الإرهاصات الأولى والبدايات المبكرة لحركة النقل قبل العصر العباسي
التمهيد التاريخي والنقل المبكر في العصر الأموي
كانت حركة الترجمة والنقل في الحضارة الإسلامية بمثابة عملية استيعاب وتبيئة فلسفية وعلمية معقدة. وهي حركة لم تبدأ فجأة في العصر العباسي، بل سبقتها محاولات مبكرة تعود إلى العصر الأموي. فقد أدى احتكاك العرب بالبيئات الثقافية المجاورة عقب الفتوحات الإسلامية، وخاصة في الشام ومصر والعراق، إلى تولد فضول معرفي وحاجة عملية لعلوم الطب والكيمياء والحساب. وقد تجسدت هذه البدايات المبكرة في شخصية خالد بن يزيد بن معاوية (الملقب بحكيم آل مروان)، الذي بدأت معه أولى محاولات نقل العلوم القديمة إلى اللسان العربي. وفي هذا السياق، إذ “كان معاوية بن يزيد بن خالد بن معاوية ( المتوفى سنة 85 هـ / 704 م ) يسمى حكيم آل مروان ، وكان له همة ومحبة للعلوم ، وخطر بباله الصنعة ، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مدينة مصر ، وقد تفصح بالعربية ، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي ، وهذا أول نقل كان في الإسلام .”[i].
هذه الخطوة الأموية، وإن كانت محصورة في الصنائع النظرية والعملية كالطب والكيمياء ولم تتناول الفلسفة الميتافيزيقية بجهد مؤسسي، إلا أنها كسرت الحجز اللغوي وأسست لفكرة تعريب العلوم العجمية واستفادة الأمة من التراث الإنساني.
[i]مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1944، ص 47
المدارس السريانية والمراكز الثقافية القديمة ودورها التمهيدي
لمعرفة حركة الترجمة يجب استحضار خارطة انتشار مدارس التعليم التبادل الفكري التي كانت قائمة في الشرق الأدنى قبل الإسلام؛ حيث شكلت مراكز التعليم السرياني واليوناني المتمثلة في مدارس حران، والرها، ونصيبين، وجنديسابور، والإسكندرية، الجسر الثقافي الناقل للتراث الهيليني. فقد عكف الشراح والمترجمون السريان لقرون طويلة على ترجمة النصوص الإغريقية من اليونانية إلى السريانية، بحيث شرحوا منطق أرسطو ومحاورات أفلاطون وفق رؤى لاهوتية ومدرسية متعددة. وحينما بزغ فجر الدولة الإسلامية واتسعت رقعتها، وجد الفكر الإسلامي الناهض أمامه هذه الحواضن العلمية بكامل عدتها المفهومية والاصطلاحية. يثبت الدكتور محمد كمال إبراهيم جعفر هذا الاتصال التاريخي المباشر بقوله: “ونحن لا يمكن أن ننكر اتصال العرب بالفلسفة اليونانية اتصالا وثيقاً ، ابتداء من مدارس حران والرها ونصيبين ، إلى الترجمات التامة التي قام بها النساطرة ، ومن جندوا لأداء هذه المهمة ، وقد بلغت الحركة ذروتها في عهد الخليفة المأمون – ت 218 هـ – لأن في عصر خلافته أنشئمركز لهذا الغرض أطلق عليه « بيت الحكمة » والمعروف أن لفظ « الحكمة » هو اللفظ العربي للفلسفة .”[i].
[i] محمد كمال إبراهيم جعفر، دراسات في الفلسفة الإسلامية ونصوص، مكتبة دار العلوم، 1975، ص 54
العصر الذهبي للترجمة في العصر العباسي الأول ومؤسسة بيت الحكمة
التأسيس والرعاية العباسية المباشرة للنقل
شهد العصر العباسي الأول، وتحديداً خلال الفترة الممتدة بين منتصف القرن الثاني والقرن الرابع الهجريين، الانطلاقة الكبرى والمنظمة لحركة الترجمة. فقد تحولت الترجمة من مبادرات فردية متفرقة إلى سياسة دولة ورعاية خلفاء لهم رؤية استراتيجية لها علاقة بالحضارة. إذ أدرك الخلفاء العباسيون الأوائل، كأبي جعفر المنصور، وهارون الرشيد، والمأمون، والمعتصم، أن بناء دولة مقتدرة وتواكب التحدي الحضاري والفكري يستلزم التزود بمعارف العصر واستيعاب التراث العلمي والإنساني للأمم السابقة. إذ يرى الدكتور سيد حسين نصر أنه “ومع قيام العباسيين ، وخاصة في زمان هارون الرشيد والمأمون والمعتصم ، عندما بدأت العناية تتجه إلى علوم الأوائل وتبذل الجهود الواسعة لنقل المصادر إلى العربية ، كان من السهل استخدام المترجمين الأكفاء إلى عاصمة الخلافة في بغداد . وفي مدة قرنين ، دامت من حوالي 750 إلى 1000 بعد الميلاد ، نقل إلى العربية قدر هائل من المصنفات الميتافيزيقية والفلسفية والعلمية ، من اليونانية والسريانية والفهلوية والسنسكريتية ، على يد عدة مدارس للترجمة كانت تختلف بعضها عن بعض من حيث الكفاءة والاستعداد .”[i].
