسفة والمتكلمين فيقول: “المتفلسف أعظم اضطرابًا وحيرة في أمره من المتكلم، لأن عند المتكلم من الحق الذي تلقاه عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسف”.
غير أن بعض المتكلمين المتأخرين لم يكتفوا بالرفض، بل تأثروا بالمناهج الفلسفية في صياغة مسائلهم الكلامية. يذكر ابن خلدون أن أول من كتب في طريقة الكلام من المتكلمين الذين تأثروا بالفلسفة وردّ عليها هو الغزالي، وتبعه فخر الدين الرازي وجماعة سلكوا على منوالهم. وقد اتهمهم ابن تيمية بأنهم “خلطوا كلامهم بالفلسفة، واصطنعوا مناهج المنطق اليوناني في تفكيرهم”.
ثانياً: موقف الفقهاء من الفلسفة
كان موقف الفقهاء من الفلسفة في الغالب موقفًا رافضًا، بل وصل الأمر عند بعضهم إلى التحريم والتشديد. وقد تجلى هذا النفور في فتوى ابن الصلاح (ت 643هـ)، وفي تقرير فقهاء الموحدين في مجالس أمرائهم بتقبيح علم الكلام وكراهة السلف له.
ومن أبرز النقول في هذا الباب قول الإمام الشافعي رحمه الله : “ما جهل الناس، ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب إلى لسان أرسطاطاليس”.
وقد روى بعض العلماء عن الشافعي أنه قال: “حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر”. ويرى الباحثون أن رفض الشافعي لعلم الكلام دليل على رفضه ما هو شر منه، وهو الفلسفة والمنطق.
موقف القبول المشروط: فقهاء المدرسة الظاهرية
في مقابل هذا الرفض، برز موقف فقهي آخر يمثله ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ)، الذي كان من أبرز الفقهاء المدافعين عن المنطق والفلسفة. فقد أقبل ابن حزم على المنطق اليوناني ورأى أنه يساعد على تفهم العلوم. وقد لاقى هذا الموقف معارضة كبيرة من فقهاء المالكية في الأندلس، الذين انتقدوه لاعتماده “منهج المناطقة والفلسفة في الاستدلال”.
3. موقف التوسط: فقهاء الموازنة
ومثلما كان ابن حزم نموذجًا للمؤيد، كان ابن تيمية نموذجًا للفقيه الناقد الذي يستلهم طريقة الفقهاء في “عدم إطلاق الحكم دون تفصيل”. فهو يفرق بين ما يصيب فيه الفلاسفة فيقبله، وما يخطئون فيه فيرفضه، كما بين ذلك في كتبه المتعددة.
ثالثاً: موقف علماء الطبيعة من الفلسفة
الانخراط في الفلسفة الطبيعية
لم يكن لعلماء الطبيعة في الحضارة الإسلامية موقف عدائي من الفلسفة، بل كانوا منخرطين فيها بشكل كبير، إذ كانت العلوم الطبيعية كما يذكر الباحثون جزءًا مهمًا من السجالات العقدية بين المتكلمين والفلاسفة. وقد اهتم المتكلمون وفلاسفة الإسلام بالبحث في المسائل الطبيعية، ليس من أجل تفسير الكون على نحو ما فعل فلاسفة اليونان فحسب، بل أرادوا البحث فيها لخدمة أغراضهم العقدية.
2. ابن الهيثم نموذجًا
يُعد الحسن بن الهيثم (354430هـ) أعظم علماء الطبيعة في القرون الوسطى، وكان له إلى جانب ذلك مشاركة في “علوم الأوائل الأخرى، خاصة في فلسفة أرسطو”. وقد جمع في منهجه بين البحث التجريبي الدقيق والإطار الفلسفي، مما جعله نموذجًا للتفاعل الإيجابي بين علم الطبيعة والفلسفة.
3. التمايز بين الطبيعيات والفلسفة الإلهية
من المهم ملاحظة أن العلماء ومنهم الغزالي لم يكن لهم موقف سلبي من علماء الطبيعة أو الرياضيات؛ فالموقف السلبي الوحيد كما يذكر الباحثون كان موجّهًا إلى بعض المسائل الفلسفية الميتافيزيقية، لا إلى العلوم الطبيعية نفسها.
رابعاً: موقف الصوفية من الفلسفة
كانت العلاقة بين التصوف والفلسفة علاقة معقدة، تتأرجح بين التوتر والاختلاط. فقد دخلت في التصوف بعض الآراء الفلسفية، كمسألة وحدة الوجود، مما دفع بعض المؤلفين إلى اعتبار الصوفية فرقة مستقلة.
غير أن بعض الصوفية كانوا ينتقدون الفلسفة. فكما يلاحظ الباحثون، “لم يقبلوا أن يكون علم الكلام أو الفلسفة هو أفضل طريقة لتدريب التفكير العقلاني”. وكانوا يرون أن الطريق إلى المعرفة الحقة هو الكشف والذوق، لا البرهان العقلي المجرد.