[i] سيد حسين نصر، ثلاثة حكماء مسلمين .. ابن سينا ، السهروردي و ابن عربي، دار النهار للنشر، الطبعة الأولى، 1971، ص 17.
الدوافع العقلية والدينية والسياسية لحركة النقل والترجمة
تعددت الدوافع التي أدت إلى انفجار حركة الترجمة في العصر العباسي وتأسيس “بيت الحكمة” ببغداد كأكاديمية مركزية للبحث والمناظرة والنقل. فإلى جانب الشغف الشخصي للخليفة المأمون بالعلوم العقلية ومجالسته للعلماء، كانت هناك دوافع كلامية ودينية ملحة؛ حيث دخل المتكلمون المسلمون في مناظرات حادة مع أصحاب الديانات والمذاهب الأخرى، فوجدوا أنفسهم بحاجة ماسة إلى الاستعانة بالمنطق والأدوات البرهانية الأرسطية للدفاع عن العقيدة الإسلامية وتفنيد شبهات الخصوم. ينقل الدكتور محمد علي أبو ريان الخلفيات الروافدية لهذه الحركة بقوله: “وحينما طلب المأمون نقل كتب الفلسفة بعد منام يقال أنه رأى فيه أرسطو وكأنه يحفزه فيه إلى أن ينقل كتب الفلسفة إلى العربية ، أو بدافع من نشأته العقلية وانتسابه لحركة الاعتزال وما صاحبها على عهده من محن بسبب مشكلة خلق القرآن – لم يجد المأمون حولة غير السريان وفي جملتهم حنين بن اسحق وابنه اسحق وقسطا بن لوقا البعلبكي وغيرهم ممن حدقوا اليونانية والسريانية والعربية ، فكان النقل أولا من السريانية إلى العربية ثم اتجه بعد ذلك إلى الترجمة من اليونانية إلى العربية مباشرة .”[i]. فقد ” طلب المأمون من الملك في احدى رسائله أن ينقل ما لدى الملك من علوم الى اللغة العربية . فاستجاب الملك الى طلب المأمون بعد امتناع كثير . فكان أن أرسل المأمون فريقا كاملا من المترجمين هم : الحجاج بن مطر ، ابن البطريق ، سلما صاحب بيت الحكمة وغيرهم . فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا ، فلما حملوه الى المأمون أمرهم بنقله ، فنقل .”[ii].
[i] محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، 1986، ص 23.
[ii] فيصل بدير عون، الفلسفة الإسلامية في المشرق، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص 21
مدارس الترجمة ومناهج المترجمين في نقل التراث الفلسفي
مدرسة حنين بن إسحاق والترجمة المعنوية التحليلية
لم تكن حركة الترجمة لوناً واحداً من حيث الأسلوب والمنهج، بل شهدت تطوراً نقدياً وفيلولوجياً متقدماً بتعاقب أجيال المترجمين. وتعتبر مدرسة حنين بن إسحاق العبادي (ت 260 هـ) وأسرته وتلامذته (كابنه إسحاق بن حنين وحبيش بن الحسن) الذروة العليا في دقة الترجمة المفهومية والتدقيق اللغوي. فقد تجاوز حنين أسلوب النقل الحرفي اللفظي المباشر، واعتمد منهجاً يقوم على المقابلة بين المخطوطات والنسخ متعددة الأصول، وفهم المعنى الكلي للجملة في لغتها الأصلية، ثم إعادة صياغته بلسان عربي سليم يطابق المقصد المعرفي.
وقد حظي هؤلاء المترجمون برعاية سياسية وتقدير اجتماعي غير مسبوق في التاريخ الحضاري. “وهؤلاء الخلفاء العظماء شرحوا صدورهم وفتحوا قصورهم للفلاسفة من أهل سائر الأديان ، وقلدوهم أسمى مناصب الدولة ، وكان ديدنهم رفع المترجمين والعلماء وإعلاء قدرهم .”[i]. وبفضل هذا المنظور التأسيسي، استطاعت هذه المدرسة نقل أمهات كتب جالينوس وبقراط في الطب، ومحاورات أفلاطون، وشروح أرسطو بدقة لغوية واصطلاحية فائقة.
[i] محمد لطفي جمعة، تاريخ فلاسفة الإسلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1927، ص 10.
مدرسة يحيى بن عدي وأبو بشر متى بن يونس والترجمة الحرفية
مع حلول القرن الرابع الهجري، نشأت مدرسة فلسفية ولغوية ثانية في بغداد، ضمت أئمة المترجمين والمناطقة النساطرة واليعاقبة مثل أبي بشر متى بن يونس ويحيى بن عدي التكريتي وعيسى بن زرعة. وقد تميزت هذه المدرسة بالتركيز المتخصص على المتون المنطقية والأرسطية الصرفة، مع ميل واضح إلى الترجمة اللفظية الحرفية التي تحرص على مطابقة الكلمة العربية لنظيرتها السريانية أو اليونانية، مما أضفى أحياناً نوعاً من الجفاف أو الغموض التركيبي على النصوص المترجمة. ويرصد الدكتور فيصل بدير عون النشاط المعرفي لهذه المدرسة وأثرها في استكمال نقل التراث الأرسطي بقوله: “ويرى أولياري أن العصر الذهبي للترجمة كان في القرن الرابع الهجري والذي من أعلامه أبو بشر متى بن يونس ( 328 هـ – 939 م ) حيث ترجم الى العربية القياس والشعر لأرسطو وتعليقات الاسكندر الأفروديسي على الكون والفساد وتعليق ثامسطيوس على الميتافيزيقا .. كذلك نجد يحيى بن عدى التكريتي ( + 364 هـ ) حيث نقل من السريانية الى العربية المقولات والسفسطة والشعر والميتافيزيقا لأرسطو .”[i]. وتكمن أهمية هذه المدرسة في أنها وفرت المتون المعقدة للشراح الكبار كالفارابي، وأسست لمرحلة الاستيعاب الفلسفي المباشر للمنظومة المشائية.
[i] فيصل بدير عون، الفلسفة الإسلامية في المشرق، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص 27.
نقل المدونات الفلسفية الكبرى وإشكالية النصوص المنحولة
ترجمة المنظومة الأرسطية والأفلاطونية إلى اللسان العربي
استوعبت حركة الترجمة أهم المتون الفلسفية التي أبدعتها العقلية اليونانية، حيث تم نقل كتب أرسطوطاليس كاملة تقريباً في المنطق (الأورغانون)، والطبيعيات (السماء والعالم، الكون والفساد، النفس)، والإلهيات (ما بعد الطبيعة)، إضافة إلى كتب الأخلاق والسياسة. كما نقلت محاورات أفلاطون الرئيسية مثل “طيماوس”، و”الجمهورية”، و”القوانين”، إلى جانب شروح وتفاسير أطباء مدرسة الإسكندرية والمشائين المتأخرين كالإسكندر الأفروديسي وثامسطيوس وفورفوريوس الصوري.
إلا أن هذا النقل الضخم لم يكن نقلاً خالصاً للمذاهب في صفائها الأصلي، بل كان محملاً بالقراءات التوفيقية والتركيبية التي سادت مدرسة الإسكندرية المتأخرة، والتي صبغت الفلسفة الإغريقية بصبغة أفلاطونية محدثة تجمع بين عقلانية أرسطو وإشراقية أفلاطون.
إشكالية الكتب المنحولة وتلفيق المذاهب (أثولوجيا والكتاب في الخير المحض)
تعتبر قضية “النصوص المنحولة” من أعقد الإشكاليات النقدية والتاريخية التي واجهت الفلسفة الإسلامية وأثرت في بنية أطروحاتها الهيكلية. فقد نقل المترجمون إلى العربية كتباً نُسبت خطأً إلى أرسطو، وعلى رأسها كتاب “أثولوجيا” (وهو في الحقيقة الميمرات الرابعة والخامسة والسادسة من تساعيات أفلوطين) وكتاب “الفيض” أو “الخير المحض” (وهو مستخلص من عناصر لاهوت بروكلس الأفلاطوني المحدث). وقد أدى هذا الخلط الانتحالي إلى توهم الفلاسفة المسلمين الأوائل وحدوية المذهب اليوناني، فاندفعوا إلى التوفيق بين أفلاطون وأرسطو بناءً على هذه الكتب المنحولة. ويوضح الدكتور محمد علي أبو ريان الأزمة المنهجية التي وقع فيها المعلم الثاني الفارابي بسبب هذا النقل المنحول بقوله: “وقد استحكمت الأزمة بصفة خاصة عند فيلسوف حاد الذهن هو أبو نصر الفارابي فتراه في كتاب « الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو » يورد آراء لأرسطو تعارض آراء أخرى له ، ثم يحاول التوفيق بين هذه الآراء المتعارضة زعما منه بأنه لا يعقل أن فيلسوفا كبيرا كأرسطو يناقض نفسه ، والحقيقة أن الفارابي كان يقارن بين نصوص تلقاها من كتاب الحروف ( الميتافيزيقا ) لأرسطو ونصوص أخرى تلقاها من كتاب أثولوجيا ، والأولى نصوص حقيقية لأرسطو أما الثانية فهي ليست له ، ولم يكن الفارابي على علم بذلك ، فأخذ يحتال في تعسف للتوفيق بين هذه الآراء المتناقضة .”[i].
[i] محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، 1986، ص 25.
أثر حركة الترجمة في نشأة الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام
التفاعل بين النقل والاجتهاد العقلي الداخلي
من الأخطاء الشائعة في القراءات التبسيطية للتراث التأكيد على أن حركة الترجمة كانت المولد الوحيد للفاعلية العقلية في الإسلام. فالتحقيق الأكاديمي يثبت أن البيئة الإسلامية كانت تتمتع بمران عقلي واجتهادي أصيل نبع من داخل العلوم الدينية والشرعية، ولا سيما علوم الفقه وأصوله وعلم الكلام المبكر. فقد مارس الصحابة والتابعون الاجتهاد بالرأي وتعليل الأحكام وتخريج الفروع على الأصول قبل دخول الكتب المترجمة اليونانية. ويرسخ الدكتور غلام حسين إبراهيمي ديناني هذه الرؤية التكاملية بالإحالة إلى الأطروحة التأسيسية للشيخ مصطفى عبد الرازق قائلاً: “وأشار الدكتور مصطفى عبد الرازق في كتاب « التمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية » الى هذا الأمر وذهب الى ان الاجتهاد في الرأي واستنباط الأحكام طبقاً لقواعد الأصول ، يعدّ من وجهة نظر المسلمين ، اول نتاج في المحيط الاسلامي تبلور على ضوء الجهود العقلية. كما يرى ان الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية على أساس العقل مع رعاية القواعد الدينية والقرآنية، أدى الى ظهور مختلف المذاهب الفقهية . فازدهر علم اصول الفقه خلال هذه الحركة الفكرية الثقافية، حتى أصبح هذا العلم من بين العلوم التي يمكن أن نعدّها نوعاً من الفلسفة.”[i].