موقف ابن عربي وجلال الدين الرومي من الفلسفة والعلوم النظرية الاستدلالية:
لم يكن موقف كبار الصوفية من الفلسفة والعلوم الاستدلالية موقفاً واحداً، بل تنوع بين النقد والتمييز والتوظيف. ويُعد محیي الدين ابن عربي (ت 638هـ) وجلال الدين الرومي (ت 672هـ) من أبرز من عبّروا عن رؤية صوفية متميزة إزاء العقل والفلسفة، تقوم على تفريق حاسم بين العقل الجزئي النظري والعقل الكلي الإلهي، وبين المعرفة الاستدلالية والكشف الذوقي.
أولاً: موقف ابن عربي – بين الاعتراف بالعقل ونقض الفلسفة الاستدلالية
يُصنف ابن عربي العقلَ الفلسفي بوصفه أداة محدودة لا تصل إلى حقائق الوجود، ويعتبر أن المعرفة التي تعتمد على “الدلائل العقلية والبراهين الوضعية” هي معرفة سطحية لا تنتج علماً حقيقياً. وهو في كتابه “رسائل ابن عربي” يميز بين نوعين من العلوم: “العلوم وإن كثرت أصنافها بحسب معلوماتها فهي ترجع إلى ضربين: علوم تنتج، وعلوم لا تنتج. فالعلم الذي لا ينتج أصلاً فهو العلم بالذات المقدسة التي تجل وتتعاظم عن الإدراك بشبكة الأفكار وشرك العقول والاعتبار”.
فالمعرفة الإلهية، عند ابن عربي، لا تُدرك بالبراهين العقلية، لأن الله “حجابه الألوهية المدركة بالدلائل العقلية والبراهين الوضعية”، أي أن العقل نفسه يصبح حجاباً دون الله.
لا يرفض ابن عربي العقل رفضاً مطلقاً، بل يقرّ له بإمكانية إثبات وجود الله، لكنه ينفي عنه القدرة على العلم بالذات الإلهية، فيقول: “حكم النظر العقلي في إثبات وجود الله أولاً هو الركن الأعظم، ثم اعتبره في توحيده في ألوهته، فكلفنا النظر في أنه لا إله إلا الله بعقولنا، ثم نظرنا بالدليل العقلي ما يجب لهذا الإله من الأحكام”.
وهذا يعني أن العقل يُستخدم في الاستدلال التوحيدي، لكنه يقف عاجزاً أمام جوهر الذات الإلهية.
يحذر ابن عربي من القياس العقلي في المجال الإلهي، معتبراً أن ضرر المذاهب العقائدية إنما جاء من استعمال القياس في غير موضعه: “فما أتى على من أتى من الالتباس إلا من إلحاق الغائب بالشاهد في القياس، فمن فساد النظر حكمك على الغائب حكمك على من حضر، لكل مقام مقال، وأين الواجب من الممكن والمحال”.
وهو يصرح بأن “طريق الله لا يدرك بالقياس”.
يصف ابن عربي الفلاسفة والمتكلمين بأنهم “أصحاب فكر واستدلال”، في مقابل الصوفية “أصحاب أذواق وأحوال”. وهو يرى أن “من فسّر القلب بالعقل فلا معرفة له بالحقائق”. بل يصل إلى القول بأن الفلاسفة “لم يفهموا بعد التزامن بين علو الله (تنزيهه) ومحايته (تشبيهه)”.
ثانيا: موقف جلال الدين الرومي – ثورة على العقل الجزئي وتقديس العقل الكلي
يُعد المثنوي عند الرومي “ثورة على علم الكلام الذي فقد جدته وقوته، ونقد الفلسفة في اتجاهها ومنهجها، وعلى الفلسفة التي تجاوزت حدودها وبالغت في تقدير الحواس وتقديس العقل”. فهو يهاجم الفلسفة التي “تجاوزت حدودها” وجعلت من العقل أداة مطلقة.
التمييز الجوهري في فكر الرومي هو التفريق بين العقل الجزئي (العقل النظري الاكتسابي) والعقل الكلي (العقل الإلهي الموهوب). وهو في المثنوي يقول: “العقل عقلان: أولهما عقل مكتسب نتعلمه كما يتعلم الصبي في المكتب، (وهذا العقل) من الكتاب والأستاذ والفكر والذكر ومن المعاني ومن العلوم الطيبة البكر… أما العقل الآخر فهو هبة من الله تعالى، وإنما يكون منبعه من قلب الروع”.
في مقابل العقل الجزئي، يعظم الرومي العقل الكلي، وهو العقل الموهوب الذي لا يكتسب بالدرس والمنطق، بل يُوهب من الله. وهو يصف العقل الكلي بأنه “نور العقل” الذي هو غذاء الأرواح.
اتهم الرومي الفلسفة بأنها “بالغت في تقدير الحواس وتقديس العقل”، معتبراً أن هذه المبالغة أوصلت الفلاسفة إلى طريق مسدود. وهو يرى أن “الحق لا ينجلي إلا بالباطل”، أي أن المعرفة الحقة لا تأتي عبر المنطق الاستدلالي المحض، بل عبر التناقض والمجاوزة.
https://orcid.org/0009-0009-2016-0523