[i] غلام حسين إبراهيمي ديناني، حركة الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي، دار الهادي، الطبعة الأولى، ج 1، ص 118.
تأسيس الفلسفة المشائية الإسلامية وإعادة صياغة المصطلحات (الكندي نموذجاً)
شكلت الترجمة المادة الخام التي اشتغل عليها أول فيلسوف إسلامي مشائي وهو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (ت 252 هـ). لم يقتصر دور الكندي على مراجعة الترجمات وإصلاحها (كمراجعته لكتاب أثولوجيا وتعديله)، بل قام بنحت المصطلحات الفلسفية العربية الأولى وصياغة مفاهيم المادة، والصورة، والعلة، والإنّية، والماهية، وتبيئة المقولات الأرسطية لتلائم نسق اللغة العربية ومفاهيم التوحيد الإسلامي. وقد عبر الكندي بحس نقدي وحضاري رفيع عن وجوب القبول بالحق واستفادته من أي مصدر كان، متجاوزاً التعصب القومي أو الديني. “ويشيد الكندي بالحكماء القدامى ويؤكد أن الفيلسوف مدين لأسلافه ، ويشدد على أخذه للحقيقة من أي مكان ولو من المصادر الأجنبية ، مع ضرورة تقديم الشكر لأولئك الذين قدموا لنا الحقيقة ولو بمقدار ضئيل ، فكيف لمن علمنا مقداراً كبيراً من الحقيقة . ويرى أن هؤلاء قد أشركونا في ثمرات أفكارهم ، وبسطوا لنا القضايا المعقدة المتصلة بالحقيقة والماهية .”[i].
[i] غلام حسين إبراهيمي ديناني، حركة الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي، دار الهادي، الطبعة الأولى، ج 1، ص 198.
الموقف النقدي للفلاسفة والعلماء المسلمين من حركة الترجمة والنقل
النقد اللغوي والمنهجي لعيوب الترجمة (التوحيدي، الغزالي، ابن رشد)
لم يغفل علماء الإسلام وفلاسفته عن الآفات والعيوب المنطقية والتركيبية التي انصبغت بها حركة الترجمة بسب النقل متعدد الوسائط (من اليونانية إلى السريانية ثم إلى العربية). فقد فطن أدباء وفلاسفة كبار كأبي حيان التوحيدي في “المقابسات” و”الإمتاع والمؤانسة”، حجة الإسلام الغزالي في “تهافت الفلاسفة”، وأبي الوليد ابن رشد في شروحه، إلى أن تحريف المعاني والزيادة والفيض غير الدقيق في المصطلحات أدى إلى تشويه مقاصد الأوائل وإرباك العقل العربي. وينقل الشيخ مصطفى عبد الرازق نقد التوحيدي النافذ لوسائط النقل وتأثيرها على جوهر الحقائق الفلسفية بقوله: “إن الترجمة من لغة يونان إلى العربانية ومن العربانية إلى السريانية ، ومن السريانية إلى العربية ، قد أخلت بخواص المعاني في أبدان الحقائق إخلالاً لا يخفى على أحد .”[i].
“على أن الترجمة من لغة يونان إلى العبرانية، ومن العبرانية إلى السريانية، ومن السريانية إلى العربية، قد أخلت بخواص المعاني وأبدلت الحقائق إخلالاً لا يخفى على أحد.”[ii].
[i] مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1944، ص 44
[ii] محمد الشيخ، المبهج في الفلسفة العربية الإسلامية، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بصلطنة عمان، ص 28.
تجاوز النقل إلى الإبداع والتركيب الفلسفي المستقل
إن النقد الذاتي لعثرات الترجمة دفع الفكر الإسلامي إلى عدم الوقوف عند مرحلة الاستهلاك والنقل، بل الانتقال السريع إلى مرحلة النقد والهضم والإبداع المستقل. فسرعان ما تحول الفلاسفة المتأخرون من شراح للمتون إلى مبتكرين لأنساق فلسفية وإشراقية جديدة لم تعرفها الفلسفة اليونانية ذاتها، كمذاهب ابن سينا في “حكمة المشرقيين”، وشيخ الإشراق السهروردي في “حكمة الإشراق”، والحكمة المتعالية لملا صدرا الشيرازي. “كان العصر العباسي الأول عصر الغرس وبذر البزور ، فجاء العصر الثاني للحصاد وجني الثمار ، ونعترف بغير حسد وبسرور وطيب خاطر بأن العصر العباسي الأول كان الفضل فيه لأدباء من غير المسلمين ، فلما تم النقل تقدم المسلمون إلى العمل ، فكان أسبقهم يعقوب بن إسحق الكندي الذي بدأنا بترجمته في مفتتح هذا السفر الضئيل وهو من أبناء القرن الثالث الهجري .”[i].
[i] محمد لطفي جمعة، تاريخ فلاسفة الإسلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1927، ص 32.
قائمة المصادر والمراجع
• إبراهيمي ديناني، غلام حسين. حركة الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي. تعريب: عبد الرحمن العلوي. بيروت: دار الهادي، الطبعة الأولى، 2000م.
• أبو ريان، محمد علي. تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1986م.
• جعفر، محمد كمال إبراهيم. دراسات في الفلسفة الإسلامية ونصوص. القاهرة: مكتبة دار العلوم، 1975م.
• جمعة، محمد لطفي. تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1927م. • الشيخ، محمد. المبهج في الفلسفة العربية الإسلامية. مسقط: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عمان، 2018م.
• عبد الرازق، مصطفى. تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1944م.
• عون، فيصل بدير. الفلسفة الإسلامية في المشرق. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع.
• نصر، سيد حسين. ثلاثة حكماء مسلمين .. ابن سينا ، السهروردي و ابن عربي. ترجمة: صلاح الصاوي، مراجعة: ماجد فخري. بيروت: دار النهار للنشر،
ملحقات:
أَعْلاَمُ حَرَكَةِ النَّقْلِ وَالتَّرْجَمَةِ فِي الْفَلْسَفَةِ الإِسْلَامِيَّةِ:
الشيخ أبو زيد حنين بن إسحاق العبادي (194 – 260 هـ / 809 – 873 م)
يُعد حنين بن إسحاق المترجمَ الأعظم وأبرزَ أركان حركة النقل في العصر العباسي الذهبي. ولد بالحيرة من أصل نصراني نسطوري، ورحل إلى بلاد الروم لجلب أمهات الكتب والمخطوطات النادرة، وتتلمذ في الطب على يوحنا بن ماسويه، وفي اللغة العربية على الخليل بن أحمد الفراهيدي، فجمع بين إتقان اليونانية والسريانية والعربية والفارسية. وقد عينه الخليفة المأمون رئيساً لبيت الحكمة ومسؤولاً عن ترجمة العلوم. تمتزج مدرسة حنين بالدقة الفيلولوجية القائمة على المقابلة بين عدة نسخ مخطوطة للتحقق من أصل النص قبل نقله. ومن أهم الكتب الفلسفية والعقلية التي ترجمها حنين بن إسحاق ورجاله: أمهات كتب جالينوس وبقراط في الطب والطبيعيات، ومحاورات أفلاطون (ككتاب “الجمهورية”، و”النواميس”، و”القوانين”، و”طيماوس الطبيعي”)، إضافة إلى نقل وشرح أجزاء واسعة من أورغانون أرسطو وكتب الطبيعيات والأخلاق. “هو أشهر المترجمين في هذه الفترة على الإطلاق ، وصاحب مدرسة في النقل ذات طابع خاص . وهو أبو زيد حنين بن اسحق ، ولد عام 194 هـ من أصل نصراني من أهل الحيرة ، درس الطب على يد يوحنا بن ماسويه وتتلمذ على الخليل بن أحمد في تعلم اللغة العربية ، وكان حنين على علم باليونانية والعربية والسريانية والفارسية .”[i].
[i] محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، 1986، ص 98
إسحاق بن حنين بن إسحاق (ت 298 هـ / 910 م)
نشأ إسحاق بن حنين في بيت الحكمة وتخرج في مدرسة أبيه الكبرى، ولكنه تميز بتوجهه المتخصص والنقي نحو تعريب النصوص الفلسفية والمنطقية الصرفة. وكان لغوياً بارعاً وفيلسوفاً مترجماً يجيد النقل المباشر من اليونانية والسريانية إلى اللسان العربي الفصيح. تعد ترجمات إسحاق بن حنين العمدة الأساسية التي اعتمد عليها أئمة الفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا؛ إذ ترجم كتاب “المقولات” (قاطيغورياس)، وكتاب “العبارة” (باري أرمينياس)، وكتاب “التحليلات الأولى” (القياس)، وكتاب “التحليلات الثانية” (البرهان)، وكتاب “النفس” لأرسطو. كما ترجم كتاب “إيساغوجي” لفورفوريوس الصوري، وشروح الإسكندر الأفروديسي وثامسطيوس. “أما تلامذته وخصوصا ابنه فقد كانت ترجماتهم في الغالب إلى اللغة العربية ، وقد عنى ابنه بصفة خاصة بالفلسفة كما سار على منهاج أبيه بنقل كتب الطب فترجم كتب أقراط وقد تخرج اسحق في مدرسة أبيه للترجمة وتخرج معه فيها ابن أخته حبيش بن الحسن المعروف بالأعسم .”[i]
[i] محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، 1986، ص 100
قسطا بن لوقا البعلبكي (ت 220 هـ / 835 م)
قسطا بن لوقا طبيب وفيلسوف ومترجم نصراني من بعلبك بالشام، كان يُعد إلى جانب حنين بن إسحاق من القلائل الذين يجيدون الترجمة المباشرة من اليونانية الأصيلة إلى العربية بلسان فصيح وعبارة رائقة. ارتحل إلى بلاد الروم واقتنى النفائس من أمهات كتب العلوم العقلية ورحل بها إلى بغداد. ترجم قسطا بن لوقا كتباً عديدة في الهندسة والفلك والطب والفلسفة، منها شروح كتب أرسطو وأفلاطون، وشروح الإسكندر الأفروديسي وثامسطيوس، وكتب إقليدس وبطليموس وأرخميدس، مما وفر مادة غنية للفلاسفة والعلماء كالكندي والفرغاني وبني موسى بن شاكر. “ومنهم كذلك قسطا بن لوقا البعلبكي وكان طبيباً وفيلسوفاً وهو من نصارى الشام ، وقد رحل إلى بلاد الروم طلباً للعلم ثم وفد على بغداد للرعة وهو من القلائل الذين يجيدون النقل من اليونانية إلى العربية رأساً ، وقد نقل كثيراً من كتب أفلاطون وأرسطو ، وتوفي عام 220 هـ .”[i].
[i] محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، 1986، ص 100
أبو بشر متى بن يونس المروزي (ت 328 هـ / 939 م)
شهد القرن الرابع الهجري في بغداد قيام مدرسة لغوية وفلسفية متخصصة في ترجمة وتدريس المتون المنطقية والأرسطية. وكان زعيماً لهذه المدرسة أبو بشر متى بن يونس، النصراني النسطوري الذي تعلم المنطق في دير قني وفي بغداد، وانتهت إليه رئاسة المناطقة حتى لقب بـ “شيخ المنطقيين”. وهو الأستاذ الأول الذي تلقى عليه أبو نصر الفارابي صناعة المنطق وشروحه. ترجم أبو بشر متى بن يونس كتباً دقيقة من الأورغانون الشامل لأرسطو، منها كتاب “البرهان”، وكتاب “القياس”، وكتاب “الشعر”، وكتاب “الكون والفساد” بتفسير الإسكندر الأفروديسي، وتعليق ثامسطيوس على كتاب “ما بعد الطبيعة” (المقالة اللام)، وهي النصوص التي شكلت البنية المفهومية الصلبة التي انطلق منها الفارابي في صياغة مشائيته. “أبو بشر متى بن يونس ، أو ابن يونان : وكانت له مدرسة في الترجمة في بغداد في خلافة الراضي سنة 320 هـ ، وهو نصراني نسطوري كانت نشأته الأولى في دير الرهبان وقد انتهت إليه رئاسة المنطقيين وكان هو أول من اختص بهذا اللقب كما يذكر ابن النديم… وقد ترجم أبو بشر حديثاً من كتب أرسطو وشراحه يذكر منها صاحب الفهرست : تفسير ثامسطيوس على المقالات الثلاث الأواخر للتحليلات الأولى ، وترجمة كتاب البرهان ، وسوفسطيقا والشعر والكون والفساد بتفسير الاسكندر وينسب إليه أيضاً ترجمة بعض أجزاء ميتافيزيقا أرسطو كقالة اللام .”[i].
[i] محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، 1986، ص 103
يحيى بن عدي التكريتي (ت 364 هـ / 974 م)
يحيى بن عدي التكريتي فيلسوف ومترجم نصراني يعقوبي، ولد بتكريت واستقر ببغداد، وتتلمذ على أبي بشر متى بن يونس وعلى معلم الفلسفة أبي نصر الفارابي. أصبح يحيى بن عدي رئيس الفلاسفة والمترجمين في بغداد، وعُرف بخزانتة الحافلة بالمخطوطات ونسخه الدقيق للنصوص الفلسفية. تميز منهج يحيى بن عدي بالدقة الحرفية العالية ومراجعة وتصحيح التراجم السابقة. وقد نقل وتصرف في ترجمة كتاب “المقولات”، و”السفسطة”، و”الشعر”، و”الميتافيزيقا” لأرسطو، وكتاب “النواميس” لأفلاطون، وشروح ثافرسطس والشارحين السكندريين. كما وضع مصنفات ومقالات مستقلة في المنطق وتذذيب الأخلاق. “كذلك نجد يحيى بن عدى التكريتي ( + 364 هـ ) حيث نقل من السريانية الى العربية المقولات والسفسطة والشعر والميتافيزيقا لأرسطو
عبد المسيح بن عبد الله بن ناعمة الحمصي وترجمة كتاب أثولوجيا
يمثل عبد المسيح بن ناعمة الحمصي طبقة المترجمين الذين نشطوا في مطلع العصر العباسي الأول تحت رعاية الخليفة المعتصم بالله والفيلسوف يعقوب بن إسحاق الكندي. ويرتبط اسم الحمصي بأحد أهم الأحداث الفكرية في تاريخ الفلسفة الإسلامية، وهو نقل كتاب “أثولوجيا أرسطوطاليس” (الربوبية) إلى اللسان العربي. وعلى الرغم من أن كتاب “أثولوجيا” كان كتاباً منحولاً (وهو في الأصل مقتطفات من تساعيات أفلوطين النيوأفلاطوني)، إلا أن ترجمة الحمصي وإصلاح الكندي له جعل هذا النص المصدر الرئيس لنظرية الفيض والإشراق، والتي وجهت أطروحات الكندي والفارابي وابن سينا في الإلهيات. “وثمة شخصية لها أثرها في الفكر الإسلامي الفلسفي ألا وهو عبد المسيح بن ناعمة الحمصي ، وقد ترجم كتاب « أثولوجيا أرسطوطاليس » ، وأصلحه الفيلسوف الكندي للمعتصم العباسي . والكتاب ليس لأرسطو بل هو من عمل مؤلف سرياني مجهول جمع فيه مقتطفات من تاسوعات أفلوطين السكندري ونسبها لأرسطو… وكان هذا الكتاب مصدراً لخلط كبير عند المسلمين .”[i].
[i] محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، 1986، ص 101
يوحنا بن البطريق والحجاج بن مطر وسلما صاحب بيت الحكمة
يُمثل هؤلاء الأعلام الرعيل الأول من المترجمين الذين أرسلهم الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور وهارون الرشيد والمأمون إلى بلاد الروم والإسكندرية لجلب أمهات كتب الفلاسفة والعلماء. ترجم يوحنا بن البطريق كتاب “الجمهورية” و”طيماوس” لأفلاطون، وكتاب “السر الأكبر” وكتب أرسطو في الطبيعيات؛ وترجم الحجاج بن مطر الحاسب كتاب “المجسطي” لبطليموس في الفلك، وكتاب “الأصول” لإقليدس في الهندسة؛ وترجم سلما صاحب بيت الحكمة مصنفات عديدة في الحساب والمنطق، مما هيأ المادة المفهومية التأسيسية التي بنى عليها الكندي أولى رسائله الفلسفية. “فكان أن أرسل المأمون فريقا كاملا من المترجمين هم : الحجاج بن مطر ، ابن البطريق ، سلما صاحب بيت الحكمة وغيرهم . فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا ، فلما حملوه الى المأمون أمرهم بنقله ، فنقل .”[i]
[i] فيصل بدير عون، الفلسفة الإسلامية في المشرق، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص 21
الكتب المنحولة وأثرها في توجيه الفكر الفلسفي الإسلامي
تعد قضية «الكتب المنحولة» (أي المدونات والمؤلفات التي نُقلت إلى العربية مع نسبة خاطئة أو مكذوبة إلى غير مؤلفيها الأصليين) واحدةً من أكثر الإشكاليات تعقيداً وأثراً في تاريخ حركة الترجمة وتطور الفلسفة الإسلامية. فقد استقبل الفلاسفة المسلمون الأوائل التراث الهيليني عبر وسائط سريانية ومدرسية محمّلة بقراءات توفيقية من مدرسة الإسكندرية المتأخرة، مما أدى إلى اختلاط النصوص المشائية العقلانية بالمتون الإشراقية والفيضية للأفلاطونية المحدثة. واجهت العقلية الإسلامية الناهضة متوناً منسوبة زيفاً لكبار الفلاسفة. وقد ترتب على هذه الظاهرة المنهجية إعادة صياغة الإلهيات الإسلامية وفق منظور تلفيقي جمع بين أرسطو وأفلوطين، مما أشغل فلاسفة الإسلام لعدة قرون في محاولة حل تناقضات واهمة بين نصوص أصلية وأخرى منحولة.
كتاب «أثولوجيا أرسطوطاليس» (الربوبية)
تعتبر هذه المدونة أشهر الكتب المنحولة على الإطلاق، وتعود في أصلها المادي إلى مقتطفات مأخوذة من الميمرات (الرابعة والخامسة والسادسة) من كتاب «التساعيات» لـ أفلوطين السكندري الأفلاطوني المحدث. وقد نُسب هذا الكتاب خطأً إلى المعلم الأول أرسطو، ونُقل إلى العربية في القرن الثالث الهجري. “وثمة شخصية لها أثرها في الفكر الإسلامي الفلسفي ألا وهو عبد المسيح بن ناعمة الحمصي ، وقد ترجم كتاب « أثولوجيا أرسطوطاليس » ، وأصلحه الفيلسوف الكندي للمعتصم العباسي . والكتاب ليس لأرسطو بل هو من عمل مؤلف سرياني مجهول جمع فيه مقتطفات من تاسوعات أفلوطين السكندري ونسبها لأرسطو… وكان هذا الكتاب مصدراً لخلط كبير عند المسلمين .”[i].
[i] محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، 1986، ص 24
كتاب «الإيضاح في الخير المحض)Liber de Causis)»
وهو نص آخر نُسب كذلك إلى أرسطو، بينما تبيّن في التحقيقات الفيلولوجية الحديثة أنه مستخلص ومقتطف من كتاب «مبادئ اللاهوت» لـ بروقلس الأفلاطوني المحدث. ومضمونه يدور حول المرتبة الأولى المفيضة، ونظرية العقول والعلل المفارقة. “ومن أمثال هذا الكتاب المنحول كتاب آخر نقل إلى العربية ولسب خطأ لأرسطو وهو كتاب « الإيضاح في الخير المحض » ، وقد وضعه مؤلف سرياني مجهول جمع فيه مقتطفات من كتاب « مبادئ اللاهوت » لإبروقلس الأفلاطوني المحدث… ونسبه لأرسطو ، وعرف المسلمون كتاب « الإيضاح » واعتمد عليه ابن سبعين في ردوده .”[i].
[i] محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، 1986، ص 25.
منحولات ومدونات أخرى (التفاحة، سر الأسرار، طيماوس الروحاني)
نُقلت إلى العربية نصوص أخرى نسجت حولها الأساطير وخلطت بين الفلسفة والغيبيات والحرفيات الباطنية، مثل كتاب «التفاحة» المنسوب لأرسطو، وكتاب «سر الأسرار»، وكتاب «الأبيات المذهبة»، إلى جانب الشروح المنحولة على طيماوس (كـ «طيماوس الروحاني») وبعض المرويات المنسوبة لـ أنبذقليس (أمبادقليس). “مشكلة الكتب المنحولة: كتاب التفاحة (أثولوجيا)، وكتاب الخير المحض، وكتاب سر الأسرار، وكتاب الأبيات المذهبة… وقد نجم عن هذا الإشكال: تشوه نظرية الوجود الفلسفية العربية بعوالق الفيضيات، وإعاقة جهد فلاسفة الإسلام في مسألة عقيمة هي مسألة التوفيق بين أرسطو وأفلاطون .”[i].
[i] محمد الشيخ، المبهج في الفلسفة العربية الإسلامية، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بصلطنة عمان، 2018، ص 28.
أثر الكتب المنحولة في تشكيل المسار المفهومي للفلسفة الإسلامية
توهم وحدوية المذهب اليوناني وتأزّم منهج التوفيق عند الفارابي
ساد الاعتقاد لدى الفلاسفة المسلمين الأوائل بأن الفلسفة اليونانية تشكل نسيجاً متكاملاً ومذهباً واحداً لا تناقض فيه. وكان كتاب «أثولوجيا» هو السبب الرئيس في إقحام أبي نصر الفارابي (المعلم الثاني) في أزمة منهجية حادة عند تصنيفه لكتابه الشهير «الجمع بين رأيي الحكيمين». “وقد استحكمت الأزمة بصفة خاصة عند فيلسوف حاد الذهن هو أبو نصر الفارابي فتراه في كتاب « الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو » يورد آراء لأرسطو تعارض آراء أخرى له ، ثم يحاول التوفيق بين هذه الآراء المتعارضة زعما منه بأنه لا يعقل أن فيلسوفا كبيرا كأرسطو يناقض نفسه ، والحقيقة أن الفارابي كان يقارن بين نصوص تلقاها من كتاب الحروف ( الميتافيزيقا ) لأرسطو ونصوص أخرى تلقاها من كتاب أثولوجيا ، والأولى نصوص حقيقية لأرسطو أما الثانية فهي ليست له ، ولم يكن الفارابي على علم بذلك ، فأخذ يحتال في تعسف للتوفيق بين هذه الآراء المتناقضة .”[i].
[i] محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، 1986، ص 25.
صبغ الفلسفة المشائية بالطابع الفيضي والإشراقي
أدت ترجمة كتابي «أثولوجيا» و«الخير المحض» إلى تقديم أرسطو للثقافة الإسلامية لا بوصفه منطقياً وعقلانياً صارماً فحسب، بل بوصفه حكيماً إلهياً يثبت نظرية الفيض والإشراق، والاتصال بالعقل الفعال. فتداخلت المقولات المشائية بالمنظومة الأفلاطونية المحدثة، وصار مفهوم العقول المفارقة والفيض الإلهي مكوناً أصيلاً في إلهيات الكندي، والفارابي، وابن سينا.
يقظة التيار النقدي وتصفية التراث (من ابن سينا إلى ابن رشد)
لم تستمر سيطرة هذه الكتب المنحولة دون مراجعة نقدية؛ إذ فطن بعض الفلاسفة إلى الغرابة المفهومية والتناقضات الواردة في تلك النصوص المترجمة. فقد أشار ابن سينا مبكراً إلى الشكوك الفيلولوجية المحيطة بكتاب أثولوجيا. “على أن ابن سينا تنبه إلى مشكلة كتاب « أثولوجيا » فقال في نص حاسم في رسالته إلى الكيا أبي جعفر ، « على ما في أثولوجيا من الطعن » ، وهذه العبارة – ولو أنها تعبر عن الشك العميق في نسبة هذا الكتاب لأرسطو – إلا أن التيار القوي الذي خلفه هذا الكتاب وغيره من الكتب المنسوبة خطأ لأرسطو جعل من المستحيل أن يؤثر هذا النقد في مصير المشائية الإسلامية .”[1].
وفي الأندلس، اتخذ أبو الوليد ابن رشد موقفاً صرماً لتطهير الفلسفة المشائية وتنقيتها من رواسب ونصوص الأفلاطونية المحدثة الشارحة، والعودة بالمتن الأرسطي إلى صفائه العقلاني الأصيل، متجاوزاً التأويلات التوفيقية التي وقع فيها الفارابي وابن سينا.
[1] محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، 1986، ص 26.
https://orcid.org/0009-0009-2016-0523